لم تعد هذه الاخبار تثير الدهشة, ففي كل يوم نقرأ عن احد الفنانين المتهربين من الضرائب, وعن تحقيقات النيابة التي تنتهي دائما بالتصالح على ان يؤدي(الفنان)بعض حق الدولة ويهرب بالباقي .. مادام القانون قاصرا وسرقة حق المجتمع تعتبر شطارة, والمجتمع نفسه يتنازل عن حقه ولا يفعل مثلما فعلوا في امريكا عندما اسقطوا نيكسون.. وكان السبب تهربه من الضرائب باكثر مما كان فضيحة ووترجيت المدوية! عندنا تخرج التصريحات الرسمية بأن 75% من رجال الاعمال يتهربون من الضرائب فلا يتحرك احد, ولا حتى تمنع الشكوى المستمرة من رجال الاعمال عن حاجتهم للمزيد من الاعفاءات الضريبية وغير الضريبية.. بما فيها حق ابنائهم في الافلات من العقاب اذا خالفوا القانون.. بدءا من حوادث المرور وحتى حوادث القتل كما حدث في العام الماضي في فضيحة الساحل الشمالي التي عبث فيها طفل صغير بموتوسكيل مائي فقتل شابا.. وانتهى الامر بحفظ التحقيق بعد دفع المطلوب! المهم ان التهرب من الضرائب قد اصبح سلوكا عاما بكل ما يمثله من افتئات على حقوق المجتمع وعبث بالقانون, وبكل ما يحمله من معاني اهمها ان عبء التنمية يقع على الفئات الفقيرة والمتوسطة (او ما بقي منها) فهي وحدها التي تؤدي الضرائب وتتحمل الظروف الاقتصادية الصعبة ولا تعرف الطريق لاستغلال الحصانة البرلمانية في اخذ قروض البنوك بلا ضمانات او عقد الصفقات المشبوهة او الاكتفاء من معنى الوطن بأنه المكان الصالح لجمع المال ثم انفاقه بالطرق الاستفزازية. والموضوع يطول الحديث فيه, ولكن اريد ان اقف عند الفنانين بالذات لان ما ننتظره منهم كثير, ولانهم في النهاية يمثلون عند الكثيرين القدوة التي يحتذونها, ولانهم يرتبطون بوجدان الامة, ولاننا نريدهم عونا للوطن في كل ماركة وليس عبئا عليه. واخر اخبار التهريب عند الفنانين عن مطربة شابة اخفت عن الضرائب مبلغا بسيطا قدره اربعة ملايين جنيه واللهم لاحسد, حتى ولو كان صوت المطربة لا علاقة له بالطرب, وما تقدمه لا علاقة له بالفن. لاحسد ولا اعتراض فهذا حكم اقتصاد السوق واوامر النظام العالمي الجديد الذي يؤمن بحقيقة واحدة وهي ان (اللي تكسب به العب به) والتي يمكن ترجمتها في النهاية بأن رزق الهبل على المجانين, وهكذا يكسب لاعب كرة من الدرجة الثالثة عدة ملايين لينتقل من ناد لاخر دون ان يفعل شيئا هنا او هناك ودون ان تتقدم كرة القدم عندنا شبرا واحدا للامام, وهكذا تكسب مطربة ناشئة اربعة ملايين جنيه لم يكسبها عبدالوهاب في حياته رغم ما عرف به من حرص على المال ومهارة في اقتناصه واستثماره. طبعا تغير الزمن, وفاضت الاموال في ايدي فئات تكسب بسهولة وتنفق بسهولة, وانتهى العصر الذي كان الفنان فيه ينفق من جيبه على فنه, ويعيش ــ في احسن الاحوال ــ مستورا, ويموت في معظم الاحيان فقيرا الا من الثروة الفنية التي تركها لنا.. وللزمن المقبل. تغيرت الاحوال, واصبح الفن عملا مجزيا, وهذا امر يسعدنا, خاصة عندما تعتدل الموازين وتذهب الشهرة لمن يستحقها بالفعل, ويحصد النجاح الفنان الحقيقي الموهوب, الذي لايعتمد على (الواسطة) لكي تذاع اغانيه في التلفزيون, ولا يغطي بالدعاية الهائلة ضمور موهبته. فالفنان الحقيقي عملة نادرة, وهو يستحق منا التكريم بكل الوسائل المادية والادبية, بقدر ما يسعدنا بما يقدمه من فن جميل, وبقدر ما يكون مهموما بقضايا وطنه,معايشا للناس ومعبرا