توصلت المخابرات الأمريكية, التي يبدو انها كانت مشغولة أثناء وقبيل اندلاع حرب تحرير كوسوفو بجمع المعلومات عن سلوبودان ميلوسيفيتش, الى انه يتفاعل مع الضغوط على نحو سيئ والى انه متقلب المزاج بشكل عنيف , والى انه في حالة تقلب أيضا فيما يتعلق بالوزن الذي عادة مايزداد تحت حالات الضغط النفسي, وتعزو ذلك الى معاناة الزعيم الصربي من مرض السكري وآلام مبرحة في الظهر, فتدفعه هذه الضغوط الى الافراط في تناول المسكرات فوق المعدل والى التدخين بشراهة. وحسبت أن وكالة الاستخبارات الأمريكية المهتمة فيما يبدو بهذا المقدار بصحة ميلوسيفيتش على وشك ان تقدم له العلاج وأن تعرض عليه السفر الى أمريكا للنقاهة والطبابة, لولا انه وأربعة من قادته مطلوبون للعدالة الدولية بوصفهم مجرمي حرب, حتى والناتو يوقع معهم اتفاق الانسحاب من كوسوفو, ما يجعل, للمجرمين ولأول مرة في التاريخ, ربما, شرعية دولية تمنحهم حق التوقيع على الاتفاقيات. غير ان ذلك موضوعا آخر يهم السياسيين والقانونيين أكثر منا نحن الصحفيين, فنبقى مع صورة الطاغية الصربي عند المخابرات الأمريكية, فهو ذو شخصية قاسية باردة, يظهر أحيانا بصورة ودودة وجذابة, لكنه عندما يواجه موقفاً عسيراً يرد بمكر ومخادعة وكذب مباشر, كما أنه عنيد كثيراً ما يعزل مساعديه وجنرالاته عند الاختلاف معه, لذلك من تبقى معه هم الذين يكذبون عليه. مع ذلك فالصورة لا تخلو من جوانب أخرى عن شخصية هذا الطاغية, منها أنه رجل يحب الحياة المرفهة وشغوف بالملابس الفاخرة الايطالية وبالطعام الفرنسي, ويعتبر نفسه أقرب إلى الثقافة الأوروبية على الرغم من كونه ماركسياً, كما أنه مرتبط ارتباطاً عاطفياً حميماً بزوجته الشيوعية التي يقول تقرير المخابرات إنها حلت محل أمه الشيوعية التي ماتت منتحرة مع زوجها والد ميلوسيفيتش الذي كان كاهناً أرثوذكسياً, وتلعب حالياً دور دليله الايديولوجي, كما كانت أمه تماماً. وهكذا فالصورة تذكر بآخرين من الطغاة ممن عرفهم تاريخنا القريب والمعاصر, فهناك مثلاً نيكولاي تشاو تشيسكو الروماني (وزوجته جزء من صورته) الذي كنا نشاهده بالقمصان نص كم الفاخرة والمزركشة, أو الافريقي موبوتو سيسي سيكو بحياته الباذخة, وآخرين مما لا نذكرهم لأن القارئ أذكى من أن نعرفهم له, انتهى أغلبهم بحروب داخلية وثورات وقتل ومن دون ان يجد أحدهم ملجأ أحيانا, على نحو النهاية الدامية لتشاوتشيسكو او النهاية السريعة المدوية لسيسي سيكو, ومنهم من ينتظر. وبطبيعة الحال فان مصير ميلوسيفيتش مثار تساؤل عالمي, هل ينتهي نهاية مأساوية كطاغية رومانيا, أم ينتهي منتحراً خاصة ان هناك سوابق عائلية, أم ينتهي ملاحقاً ومطارداً دولياً بوصفه مجرم حرب, ام ينتهي على أيدي جنرالاته بعزله وقتله لأنه تسبب في دمار وخراب للجيش اليوغسلافي كما لبلده, الى آخر قائمة التساؤلات, التي تستعصي اجابتها حتى على دوائر المخابرات, لأن هذه تضيف الى شخصيته صورة الدكتاتور الذي يجيد الاختباء وفن التخفي والخلاص, فهو في حركة دائمة وانتقال مستمر بين القصور الرئاسية والمخابئ السرية في الأحياء السكنية والملاجئ الأرضية المحصنة والمباني الحكومية. ولن نذكر مع مثل هذه الصورة القراء بمن يعرفون من أمثال ميلوسيفيتش, غير أننا نختم بما هو معروف عن يوغسلافيا, حيث تتمتع شركاتها الانشائية بكفاءة ومهارات عالية في بناء وتشييد الملاجئ المحصنة, وهي الملاجئ التي قيل انها حمت ميلوسيفيتش من الغارات الاطلسية المكثفة, وان هذه الشركات هي التي شيدت بعض أبرز الملاجئ في العراق, حتى أن صدام حسين يطلق عليها مسمى (الملاجئ اليوغسلافية) , فنعرف أن الملاجئ أيضا صورة تجمع الاشباه, كما تجمعهم وتوحدهم الصور الأخرى, من القمصان والبدلات الفاخرة الى العناد والمراوغة وليس انتهاء بالمزاج المتقلب بعنف او المظهر الودود الخادع.