بدأ السباق الرئاسي لعام 2000 يتسارع بشكل مثير في الولايات المتحدة الأمريكية مع دفع الجمهوريين والديمقراطيين لحملتيهما الانتخابيتين بحماس وزخم كبيرين, فقد قام الجمهوري جورج بوش حاكم تكساس برحلته الانتخابية التي انتظرت طويلا الى أيوا ونيوهامبشاير في الوقت الذي بدأ نائب الرئيس آل جور مسبقا حملته بزيارات قام بها الى تينيسي ونيو هامبشاير ونيويورك وأيوا, وفي كلا المكانين اللذين زارهما المرشحان حصل جورج بوش على الاهتمام الاعلامي الأكبر, فبشكل أو باخر ما زال حاكم تكساس لغزا الى حد ما, إذ لم يتعرض حتى الآن لأي اختبار كمرشح رئاسي وغير معروف الى حد كبير كزعيم سياسي (أظهرت دراسة حديثة للرأي العام ان نصف ابناء تكساس تقريبا لم يستطعوا أن يشيروا الى انجاز واحد له), وعلى الرغم من كل ذلك يظل بوش الخيار الذي استقر عليه أكثر من 50% من الجمهوريين والمرشح المفضل للحزب الجمهوري. ويبدو ان قوة بوش أصبحت من الصعب الوقوف بوجهها, فحتى قبل أن يبدأ حملته الرسمية حصل بوش على مباركة أكثر من نصف الأعضاء الجمهوريين, في الكونجرس وأكثر من نصف حكام الولايات المتحدة الجمهوريين ومعظم شيوخ الولايات وممثليها في كل البلاد. ومن جانب آخر فإن بوش هو الأنجح في جمع تبرعات الدعم لحملته, بل ان نجاحه وصل حدا جعل من الصعب على منافسيه الجمهوريين الحصول على ما يكفي لتحريك حملاتهم الانتخابية قدما, وعلى سبيل المثال أعلن لامار ألكسندر, الذي اعتبر ذات مرة مرشحا قويا, الأسبوع الماضي أنه بدأ بتخفيض مكافآت العاملين في فريقه وانه سيحدد حملته المبكرة داخل ولاية أيوا, والسبب وراء ذلك يعود الى ان المئات من أنصار ألكسندر والمساهمين في حملته الانتخابية عام 1996 قد تحولوا الآن لمعسكر بوش. والمتابع لحملة الانتخابات الآن يلاحظ وجود هالة من الحتمية والقوة تحيط بجورج بوش جعلت بعض متحديه الجمهوريين ينتقدون ما أسموه بعملية (تتويج المؤسسة الجمهورية لبوش) . ويتوقع أن يواجه بوش باعتباره المتصدر بلا منازع هجوما مبكرا وعنيفا من الديمقراطيين ومنافسيه الجمهوريين, كما انه سيصبح تحت مراقبة دقيقة جدا من قبل الاعلام الأمريكي. من جانبهم بدأ الديمقراطيون بتوجيه هجومهم وتركيزه على بوش وذلك باسترجاع ما أسموه (تقلبه) بشأن كارثة كوسوفو (في البداية كانت آراءه متضاربة حول تورط الولايات المتحدة بها, قبل أن يصبح مؤيدا لفكرة الزج بالقوات البرية في الصراع), اضافة لمهاجمتهم تقلبه بشأن تعهد بعدم زيادة الضرائب ( في البداية رفض توقيعه, لكن في اليوم التالي وافق على نسخة معدلة منه). ونتيجة لكون صدارته في السباق الانتخابي بادية التفوق فإن زملاءه المرشحين عن الجانب الديمقراطي لن يوفروه ايضا, فقد هاجمه جاري بوير وبات بوكانان لدعمه دخول الصين منظمة التجارة العالمية ولموقفه الأقل من الحاسم بشأن منع الاجهاض. ومن جانبهم ايضا أوضح دان كويل وستيف فوريس واليزابيث دول ولامارا الكسندر تماما ان بوش لن يتمكن من عبور طريق مريح نحو تسميته مرشحا جمهوريا للانتخابات الرئاسية. ويؤكد هؤلاء كما ادعى فوربس مؤخرا, بأن المسيرة الجمهورية نحو الرئاسة قد تتحول لمسيرة تتعرض المؤسسة الجمهورية بها للتهديد ممن هم خارجها, ويدعي متحديه أن بوش باعتباره لم يعبر الا عن مواقف محدودة وقليلة جدا حتى الآن, فإن دعم المؤسسة الجمهورية له تعتمد بالكامل على استطلاعات الرأي , وهذه الاستطلاعات بدورها تعتمد على اسمه فقط باعتبار أن معظم الناخبين لايعرفون الا القليل عن حاكم تكساس. وفي محاولة لعرقلة تقدم بوش المطرد, أصدر الجناح الاجتماعي المحافظ في الحزب الجمهوري منشورا بعنوان (أسباب عدم دعمنا لجورج بوش) والذي وزعوه على نشطائهم في كل أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية. من جانب آخر وعلى الرغم من ان كل التحديات التي ذكرناها هي عقبات خطيرة بالنسبة لجورج بوش, فإن التهديد الأكبر الذي يواجهه سيكون الإعلام الأمريكي. فبوجود اكثر من 200 محرر صحفي تابعوا اولى خطواته في السباق الانتخابي, يمكن لجورج بوش الان ان يكون متيقنا من ان كل خطوة يأتي بها ستخضع للتمحيص والتدقيق, وبالتالي فان اتفه هفوة أو زلة قد تتضخم لتصبح خطأ فادحا. ولذلك حرص مستشارو بوش وبدقة بالغة على تنظيم