لاتعتبر مشكلات الامن في اسرائيل قضايا مجردة لكونها تشغل حيزا هاما من حياة الشعب الاسرائيلي , حيث اصبح الامن هو الهاجس اليومي لكل الاسرائيليين الا انه رغم هذا الاهتمام فإن مناقشة هذه المشكلات ينقصها التماسك والتجانس بسبب الصعوبة الفكرية والايديولوجية التي تلاقيها النخبة الحاكمة في طرح فكر استراتيجي شامل للعناصر المؤثرة على الوضع الامني لاسرائيل حيث اصبح من المسلمات في الفكر الاستراتيجي الاسرائيلي ان ضمان امن اسرائيل لا يمكن ان يعتمد على الوسائل العسكرية, خاصة وان الابعاد الجغرافية والديموجرافية والاقتصادية والاجتماعية ذات تأثير قوي على الميزان العسكري لذلك اصبحت هناك حاجة ماسة كما يقول الباحث الاستراتيجي الاسرائيلي (افنيريانيف) في كتابه السياسة والاستراتيجية في اسرائيل, لعقد اتفاقات سياسية مع العرب لحل النزاع وتحقيق تسوية سلمية للصراع الدائر معهم, مع ضرورة ان يقترن ذلك بترتيبات امنية وضمانات وتفاهم معهم ومع الولايات المتحدة وكذلك في اطار نظرية امنية جديدة تقضي على السلبيات التي افرزتها النظرية الامنية القديمة على صعيد التطبيق العملي عبر نصف قرن من الممارسة العملية, وتواكب التغيرات المتوقعة مع دخول اسرائيل القرن الحادي والعشرين. لماذا الحاجة الى نظرية امنية جديدة؟ مما لاشك فيه ان خمسين عاما من الممارسة العملية لنظرية الامن الاسرائيلي واستراتيجيتها العسكرية التي تعد تطبيقا لها على الصعيد الدفاعي, قد افرزت دروسا عديدة وكشفت عن العديد من عناصر القوة والضعف فيها هذا بالاضافة الى الكثير من القضايا الامنية التي فجرتها عملية السلام, والتطور التكنولوجي المتسارع في معدات واسلحة القتال على الساحة العالمية والذي الغى مفاهيم امنية كانت راسخة في العقيدة القديمة, مثل الحدود الآمنة التي تجاوزتها وعبرتها الصواريخ البالستية العربية الى العمق الاسرائيلي واصبحت تهدده كما حدث في حرب الخليج عام 1991 كما ثبت ايضا عقم فكرة تهويد الاراضي المحتلة طالما ان اسرائيل غير قادرة على تهويد سكان هذه الاراضي لصعوبة بل استحالة تعديل الميزان الديموجرافي الذي يميل بشدة لصالح العرب مهما بذلت اسرائيل من جهود من اجل زيادة النسل وتشجيع هجرة يهود الشتات اليها فستبقى بمثابة جزيرة صغيرة وسط بحر متلاطم من العرب وهو ما عبر عنه المفكر الاسرائيلي (هارئفين) في قوله: يوجد حاليا 5 ملايين نسمة في اسرائيل, بينهم عربي واحد امام كل ستة يهود, وحتى لو وصل تعداد اسرائيل عام 2010 الى ستة ملايين نسمة فستزداد نسبة العرب بينهم عن مليون ومع افتراض وصول عدد سكانها عام 2050 الى 10 ملايين نسمة فستبقى بالمقاييس العلمية شعبا صغيرا ودولة صغيرة مقابل جيران مثل مصر التي سيصل عدد سكانها الى 80 مليون نسمة, والعراق وسوريا كل منهما الى 20 مليون نسمة وحتى مع افتراض هجرة كل يهود العالم اليها وتصور امكانية ان تنجب كل عائلة 4 ــ5 اطفال فإن اسرائيل ستبقى شعبا صغيرا في مساحة صغيرة من الارض, معرضا للعديد من الاخطار وفي دراسة لمكتب احصاء اسرائيل افادت ان معدل تزايد السكان العرب داخل اسرائيل وفي الضفة وغزة يزداد بأعلى معدل في العالم (4.5%) وبالتالي ينتظر ان يصل عددهم عام 2010 الى 4 ملايين نسمة, وبالتالي ستكون نسبة غير اليهود (السكان العرب) الى اجمالي سكان اسرائيل والضفة اكثر من 50% اما البروفسور الاسرائيلي (يوسف كلنسمان) فيقول في كتابه (الانفجار السكاني تهويد ام اسطورة) ان الرهان