بين (خيمة صفوان) و(مطعم اوروبا 93) المقدوني القريب من حدود كوسوفو, ثمة علاقة, رغم عدم ملاحظة الكثيرين لها، فقد شهد كلا المكانين خلال حقبة التسعينات استسلام نظامين ديكاتوريين للقوة الدولية . في خيمة صفوان وقع النظام العراقي على استسلام كامل وقبول تام بشروط التحالف الدولي بعد ان احتل غدراً دولة مستقلة هي الكويت, وفي مطعم اوروبا 93 وقع النظام اليوغسلافي الذي يقوده سلوبودان ميلوسيفيتش على شروط النظام الدولي الذي يقوده حلف شمال الاطلسي. وفي المكانين ــ ويا للمفارقة ــ اعلن من استسلم انه انتصر, فقد اعلنت بغداد انها انتصرت على التحالف الدولي, كما اعلنت بلجراد انها فعلت ذلك ايضا, ولم تكن الحرب الجوية التي عرفت الان بحرب الثمانية والسبعين يوما تحتاج الى كثير من الذكاء لتوقع انتصار الطرف المدافع عن الحق والحرية, ولم يكن من الممكن ان تنتهي هذه الحرب بغير ما انتهت اليه, لو كان المنطق الصحيح قد تم استخدامه, وقد كتبت سابقا في هذا المكان, وتحديدا وفي الاسبوع الاول من شهر ابريل ما نصه. (نأتي الان الى مستقبل هذا الصراع بين البيئة الدولية التي ترى ضرورة ان تحكم كل الشعوب حكما حديثا مستجيباً لكل ما حققته الشعوب الاخرى من حريات, وبين حكام قلائل مازالوا يستجيبون الى ادنى الرغبات القومية ذات المنحى العنصري), وقد تحقق ذلك التحليل, ولكني ايضا ربطت وقتها بين انهزام ميلوسيفيتش وبين ما اتوقعه من التفات لما يحدث في بغداد من وضع مؤرق للشعب العراقي اولا, وللآخرين من جيران العراق العرب وغير العرب ثانيا, وخاصة الدول العربية والنظام العربي الذي مازال يعاني من موقف سياسي متشدد في بغداد وغير قابل لفهم التغيرات العالمية. ولم يكن الامر يحتاج الى ضرب من الخيال او قراءة الفنجان للقول بان هذه الحرب لابد ان تنتهي بانتصار الحلفاء ــ لانه وببساطة لا يمكن لحلف الاطلسي ان يخوض اول حرب في تاريخه ويخرج مهزوما منها ــ ولكن الاهم من ذلك هو ان هذا الانتصار لحقوق الانسان مقدمة جديدة تضاف الى ما يترقبه العالم من خطوات في مناطق اخرى وخاصة في منطقة الشرق الاوسط, فالخطوة العالمية الثانية هي باتجاه بغداد التي ترزح ايضا تحت أشكال من الحرمان لحقوق الانسان, ليست بعيدة عن تلك التي عاناها شعب كوسوفو, ولكن انتصار ميلوسيفيتش وصدام حسين الذي تم على الورق وأبواق الاعلام, يذكرنا بالنصيحة التي تقدم بها احد أعضاء الكونجرس للرئيس الامريكي ليندون جونسون عندما قال له (أعلن الانتصار وانسحب) من فيتنام. حرب كوسوفو هي حرب من اجل حقوق الانسان, وهي حرب توقع لها المخططون ان لا تستمر اكثر من ثلاثة ايام, ثم استمرت نحو شهرين ونصف في قصف مستمر على المدن والمناطق الصناعية والعسكرية اليوغسلافية, وكادت في اخر أيامها ان تتحول الى حرب برية, تشهد خلالها اوروبا معارك حقيقية لم تكن قد شهدتها منذ خمسين سنة. الدروس المستفادة من هذه الحرب واضحة, ويمكن قراءة بعضها, ومن أهمها ان المجتمع الدولي لا يمكنه التسامح مع الاضطهاد الفاضح لحقوق الانسان, او عمليات التطهير العرقي المنبعثة من هوس قومي تجاوزه الزمن, فلم