الجولة الاولى لمرشحهم, اضافة إلى انهم يقيدون وصول الصحافة اليه ويتحكمون بكل تحركاته لتجنب اية اخطاء محتملة, ومع ان هذا يمكن ان يقي المرشح من التعرض لتغطية اعلامية سلبية مبكرة عنه, فانه على جانب آخر يحد من مقدرته على التواصل مع الناخبين وترسيخ علاقة شخصية معهم وهو الهدف الذي امضى منافسوه شهورا عديدة لتحقيقه. ولابد وان يكون بوش متأكدا الان من انه وعلى الرغم من عدم تعرضه لاي هزة وكونه مرشح ما زال بكامل زهوته ودون اي وصمة, فان الاعلام ومنافسيه سيبدأون فورا بعملية البحث والتقصي عن كل ما يثير الجدل في حياته الشخصية سابقا. وبدأت الشائعات منذ الان تدور حول مرحلة (الشباب الارعن) التي عاشها بوش اضافة لصفقاته التجارية, وفي حين يمكن دحض صلة هذه القضايا بالانتخابات, فمن المهم له الاستعداد لمواجهة الاتهامات حال ظهورها للعلن, وكيف سيستطيع اقناع الناخب الجمهوري بردوده. وقد اثبتت حملة كلينتون الانتخابية عام 1992 ان الاختبار الجوهري الذي يتوجب على المرشح للرئاسة ان يجتازه بنجاح هو كيفية تصديه لهجمات الاعلام الضارية. واتوقع للشهور القليلة المقبلة ان تكون ذات اهمية حاسمة لحملة جورج بوش الانتخابية, فاذا ما تمكن من تجنب اي خطأ كبير وحافظ على صدارته, عندها ستكون فرصته كبيرة جدا في تسميته مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية, لكن ان بدأ يتخبط, فان هذه الصدارة التي يتمتع بها الان يمكن ان تتبخر بسهولة بين ليلة وضحاها الامر الذي يجعل من السباق داخل الحزب الجمهوري منافسة شرسة فعلا. من جانبه قرر آل جور ان يستبق الامور ويبكر في اعلان ترشيحه رسميا من سبتمبر إلى منتصف يونيو نتيجة لاستقطاب حملة بوش الانتخابية لوسائل الاعلام من جهة والانتقادات التي تعرض لها كون حملته تتراجع من جهة اخرى. يذكر ان آل جور ومنذ فترة طويلة تعرض لتوصيفات عديدة التصقت به مثل (ممل) , و(بليد) , و(متيبس) وبينما تفضل المؤسسة الجمهورية الان ترشيح جور للانتخابات, فان الاعلام قد ركز على شخصية جور وادائه غير المتميز اثناء حملته الانتخابية, ومخاوف الديمقراطيين من ان جور الذي يتراجع امام بوش في استطلاعات الرأي ربما لن يكون قادرا على انتخابات عام 2000. بل وحتى الرئيس بيل كلينتون اصبح جزءا من مشاكل جور عندما نقلت صحيفة وطنية عن كلينتون قلقه من بطء حملة جور. ولتعقيد مخاوفه, فقد بدأت الصحافة تكرس نسبة اكبر من الاهتمام لمنافسه الديمقراطي الوحيد بيل برادلي سيناتور نيوجيرسي السابق ولبعض الاسابيع بدا وكأن حملة برادلي اصبحت جزءا من الهيستريا الاعلامية الحالية, لكن هذه الهيستريا لم يكن يستحقها برادلي فعلا, فلم يحقق حتى سوى القليل جدا ولم يتمكن فعليا من اتخاذ اي موقف من اي قضية اساسية ومع ذلك وجد حملته الانتخابية فجأة تنال كل هذا الاهتمام من الصحافة على حساب نائب الرئيس آل جور, ويبدو ان برادلي كان يستفيد من حقيقة بسيطة جدا وهو أنه (ليس آل جور) . وفي خطوة لتغيير الحالة الراهنة له, اعلن جور عن تعيين شخصية بارزة ومؤثرة جدا لتترأس حملته الانتخابية, اذ من المنتظر ان يبدأ طوني كيملو وهو الزعيم الديمقراطي السابق في الكونجرس في توجيه حملة جور, وفي نفس الوقت صعد جور من جدول اعماله الانتخابي حيث سيحضر عدة مناسبات مهمة هذا الاسبوع ستأخذه إلى كل انحاء الولايات المتحدة الامريكية. والاختبار الذي ينتظر جور الان هو فيما اذا كان سيستطيع تعزيز القفزة الجديدة التي حققها هذه واذا ما كان سيتمكن من نفض هذا الانطباع (المتيبس) بعيدا عنه أو ان يوظفه لصالحه على الاقل. بوش وجور سوية يواجهان الان ما يعرف بمواقف (رجال المقدمة) , وهو القدر الذي يواجهه عادة ابرز المرشحين عن الحزبين مبكرا, يتطلب منهم تقديم الكثير في ظرف شديد الحساسية لا يحتمل اي خطأ. وفي الوقت الذي ما زالت الانتخابات بعيدة عنا بأكثر من ثمانية اشهر, يتوجب على كلا المرشحين اختيار الوسائل للحفاظ على صدارتهما وتوجيه حملتيهما في ظل معركة عنيفة وقاسية تنتظرهما. ويكفي القول انه نتيجة لكون الوقت ما زال مبكرا على الانتخابات, فعلى المرشحين تكثيف جداول اعمالهما لتصبح حملة متواصلة مطردة في الشهور المقبلة حتى لا يتعرض احدهما لخسارة اي مواقع على الارض لصالح الآخرين.