العربي في القرن المقبل سيكون على تفوقهم البشري حيث يتوقع ان يكون عدد سكان العرب في اسرائيل والضفة وغزة في عام 2025 حوالي 8 ملايين نسمة بينما لن يتعدى عدد اليهود 6 ملايين نسمة فقط, وهو ما يهدد بأن تتحول اسرائيل الى دولة مزدوجة القومية, في حين ان اساس قيامها هو المحافظة على نقاء الهوية اليهودية لسكانها, وسوف يترتب على ذلك زيادة مطالب عرب اسرائيل بحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية المشروعة في مجتمع يشكلون اكثر من نصفه وهو ما لن تستطيع حكومات اسرائيل في المستقبل تجاهله او التصدي له, والا فإنها ستكرر نفس الخطأ الذي وقعت فيه الحكومات العنصرية السابقة في جنوب افريقيا. واذا انتقلنا الى الصعيد الاقتصادي, فسنجد ان دعوة قادة اسرائيل الى ( الاعتماد على الذات) ثبت فشلها حيث لا تستطيع ان تتحرر من المنح والمساعدات الاجنبية وفي مقدمتها الامريكية فقد اكد خبراء الاقتصاد الاسرائيليين والامريكيين ان الاقتصاد الاسرائيلي في حاجة الى ان يضخ فيه 12 مليار دولار سنويا من الخارج حتى يستطيع الصمود مع نمو محدود لايزيد عن 2% لذلك فإن اسرائيل في حاجة الى ان ينتمي اقتصادها الى المنطقة المحيطة بها, بمعنى الاستفادة من الاسواق العربية الواسعة وخفض تكاليف الانتاج في اسرائيل وضمان الحصول على الطاقة بتكلفة رخيصة, وتوفير المواد الاولية من الدول المحيطة بها بدلا من استيرادها من دول خارج المنطقة, ومن ثم فلا مناص من فتح الحدود بين اسرائيل وجيرانها وازالة العوائق, وزيادة التعاون وانتقال عناصر العملية الانتاجية في اطار سوق اقليمية مشتركة وهو ما ينادي به شيمون بيريز في كتابه (الشرق اوسط الجديد) . وفيما يختص بعلاقات اسرائيل بالولايات المتحدة, فقد برزت تساؤلات عديدة في امريكا حول جدوى الشراكة الاستراتيجية بين البلدين, والمطالبة بتقليصها بالنظر لما تسببه من اعباء على دافع الضرائب الامريكي, فقد ادرك الكثيرون في دوائر صنع القرار الامريكي ان الخيارات السياسية قد ضاقت امام اسرائيل, وان احدا لم يعد مقتنعا بفكرة اسرائيل الكبرى التي يحاول ان يتمسك بها المتشددون في اسرائيل مثل الليكود وان مزيدا من التورط الامريكي في المخططات التوسعية لاسرائيل انما يعني تهديدا للمصالح الامريكية في المنطقة والمتواجدة بكثافة في الدول العربية التي لم تعد شعوبها تقبل مزيدا من الدعم الامريكي لاسرائيل على حساب المصالح العربية, وهو السبب في حالة تزايد حالة العداء والكراهية العربية للولايات المتحدة, كما لاينسى صناع القرار الامريكي ان اسرائيل كانت عبئا عليهم في حرب الخليج عام 1991 ولم تكن سندا لهم حيث بذل الرئيس السابق بوش جهودا مضنية لكي يبقيها خارج دائرة الصراع حفاظا على تماسك التحالف المناهض للعراق لذلك فإن السؤال المطروح بشدة في واشنطن: اي اسرائيل المطلوب من الولايات المتحدة ضمان امنها؟ هل اسرائيل في حدودها ماقبل يونيو 67 ام اسرائيل الكبرى التي تضم الضفة والجولان وجنوب لبنان؟ وعلى الصعيد العسكري فإن اسرائيل لايمكن ان تعول على تفوقها النوعي الى ما لانهاية فطبقا للقانون الانجليزي المعروف بـ (قانون لا نشستر) حول الكم والنوع, اذا تفوق جيش ما نوعيا في الكفاءة القتالية بما يساوي الضعف في مقابل جيش متفوق كميا بقيمة الضعف ايضا, فإن الجيش المتفوق كميا يمكنه الانتصار بسهولة ومن هنا تبرز مشكلة اسرائيل في ان اعتماد نظرية امنها على التفوق النوعي فقط يعتبر خطأ فادحا اذا لم تقرنه بتفوق كمي هي في الواقع غير قادرة على تحقيقه بالنظر لعجزها الديموجرافي المعروف, وهو ما سوف تستغله الدولة العربية في حروبها المقبلة ضد اسرائيل وحتى مع الاعتماد على الاحتكار النووي الاسرائيلي في الحرب المقبلة سواء كوسيلة ردع او استخدام فعلي فقد ثبت لاسرائيل ان اي من الدول العربية قادرة على استيعاب ضربة نووية اولى وامتصاصها والرد على اسرائيل بضربات كيماوية وبيولوجية ضد عمقها الاستراتيجي وبما لاتستطيع ان تتحمله ومن ثم يعتبر الرهان على الاسلحة النووية ايضا خاسرا خاصة مع احتمال تلوث اسرائيل ذاتها باشعاعاتها وفي ضوء هذه المحاذير حول استخدام الاسلحة النووية الاسرائيلية طرح شيمون بيريز سؤالا بديهيا: ايهما اهم للعمق الاستراتيجي: السلام ام الاراضي؟ وتوصل الى نتيجة مفادها ان السلام هو العمق الاستراتيجي الامثل لاسرائيل لانه في نظره البديل الذي يمكن اسرائيل من اختراق المجتمعات العربية بما تقيمه من علاقات طبيعية معها, والاستفادة من الامكانات الاقتصادية الضخمة في هذه المجتمعات, والتأثير في ثقافاتها وايديولوجيتها بما فيه صالح اسرائيل. التهديدات الامنية لاسرائيل وتأثيرها على نظريتها الامنية تنقسم المبادىء التي تحكم نظرية الامن الاسرائيلية سواء في ثوبها القديم او ثوبها الجديد الى قسمين: القسم الاول ويتعلق بالتهديدات التي تتعرض لها اسرائيل, والثاني بالاسس الهيكلية لمواجهة هذه التهديدات سواء على صعيد السياسة الخارجية او السياسة الدفاعية وعن استمرار صلاحية الاسس والمبادىء التي تنهض عليها نظرية الامن يقول الجنرال (اسرائيل طال) لقد ابحرت السفينة على مدى سنوات عمر اسرائيل حتى الان بلون هنا وترميمة هناك, ولقد اصلحنا وجودنا, كما افسدنا في احيان اخرى, لكن المبادىء الاساسية بقيت على حالها. وفيما يتعلق بالتهديدات العربية فإن النظرية الامنية تعكس محاولة ملتوية للحفاظ على توازن مقبول بين ابراز شدة الخطر وبين التأكيد على مقدرة اسرائيل على التصدي له فمن ناحية تبرز وبشكل مبالغ فيه جذور العداء العربي للمشروع الصهيوني, وتؤكد على الفجوات في القوة بين الشعوب العربية الكارهة لاسرائيل وبين ما تدعيه عن الانسان اليهودي المسالم والمهدد في وطنه ومن ناحية اخرى تحذر من الخطر العربي للدرجة التي لايمكن لاسرائيل ان تواجهه وانها مهددة بالانهيار كما انهارت دولة الصليبيين في فلسطين والشام في القرن الثاني عشر بعد ان استقرت هناك لاكثر من 150 عاما. لذلك جاءت القاعدة الاساسية في النظرية الامنية لاسرائيل لتعبر عن حقيقة جوهر الصراع العربي ـ الاسرائيلي باعتباره ليس مجرد صراع على قضية تعارض في المصالح كالخلاف حول الحدود او حقوق الملاحة في الممرات المائية.. الخ ولكن باعتباره صراعا تاريخيا ومصيريا عميق الجذور شاملا وغير محدود, وربما بلا حل, برز وتأكد ذلك فيما يسمونه في اسرائيل بميثاق الاستقلال والذي يحوي مزاعم حول حقوق تاريخية لا اساس لها ليس فقط في فلسطين بل وفي الدول العربية المجاورة لها ايضا, ومن هنا برزت شرعية المعارضة العربية للمشروع الصهيوني اصلا, وهي معارضة قوية ومتأصلة في الوجدان العربي وتتوارثها الاجيال, ذلك لكونها لاتعود لاسباب سياسية بل ترجع لاسباب عقائدية (مسلمون مقابل يهود) واسباب ثقافية (الشرق مقابل الغرب) , واسباب عرقية (عرب مقابل جنسيات اخرى وافدة على المنطقة من مختلف انحاء العالم) واسباب اجتماعية لاغلبية عربية في مقابل اقلية اسرائيلية