من جديد القضية الفلسطينية تقف امام مفترق طرق, فإما عودة لسياسة الخطوة ــ خطوة الكيسنجرية التي سار عليها ياسر عرفات منذ مدريد وبشكل خاص منذ أوسلو حتى الآن , وإما قفل وتجاوز سياسة الخطوة ــ خطوة بحكم انتهاء فترة اتفاقات أوسلو وواي بلانتيشن في 4 مايو 1999 والانتقال الى مرحلة نوعية جديدة في حياة الشعب الفلسطيني ومنطقة الشرق الاوسط. فجميع الذين وقعوا على اتفاقات أوسلو انتهت تواقيعهم في 4 مايو 1999 وتنتهي معها بذلك المرحلتان. المرحلة الأولى: حكم ذاتي للسكان دون أية سيادة على شبر من الأرض لمدة خمس سنوات, وبدءا من بداية السنة الثالثة من الحكم الذاتي ثلاث سنوات مفاوضات الوضع الدائم وكل هذا انتهى في التاريخ المذكور وهو الخامس من مايو 1999. ولذلك بادرت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين منذ مايو 98 بعقد مؤتمر وطني عام لعموم تنظيمات الجبهة الديمقراطية في الوطن وفي الشتات وفي المهاجر الأجنبية وأمام مرأى ومسمع من اجهزة الاعلام العربية المرئية والمسموعة, وبحضورها, قامت بعملية مراجعة نقدية ذاتية وشاملة على المستوى الوطني والقومي العام وانتهت الى استخلاص مبادرة جديدة اطلقتها في ذلك التاريخ, تدعو فيها السلطة والمعارضة وكل قوى الشعب الفلسطيني بكل تياراته الى فتح حوار وطني فلسطيني شامل نحضر فيه لما بعد انتهاء المرحلة الانتقالية واسدال الستار على فترة مظلمة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية, وان نصل الى برنامج قواسم مشتركة جديد بين المعارضة والسلطة وفي مقدمته اعلان انتهاء المرحلة الانتقالية وعدم تمديدها. وإعلان سيادة دولة فلسطين على جميع الاراضي الفلسطينية عام 1967 حتى خطوط 4 يونيو أي الضفة الفلسطينية وقطاع غزة والقدس العربية الشرقية وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الائتلافية المدمرة منذ اتفاق اوسلو 1993 حتى يومنا هذا. والقصد من ذلك هو الانتقال الى مرحلة نوعية جديدة تقوم على ديناميات كفاحية على الارض من خلال دعوة الشعب الفلسطيني في كل المناطق المحتلة بــ (C. B. H1. H2) والمحميات الطبيعية وهي تشكل 90% من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967, وبنسبة 70% منها, احتلالا كاملا امنيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا وإداريا و20% احتلالا عسكريا وأمنيا. وندعو الشعب الفلسطيني في هذه المناطق الى الالتفاف حول هذه الدولة الوليدة والانتفاضة الجديدة المتطورة لبسط ومد سيادة هذه الدولة على جميع هذه الأراضي العربية المحتلة. نعم المقصود اندلاع انتفاضة متطورة مجددا وبشكل اقوى, اذ لا يمكن ان نتخلى عن نضال 25 سنة في الثورة وستة اعوام في الانتفاضة وكلها عامرة بالتضحيات وأنهار الدماء والدموع والجوع والشهادة والمواقف المشرفة. وبالعودة لنتائج الانتخابات الاسرائيلية نجد صلة جدلية يومية وحية بمصير الأرض الفلسطينية وحقوق شعبنا بتقرير المصير والاستقلال وحل مشكلة اللاجئين وفقا للقرارات الدولية, فالأحزاب الاسرائيلية من أقصاها (يمينا ووسطا ويسارا صهيونيا) الى اقصاها وضعت في برامجها مخططات لمصير ومصائر شعبنا, وعلينا نحن ان نرد ونعلن مصيرنا بإرادتنا وفي هذا السياق نقول وبلغة واضحة ان هناك علاقة مساحة من التمايز بين الحزبين الكبيرين: العمل والليكود, وبين المرشحين باراك ونتانياهو وهناك مربعات عليها اجماع يهودي اسرائيلي صهيوني بين الحزبين الكبيرين وأيضا كل من باراك ونتانياهو. ونقاط الاجماع بينهما هي: أولا: ان القدس الموحدة عاصمة أبدية للدولة العبرية. ثانيا: لا عودة لخطوط 4 يونيو 1967. ثالثا: الكتل الاستيطانية في الضفة الفلسطينية يجري ضمها للدولة العبرية. رابعا: غور الأردن بشريط متفاوت بين الطرفين يجري ايضا ضمه للدولة العبرية. خامسا: لا جيش للفلسطينيين ولا