تعد الحكومات مطلقة الصلاحية في ان تعيث فساداً في حقوق شعبها, ويقف العالم متفرجا, لقد قرر ميلوسيفيتش الرضوخ للسلام والخروج من اقليم كوسوفو فقط بعد ثلاثة ايام من اعلانه (مجرم حرب), ولكن هذا الانسحاب لن يخرجه من التهمة الدولية, فما نراه اليوم هو تمهيد لتغيير جذري في يوغسلافيا لن ينتظر طويلا. من تلك الدروس ايضا انه لولا الولايات المتحدة وقوتها العسكرية لما تحقق للكوسوفيين حلم العودة الى وطنهم, والتحرر من الاضطهاد الصربي, وبما انهم مسلمون, فان المقولة التي تدعي بان حقوق الانسان تتجزأ قد ثبت عدم صحتها, وسوف تبقى الولايات المتحدة هي القوة الفاعلة على الساحة الدولية لفترة قد تطول في القرن الواحد والعشرين, ورغم ان الانتصار له الف اب كما يقال الا ان المنتصر في حرب كوسوفو هو الامريكي الذي دفع اربعة مليارات دولار حتى الان في هذه الحرب. في الوقت نفسه, فان الدبلوماسية التي كانت تعمل بجد خلف الضربات العسكرية, قد حققت الكثير للوصول الى الاهداف, فلم تكن الدبلوماسية الامريكية ساكنة ولا معطلة, او الآلة العسكرية هي الفاعلة وحدها, وقد قدم ستروب تالبوت وهو نائب وزيرة الخارجية, وهو رجل يحسن التحدث بالروسية وله مقالات في العلاقات الدولية تنشر في كبرى المجلات العالمية, قدم من خبرته الكثير خلف الابواب المغلقة لإبقاء الروس اولا الى جانب المجهود الغربي, وثانيا لاقناع ديكتاتور الصرب ان المخرج الوحيد لمنع تدمير بلاده كليا هو الموافقة على الشروط التي اتفقت عليها الدول الثماني الكبرى, فقد كانت الدبلوماسية هي رديف القنابل, وستبقى الدبلوماسية تقدم دائما الحلول وتؤكد مقولة ان الحرب هي امتداد لها او العكس. من الدروس المهمة ايضا هي ان روسيا بقيادة يلتسين ولاسباب اقتصادية وسياسة داخلية, لم تعد قادرة على اخذ موقف حاد من السياسات الغربية, لقد كانت روسيا قبل انهيار الامبراطورية السوفييتية تقول رأيها في الشأن الدولي (ويذهب رئيسها للنوم) كما يقال كناية عن ان موقفها لا يتزحزح, اما الان, فيحق للمراقب ان يقول ان روسيا (لا يذهب رئيسها للنوم الا بعد موافقته على السياسات الغربية), وقد اصبح من المتعارف عليه لدى الدبلوماسية الغربية ان الروس يقولون شيئاً في العلن وشيئاً اخر في المناقشات خلف الابواب المغلقة, وهو الامر الذي ظهر بعد دخول مفرزة صغيرة من الجيش الروسي الى عاصمة كوسوفو, ثم اعلان خروجها دون ان تخرج فعلا, وهذا ما يتيح للمراقب ان يقول ان روسيا في هذا الوقت او اية دولة اخرى لا تستطيع ان تمارس لعبة التوازن التي شهدتها ازمنة الحرب الباردة, واية مراهنة من دول العالم الثالث على موقف دولي خارج التحالف الغربي هي مراهنة خاسرة في هذا العصر. الدرس الاهم الذي يمكن ان نخرج به من المعركة العسكرية والدبلوماسية التي دارت في الاسابيع الاخيرة في البلقان هو ان الوفاق الدولي حقيقة راسخة, وهو وفاق يدعو الى الكثير من المبادئ, ولن يكون هذا العالم في سلام, بينما في بعض اجزائه تنتهك هذه المبادئ, ولن يكون هناك ديكتاتور في العالم الا ويدرس نتائج حرب كوسوفو بكثير من الدقة والحذر.