تريد فرض هيمنتها على الاغلبية العربية, واسباب اقتصادية (اطماع اسرائيلية في الاراضي والمياه والثروات العربية) واسباب نفسية تتمثل في (مشاعر حادة لدى اليهود بالدونية والاضطهاد وكراهية الاغيار) . وقبل كل ذلك وبعده اسباب تتعلق بالمصير بالبقاء حيث يصعب على العرب ان يقبلوا ان يرتهن مستقبل اجيالهم القادمة برغبة اسرائيل في ان تسود المنطقة وتهيمن على شعوبها في ظل ما تحلم به من اقامة (كومنولث عبري) تكون فيه اسرائيل الدولة القوية والعظمى في المنطقة, والتي تقود دويلات عربية ضعيفة ومفككة عرقيا وطائفيا تدور كالتوابع في فلك تل ابيب طبقا لما نادى به الزعيم الصهيوني المتطرف (جابوتنسكي) في الثلاثينات وقبل انشاء اسرائيل, ومن ثم فإن هذه الحقائق حول الرفض العربي لاسرائيل تدركها القيادات الاسرائيلية جيدا, وتعتبرها مبررات منطقية للمعارضة العربية للمشروع الصهيوني لعشرات وربما مئات السنين المقبلة وهو مايؤكد على ديمومة الصراع العربي ــ الاسرائيلي, واستحالة قيام سلام حقيقي بين العرب واسرائيل, وانما قد تكون هناك هدنة او هدنات طويلة ولكنها مسلحة. لذلك كان السؤال البديهي الذي طرحه بن جوريون اول رئيس وزراء لاسرائيل على ناحوم جولدمان رئيس الوكالة اليهودية بعد عدة سنوات من قيام اسرائيل هو (لماذا يقبل العرب بسلام مع اسرائيل اذا كانوا يشعرون بمخاطر المشروع الصهيوني على كياناتهم) فأجابه جولدمان لو كنت زعيما عربيا, لم اكن لأقبل ابدا بقيام دولة اسرائيل, انه امر طبيعي ان يرفضوا التعايش معنا, فلقد اخذنا اراضيهم فلماذا يقبلون بالسلام معنا؟ يتضح من هذا الحوار ان اساس السياسة الامنية لاسرائيل يقوم على اساس مفهوم ان العرب رغم ما يملكونه من عناصر قوة كثيرة (الا ان لديهم شعورا عميقا بعدم قدرتهم على تدمير اسرائيل او القضاء عليها) , لذلك فإن احدى الركائز الاساسية لنظرية الامن الاسرائيلي تقوم على فكرة ان العرب من الصعب عليهم ان يترجموا ما يمتلكونه من عناصر قوة الى ميزات استراتيجية فعلية هذا الى جانب افتراضي اخر بأن الاهداف العربية من الصراع ضد اسرائيل ليست جامدة او ثابتة, بل متغيرة وتتصف بالديناميكية كما ان النوايا العربية تجاه اسرائيل ليست كلها متعصبة ورافضة للتعايش السلمي معها, بل اصبحت في السنوات الاخيرة تخضع لتقلبات ومساومات عديدة, منها الضغوط الامريكية, والخلافات العربية العربية, والوضع الدولي الرافض اي محاولة لازالة اسرائيل, والصراعات العربية مع دول الجوار (تركيا وايران واثيوبيا والسنغال) بالاضافة لحسابات المكسب والخسارة اذا ما قرر العرب الدخول في مواجهة شاملة ضد اسرائيل يعبر بن جوريون عن كل ذلك في مقولته (اذا ما أدرك العرب انهم لن يستطعيوا تدمير او ابادة اسرائيل, فإنني واثق ان السلام عندئذ سيتحقق لان ذلك ضروري لهم بقدر ما هو ضروري لنا) . من مثل هذا التقييم لاصول ومصادر الصراع العربي ــ الاسرائيلي, وطبقا للرؤية الاسرائيلية ينبع استنتاج هام يحتل مكانة بارزة في نظرية الامن الاسرائيلي مفاده ان اسرائيل رغم كونها بالفعل دولة صغيرة وعناصر القوة الشاملة لديها اقل بكثير عن مثيلتها في الدول العربية, الا انها تستطيع التأثير على الموقف العربي من الصراع عن طريق الادارة الفاعلة لسياستها الامنية بشقيها الخارجي والدفاعي حيث يمكنها ان تدفع العرب للاعتقاد بأن المشكلة ليست في قدرتهم على كسر الارادة الاسرائيلية بل في كيف ومتى من خلال سياسات اسرائيلية معينة