جيشا عربيا على الأرض الفلسطينية. سادسا: لا عودة للاجئين الى داخل ارض 1948 وتجاهل قرار الأمم المتحدة 194. هذه مربعات عليها اجماع اسرائيلي يهودي صهيوني, وهذا الأمر محزن اذ بعد أكثر من خمسين عاما على التطهير العرقي تجاه شعبنا حيث يقيم 62% منهم خارج اراضيه الوطنية, بواقع أربعة ملايين في الدول العربية والمهاجر والدول الأجنبية ومليون ونصف المليون لاجىء في الضفة الغربية وقطاع غزة من مجموع الشعب الفلسطيني. أي ان مليون ونصف المليون مواطن في الداخل في الضفة وغزة ما قبل وما بعد 1948 ومليون داخل الدولة العبرية هم فقط غير اللاجئين الذين يقيمون على أرض الوطن. وبالتدقيق الملموس يمكن القول ان هناك بين الحزبين الأكثر في اسرائيل نقاط تمايز تتمثل في الخرافة التوسعية, اذ ان حزب العمل في صفوفه اتجاهان الأول: يمثله جناح الحمائم (بيلين, برعام, رامون, شلومو, بن عامي, ابراهام بورج...) ولديه استعداد للبحث الجاد في الوصول الى سلام فلسطيني اسرائيلي يؤمن انسحاب اسرائيل من أغلبية الاراضي المحتلة عام 1967. الثاني: هو اتجاه جناح الصقور بزعامة باراك الذي لاحظنا من خلال حملته الانتخابية انه يتجه يمينا وصقريا أيضا ويطرح خارطة كان قد طرحها على رابين اثناء مفاوضات طابا عام 1994 لوضع تطبيق لاتفاق مبادىء أوسلو (أ) تشمل 52% من الضفة الفلسطينية اضافة للقدس الكبرى وترتيب خاص لمجمع المستوطنات في جنوب قطاع غزة الذي يضع يده على 37% من مجموع مساحة قطاع غزة (362 كم مربع) ويقيم عليها الآن خمسة آلاف مستوطن بينما 63% من قطاع غزة الذي انسحب منه جيش الاحتلال يقيم عليه مليون فلسطيني, لنلاحظ هنا الاختلال الهائل في المعايير الاسرائيلية الصهيونية التوسعية. يلتقي نتانياهو ومعظم قادة الليكود مع صقور العمل بزعامة باراك في النقاط الست في ذات المربع. لكن الاختلاف عنه بمساحات التوسع في الاراضي المحتلة التي لدى الليكود, ولدى نتانياهو استعداد للانسحاب منها حيث يصر برنامج نتانياهو على الاحتفاظ الى جانب القدس بأربع وستين في المائة من الضفة الفلسطينية فضلا عن الترتيب الخاص بجنوب قطاع غزة وألا يتم اخلاء أية مستوطنة على الاطلاق. ان الوضع المقبل علينا بعد الانتخابات الاسرائيلية شديد التعقيد, ومرونة باراك جزئية بشأن القضية الفلسطينية بالمقارنة مع نتانياهو, لكن مرونة جناح حزب العمل الحمائمي أوسع من مرونة جناح الصقور في حزب العمل. فالتأثير كبير في نتائج الانتخابات الاسرائيلية على الحقوق الفلسطينية أرضا وشعبا وتقرير مصير وحق الاستقلال بدولة مستقلة حق اللاجئين بالعودة عملا بالقرار الدولي 194. وبالعودة الى الوراء قليلا, يتكرر الدرس ذاته, لكن بصورة مأساوية, حيث المشاركة الفلسطينية المقزمة بتسوية مدريد خلافا للاشتراطات الوطنية الواقعية التي أقرها المجلس الوطني الفلسطيني عشية مدريد في سبتمبر ـ اكتوبر/1991. فقد كان من الممكن ان نصل الى ما هو أوسع وأرقى مما وصل له اليمين ويمين الوسط في منظمة التحرير الفلسطينية وممثلا بالجناح الفتحاوي ومن يدور في فلكه يقوده الأخ ياسر عرفات. وهذا ما توصلنا اليه قبل مؤتمر مدريد بالمجلس الوطني الفلسطيني في 30 سبتمبر 1991 والمجلس المركزي لمنظمة التحرير في 18 اكتوبر ,1991 وقلنا اننا جاهزون للذهاب لمفاوضات السلام وكان قرار المجلس الشرطي: (ان نتلقى ضمانات من راعيي المؤتمر في ذلك الوقت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بوقف الاستيطان حتى تبقى الأراضي محتلة نتفاوض من أجل جلاء المحتلين والمستوطنين عنها) . وان تتم المفاوضات, حالنا حال سوريا والاردن ولبنان, بمرحلة واحدة وليس بسياسة الخطوة ــ خطوة الكيسنجرية. والمرحلة الواحدة تقوم على قراري مجلس الأمن 242 و338 وقراري الأمم المتحدة الخاصين باللاجئين والنازحين 194 و237. لكن الأخ ياسر عرفات وجناح