لنعترف ان الاستعمار الاوروبي (البريطاني والفرنسي) انتقل بالعرب من ظلام الانحطاط الحضاري على عهد الامبراطورية العثمانية الى رحاب الثقافة الاوروبية الحديثة في القرن العشرين . في مجالات الادب والنقد الادبي والفكر والموسيقى بدأت نقلة نوعية حضارية في العالم العربي لفترة ما بعد الحرب العالمية الاولى لاتزال تتفاعل حتى اليوم. كان العنصر الاساسي لهذه النقلة هو ادخال نظم التعليم الحديث بمراحله المدرسية والعالية مما ادى لظهور اجيال متلاحقة مسلحة بأدوات للمعرفة والثقافة وطرائق التفكير لم يعرفها العالم العربي من قبل. وتباعا برزت رموز من المبدعين في شتى المجالات. في عقد الثلاثينات وما بعده كان من أبرز الظواهر الثقافية في مصر انقسام الأجيال المتعاقبة لشباب المتعلمين الى فريقين: فريق طه حسين وفريق عباس محمود العقاد, باعتبارهما اسطع نجمين في مجال النقد الادبي والثقافة العامة وتفسير التاريخ العربي والاسلامي. وما كان أي منهما ليعتبر مفكرا كاتبا ذا مكانة فذة ومتميزة لولا الخلفية الثقافية الاوروبية لكل منهما: الثقافة الفرنسية بالنسبة الى طه حسين الذي تلقى تعليمه العالي في باريس والثقافة الانجليزية بالنسبة الى عباس العقاد الذي علم نفسه بنفسه. وعلى نهجهما سار توفيق الحكيم (ثقافة فرنسية) الذي كان ايضا ذا قدرات في مجال الابداع فأنتج اعمالا قصصية وفلسفية. وفي مجال الشعر ظهر في تونس ابو القاسم الشابي كرمز للمدرسة الرومانسية الاوروبية متأثراً بالشاعر الفرنسي لامارتين والشاعر الانجليزي لورد بايرون. وسرعان ما ردد صداه الشاعر السوداني التجاني يوسف بشير. ورغم ان احمد شوقي (أمير الشعراء) وحافظ ابراهيم (شاعر النيل) لم يكونا من رموز المدرسة الرومانسية (فقد غلب على انتاجهما شعر المناسبات) الا ان كليهما استفاد من الاخيلة الشعرية الاوروبية التي راجت كاحدى نتائج الانفتاح الثقافي الاوروبي على العالم العربي. هذه الاخيلة الشعرية الاوروبية تلقفها ايضا الشاعر اللبناني ايليا ابو ماضي.. وطورها لاحقا الى اقصى حدود التحرر الابداعي نزار قباني الشاعر السوري. وفي مجال الغناء يحتار الناقد التاريخي بازاء سؤال كبير: ايهم صاحب الفضل على الاخر: الشاعر ام الملحن ام الفنان صاحب الاداء الصوتي؟ لقد بلغت ام كلثوم بأدائها الغنائي مرتبة لم يبلغها مغنٍ عربي من قبل او من بعد. ولكن هل كان متاحا لأم كلثوم ان تكون كذلك دون قصائد احمد رامي التي نظمت باللغة العامية؟ وهل كان من الممكن لشعر رامي وموهبة ام كلثوم الصوتية ان ينتجا درراً غنائية خالدة لولا الابداع الموسيقي للملحن رياض السنباطي مثلا؟ والشاهد ان ثلاثتهم عباقرة.. والشاهد ايضا ان الثقافة الاوروبية الحديثة كانت وراء الابداع الشعري لاحمد رامي والابداع الموسيقى للسنباطي الذي استلهم الوانا نغمية اوروبية مثل ( الفالس) لتطعيم الموسيقى الشرقية التقليدية. هذا النقل الابداعي برع فيه ايضا (الأخوان رحباني) في لبنان استغلالا للموهبة الصوتية الملائكية للفنانة فيروز. وهناك فنون بأكملها اخذناها عن اوروبا في القرن العشرين: الفن المسرحي وفن الاخراج السينمائي مثلا. ومن عباقرة المسرح جورج ابيض في سوريا ونجيب الريحاني ويوسف وهبي في مصر. ومن عباقرة الاخراج السينمائي المخرج الرائد (كمال سليم) ومن بعده (صلاح ابو سيف) . ويبقى سؤال: ما هي الحصيلة النهائية للقرن العشرين عربيا, سياسيا وثقافيا؟ باختصار, ارى ان النصف الاول للقرن كان افضل من نصفه الثاني. كان النصف الاول عصر خطوات متسارعة للأمام. اما النصف الثاني فهو عصر التراجع الى درجة الاضمحلال.