خلال الحرب الباردة لعل القوات النووية السوفييتية اعتبرت (خطا قاعديا) بالنسبة الى متطلبات قوات الولايات المتحدة. واذا كان الامر كذلك فقد كانت لذلك ميزته . وقل في الوقت الحاضر تهديد القوات النووية الروسية للولايات المتحدة. فنتيجة لتآكل القوات النووية الروسية والتخفيض التدريجي لهذه القوات وازالة القوات النووية في الجمهوريات السوفييتية غير الروسية السابقة وانهيار النظام الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفييتي والازمة المالية والاقتصادية الروسية تقلص تقلصا كبيرا التهديد الرئيسي الذي كانت الولايات المتحدة تتخوف منه, وهو هجوم واسع النطاق تقوم به القوات الاستراتيجية السوفييتية على الولايات المتحدة. واشارت الولايات المتحدة والاتحاد الروسي الى رغبتهما في التحرك في النهاية صوب مستويات اخفض من القوات النووية. وفي مؤتمر هلسنكي الذي عقد في مارس 1997 اصدر الرئيسي بوريس يلتسين والرئيس بيل كلينتون بيانا مشتركا تعهدا فيه بالبدء بالمفاوضات ابتغاء التوصل الى معاهدة ستارت الثالثة التي تكون متابعة لستارت الثانية فور بدء سريان معاهدة ستارت الثانية. وكجزء من اطار معاهدة ستارت الثالثة وافقا على هدف تقليل عدد الرؤوس الحربية الاستراتيجية الى 2000 ــ 2500 لكل دولة من الدولتين قبل سنة 2008. لقد التزم يلتسين بمعاهدة ستارت الثانية وبمعاهدة ستارت الثالثة مستقبلا. وعلى الرغم من هذا الالتزام فان احتمال الابرام السريع للاتفاق على مزيد من الحد من الترسانات النووية يحيطه الغموض. يبدو ان البرلمان الروسي (الدوما) غير راغب في التصديق على ستارت الثانية لاسباب منها ان التكافؤ التقريبي بموجب ستارت الثانية لعله يتطلب ان تنفق روسيا, التي تواجه مشاكل مالية, مليارات من الروبلات على وزع 500 من القذائف التسيارية الجديدة ذات الرأس الواحد العابرة للقارات للاستعاضة عن القذائف ذات الرؤوس الحربية المتعددة التي تنص المعاهدة على ازالتها. من هنا ينبع اهتمام الاتحاد الروسي بالشروع بسرعة في بلوغ مستويات اخفض من الرؤوس الحربية, وهي المستويات التي ستتوخى ستارت الثالثة تحقيقها. ويقوم سبب ثان وهو ان المذهب العسكري الروسي يعتمد في فترة ما بعد الحرب الباردة اعتمادا متزايدا على القوات النووية للتعويض عن الهبوط السريع في قدرات القوات التقليدية الروسية. وايضا لعل الاتحاد الروسي حاول ان يستعمل مسألة الحد من الترسانة النووية كوسيلة لثني منظمة حلف شمال الاطلسي عن مد العضوية الى دول كانت سابقا دولا تدور في الفلك السوفييتي. وعلى الرغم من ذلك لعل الدوما سيقرر في النهاية ان من مصلحة الاتحاد الروسي ان يصادق على معاهدة ستارت الثانية وان يوافق على مزيد من الحد لترسانته النووية كجزء من معاهدة ستارت الثالثة في المستقبل. ويرى بعض المحللين انه حتى لو تخلف التفكيك والتدمير (الروسيان للاسلحة).. وراء وتيرة سرعة الولايات المتحدة في ذلك (وذلك ليس واضحا) فان القوات النووية الروسية ستواصل الهبوط بسبب نقص التمويل والاثار الطبيعية للسن, مما تزيده تفاقما اعاقة دورة التحديث خلال الحرب الباردة.. ان القوات النووية الاستراتيجية (الروسية) التي تقدر بحوالي 6240 رأسا حربيا جاهزا للتشغيل يحتمل ان تقل الى 1000 ــ 2000 رأس حربي بحلول 2004. وعلاوة على ذلك ورد في المرجع نفسه الاستنتاج بأن الرؤوس الحربية الاستراتيجية الروسية الجاهزة للتشغيل يحتمل ان يهبط عددها الى 1800 ــ 1500 رأس حربي ما لم يزد الاتحاد الروسي انفاقه الامني زيادة كبيرة خلال العقد المقبل. وبالتالي, على الرغم من عدم رغبة البرلمان الروسي في المصادقة على معاهدة ستارت الثانية فان الاتحاد الروسي قد يميل الى اجراء مفاوضات على تحقيق مزيد من التخفيض لمستوى القوات النووية خلال العقد المقبل. واذا امكن التوصل الى هذه الاتفاقيات فينبغي متابعتها. والمنطق المالي والاستراتيجي للحد من القوات النووية منطق قوي ووجيه. لقد طورت الولايات المتحدة قدرة كبيرة هي قدرة الضرب بالاسلحة التقليدية الدقيقة. واذا شكلت هذه الاسلحة مصدر حماية للولايات المتحدة فيمكن لواشنطن ان تزيد اعتمادها على هذه الاسلحة وان تعمل بالتالي باتجاه تخفيض مستوى تسلحها بالاسلحة النووية. وبزوال الاتحاد السوفييتي وبانتهاء الحرب الباردة قبل ما يزيد على عشر سنوات يبدو ان واضعي السياسة في الولايات المتحدة يبدون قلقا اكبر حيال احتمال وقوع الاسلحة النووية في ايدي دول لا تريد الولايات المتحدة ان تحوزها تلك الدول. ويبدو انهم لا يولون الاهتمام الكافي لغرض ازالة الخطر في ظل حيازة الاسلحة النووية. ان التغيرات العميقة الحاصلة في البيئة الاستراتيجية والامنية العالمية على اثر تفكك الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة تتطلب ان تعيد الولايات المتحدة النظر في مكونات مذهب الردع العسكري. وتصبح طريقة التفكير التقليدية في القوات النووية اشد اشكالا حينما تحدث هذه التغيرات على نحو دوري, وتحفزها احيانا كثيرة موجات من التطور التكنولوجي الذي يسهل حدوث قفزة في الفعالية العسكرية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. واحد هذه التغيرات النوعية حدث بين الحربين العالميتين, حينما طورت القوات المدرعة الآلية التي حلت محل سلاح الفرسان, وحلت السفن الحاملة للطائرات محل السفن الحربية التي كانت تنتجها القوات البحرية للدول العظمى, وحل القذف الجوي الاستراتيجي بوصفه طريقة جديدة في الحرب, واتخذت الاسلحة النووية لدى الدول الحائزة لها مكانها على حساب الاسلحة التقليدية. وحينما استحدثت الاسلحة النووية في منتصف القرن الحالي ادى ذلك بالاستراتيجيين الى اعادة التفكير في حسابات الحرب.