اليمين ويمين الوسط في منظمة التحرير كسروا هذه القرارات المنسجمة مع قرارات الشرعية الدولية بمعرفة دول الطوق وتشجيع بعضها (راجع كتاب حواتمة : أوسلو والسلام الآخر المتوازن), وذهبوا الى مدريد بموجب اشتراطات شامير على جيمس بيكر في أعماله التحضيرية لمؤتمر مدريد (راجع كتاب جيمس بيكر : الدبلوماسية بين الحرب والسلام), أي (بدون أية ضمانات لوقف الاستيطان وعلى مرحلتين) , مرحلة حكم ذاتي للسكان بدون سيادة على الأرض لمدة خمس سنوات وباعتبارها (أرض متنازع عليها) , وبعدها يتقرر ما هي طبيعة هذه الأرض ومصيرها بالمفاوضات, وكان من الممكن ان تكون النتائج بهذه السنوات أوسع وأرقى بكثير مما وقع لكن اليمين ويمين الوسط فرطا بالوحدة الوطنية, بالشعب الموحد, بوحدة جميع القوى التي قادت الشعب الفلسطيني في الثورة والانتفاضة والائتلاف الوطني العريض وفرطا بالترابط بين مسارات التفاوض الفلسطينية ــ العربية كما فرطا بقرارات ومرجعية الشرعية الدولية. فالشرعية الدولية غابت في مفاوضات المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي, وكرت السبحة من المفاوضات مع الليكود بقيادة شامير الى المفاوضات مع حزب العمل ثم الليكود والآن من جديد مع صقور العمل بقيادة باراك وبالأوهام والسراب الضائع مع فقدان أعمدة قوة الشعب الموحد والبرنامج المشترك والوحدة الوطنية الفلسطينية. فالشرعية الدولية لم تكن هي الأساس الذي استند اليه المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي في مفاوضات مدريد, ولهذا جاء نتاجها المر في أوسلو وانفلات غول الاستيطان الذي لا يتوقف وآخر حلقاته الكبرى في جبل أبوغنيم لقفل تطويق القدس ورأس العمود في قلب القدس, ومعاليه ادوميم من القدس الى غور الاردن وشطر شمال الضفة عن جنوبها. الآن لا نستطيع فقط ان نترحم على الماضي, فأوسلو وتداعياتها وتنازلاتها تدخل في باب الأمر الواقع (دي فاكتو) وما نتج عنها حتى الآن لا يلبي الحدود الدنيا من الحقوق الوطنية والترابية الفلسطينية, فالسلطة تقيم على 10% فقط من الارض المحتلة عام ,1967 واذا تم تطبيق اتفاق واي بلانتيشن الذي كان من المفترض ان يكون قد انجز تطبيقه مع نهاية عام 1998 فسيصبح بيد السلطة الفلسطينية في المنطقة (أ) نحو 2.18% فقط من الأراضي الفلسطينية المحتلة والباقي يبقى تحت الاحتلال الاسرائيلي وتحت الاستيطان اما احتلال كامل, أي 60% والباقي 8.21% احتلال عسكري وأمني بدون تسوية متوازنة عملا بقرارات ومرجعية الشرعية الدولية, فإن الأمن والاستقرار والسلام في الشرق الأوسط لن نشهد, ولن يشهد, الاسرائيليون وسيل الدماء سيتواصل كما وقع قبل مدريد وبعده, أوسلو وواي بلانتيشن وبعده. نحن نريد سلاما شاملا متوازنا للفلسطينيين والاسرائيليين والعرب والعالم في منطقتنا, وهذا شرطه تطبيق قرارات الشرعية الدولية وبدون هذا ستبقى كل الخطوات عرجاء هشة تذروها العواصف عندما تهب, والشعوب لا يمكن ان تصمت على ظلمها الواقعي كما فعل شعبنا عام 1967 بنهوض الثورة والمقاومة الفلسطينية بشكل عاصف ومتعاظم ردا على الهزيمة على كل الارض الفلسطينية, بالاضافة الى الجولان وسيناء, وكما وقع بحرب اكتوبر 1973 وتداعياتها, وفيما بعد في عام 1978 جنوب لبنان. وكما فعل الشعب اللبناني والشجاع في جنوب لبنان وعندما احتل العدو عاصمته البطلة بيروت 1982 وأرغم المحتلين على الرحيل والانحسار مرة اخرى بمنطقة الشريط الحدودي المحتلة عام ,1978 ولهذا نريد الخلاص من كل هذه الآلام, وان يشهد أطفالنا فلسطينيين وعربا واسرائيليين حياة السلام بعد خمسة أجيال من والحروب العدوانية الدامية التي شنها علينا المشروع الصهيوني والذي تواصله الدولة العبرية بالخطط والخطوات التوسعية التي لم تتوقف منذ قيامها عام 1948 وحتى الآن. الأمين العام للجبهة الديمقراطية الشعبية لتحرير فلسطين