يمكن للعرب ان يقتنعوا بأنهم لن يقدروا على استخدام مالديهم من امكانات وقدرات ضد اسرائيل ومن ثم فإنه من منطلق مصالحهم العليا عليهم ان يبحثوا عن الطريق الاقصر والاقل كلفة لتحقيق تعايش سلمي معها وطبقا لرؤيتها. المبادىء التي تؤكد عليها نظرية الامن الاسرائيلي. من هذا المنطلق وعندما نربط بين عناصر واسلوب رد الفعل الاسرائيلي على التهديد العربي, سنجد امامنا صورة متوقعة بالفعل لسياسة اسرائيل الامنية تتلاءم مع مقدرة وحدود دولة صغيرة على ساحة اقليمية اكبر منها بكثير ورافضة لها, وساحة دولية اوسع تتسم بالفوضى والعنف, لذلك كان ولايزال الخط المتفق عليه بين واضعي سياسة اسرائيل الامنية هو تجميع قوة ردع كبيرة ومتنوعة قادرة على منع او تقليل الاعمال العدائية ضدها كما ونوعا وبما يجبر العرب على اعادة النظر تدريجيا في موقفهم من اسرائيل وصرف النظر نهائيا عن مشروعهم القومي القديم الذي يستهدف ازالة اسرائيل. لذلك جاءت نظرية الامن لتؤكد على عدة مبادىء على النحو التالي: أ ـ ضرورة تعبئة جميع مصادر القوة الشاملة من اجل تحقيق الغايات والاهداف القومية العليا لاسرائيل. ب ــ اهمية وجود انسجام وترابط بين المصلحة العليا لاسرائيل ومصالح الدول العظمى على المستوى الاقليمي والدولي. ج ـ الجدوى المأمولة لاسرائيل من الاندماج الكامل والمدروس في لعبة الامم على الساحة الشرق اوسطية وما حولها. د ــ الاهمية العليا للقوة العسكرية المتفوقة في افرعها المختلفة, التقليدية وفوق التقليدية كأداة ردع جسيم. هــ شرعية استخدام القوة العسكرية لشن ضربات وقائية ومسبقة خارج حدود اسرائيل عند بروز نوايا بتهديد عربي ضد اسرائيل وعدم الانتظار حتى يقع التهديد. كما يستند الامن الاسرائيلي على مفهوم اشمل واوسع يتعدى البعد العسكري الى ابعاد اخرى عبر عنها بن جوريون في قوله (ان امن اسرائيل لايقوم فقط على جيش وسلاح, ورغم انه بدونهما لن يكون هناك امن, الا ان الامن يعني ابعادا هامة اخرى تتمثل في تكثيف الهجرة الى اسرائيل. والتوسع في الاستيطان, وفي المقام الاول استيطان الصحراء, ان الامن يعني ايضا تحويل البحر الى يابسة, والهواء الى ارض صلبة, وذلك بأن تكون لنا قوة بحرية عظمى, وقوة عملاقة في الجو.. الامن يشمل ايضا تطوير البحث العلمي والقدرة العلمية في جميع التخصصات الفيزيائية والكيمائية والبيولوجية والتكنولوجة الى اعلى مستوى, بل الى اعلى قمم العلم, الامن هو الكفاءة الفنية المتطورة لشبابنا في الزراعة والصناعة والبناء والملاحة.. وختاما فإن الامن هو في جسارة الشباب وتفاني الشعب في ولائه للدولة ودفعهم الى تقبل المهام الصعبة والحيوية على طريق الاستيطان والارتباط بالحدود بروح ايجابية) . هذا ما ذكره بن جوريون عند تقديم حكومته للكنيست الثاني في نوفمبر 1959 فهل خرج ماقامت به اسرائيل من اعمال على الصعيد الامني الشامل على مدى اربعين عاما وحتى عام 1999 عن هذه الخطوط الاستراتيجية العريضة التي وضعها واحد من مؤسسي اسرائيل؟ ان جميع الشواهد تدل على ان ما نفذته اسرائيل من اعمال عبر تاريخها ومنذ قيامها وحتى اليوم, ماهو الا ترجمة دقيقة لهذا المفهوم الامني الشامل والواسع الامر الذي مكنها من مواجهة التحديات التي فرضت عليها عن طريق تحقيق غاياتها واهدافها القومية العليا, التي كانت ولاتزال على حساب المصالح القومية العربية, والى حلقة قادمة ان شاء الله نتحدث عن غايات واهداف اسرائيل القومية واستراتيجية تحقيقها.