عنهم وهم يسيرون فوق الجراح او وهم يعبرون الى النصر. وفي تاريخنا الفني نماذج مضيئة قدمت المثل على الفنان الحقيقي في اجمل حالاته. ولعلنا ونحن نحتفل هذا العام بمئوية ام كلثوم.. نذكر, ونتأمل, ونتعلم من هذه العظيمة التي عاشت لوطنها, وجمعت الامة على صوتها, وسجلت اعظم امجادها وهي تلملم الجراح بعد هزيمة 67 وتستنهض اجمل ما فينا, وتجاهد وهي في السبعين لكي يكون هناك نهار جديد. ولم تكن ام كلثوم وحدها في هذا الطريق, بل كانت هناك اجيال من الفنانين تدرك المعنى الحقيقي للفن, والمجد الباقي للوطن, لم يكن همهم الوحيد هو اكتشاف الثروات الطائلة.. ولو كانت الوسيلة هي الفن الهابط, ولو كان الطريق يمر بالتهرب من الضرائب! على طائرة الرئيس مبارك في زيارته الاخيرة لمشروع توشكى كان هناك عدد من الفنانين المتميزين وبقدر ما كان ذلك تكريما لهم كان ايضا رسالة لها اكثر من معنى. والمعنى الاول والاساسي ان معركة البناء صعبة, ولابد من حشد الجهود لها, وهنا لاينبغي ان يكون الفن غائبا, وليس المقصود هنا ان نطلق الاناشيد الزاعقة او اغاني الاحتفالات التي تختفي بمجرد غنائها, ولكن المهم ان يكون هناك وعي باهمية عملية البناء, وان يكون هناك ادراك بان الفن الهابط هو احد المعوقات في معركة البناء, وان الرسالة النبيلة للفن ينبغي ان تكون واضحة امام الجميع. ولا اتحدث هنا عن الدعاية المباشرة لهذا المشروع او ذاك, فليست هذه النهاية هي مهمة الفن, وانما اتحدث عن تفجير طاقات الابداع عند كل مواطن, وعن الفن الذي يجعل الانسان اجمل واعظم واكثر احساسا بالكون, وبالناس, وبالخير والجمال, وبالوطن الذي ينتمي اليه, والارض التي يعيش عليها عن الفن الذي يجعل الانسان اقوى على مواجهة التحديات, وقهر المصاعب, عن الفن الذي يجعل الانسان قادرا على الحب الجميل, والعطاء النبيل, والحلم بغد احسن واطفال يعيشون في ايام افضل. ولا اتحدث هنا عن تأييد او انتقاد, فالرئيس مبارك بنفسه قال ان النقد يفيد اذا كان موضوعيا, ولكن اتحدث عن نقطة اخرى وهي مسؤولية الفنان المزدوجة كمواطن وكفنان مبدع. انا لا اتصور مثلا ان يعود فنان بعد ان يرى عرق الرجال وهو يخلق الحياة في الصحراء, ثم (يتحفنا) بفيلم من افلام المقاولات, او مسلسل تلفزيوني ينشر البلاهة, او يطالبنا بان نغني معه (حبة فوق وحبة تحت) ! ولا اتصور ان يعود فنان من هناك ليبحث عن (سبوبة) تضيف مليونا الى رصيده, ولو كان ذلك على حساب كل شيء جميل, او كان سببا في نشر قيم سلبية تضر ولا تنفع. ولا اتصور ان يعود فنان من هناك فلا يكون المستقبل هو همه الاساسي, ولا اتصور انه لا ينسى للحظة انه شريك في صنع هذا المستقبل, ولا اعتقد ان فنانا حقيقيا سيعود من هناك ليكتب للضرائب اقرارا مزورا, او ليطلب من المنتج او المتعهد ان يكتب له عقدا باجر ضئيل ثم يدفع له الباقي في السر ومن (تحت الترابيزة) او خارج العقد. لن يفعل ذلك, ليس فقط لانه جريمة, ولكن لانه سوف يشعر بالخجل من هذا الذي يعيش في اقسى الظروف ليزرع الحياة في الصحراء, وسوف يشعر انه مدين للوطن الذي اعطاه الحب, ومنحه التقدير, ولايطالبه الا بالمسؤولية.. كفنان وكمواطن. ثم.. فلنقارن ما يحدث عندنا بما يحدث عند الآخرين, ولنأمل خبرا عن اعتزام المطرب الامريكي مايكل جاكسون التبرع لبناء اربع جامعات في افريقيا بمبلغ قدره مائة واثنان وعشرون مليون دولار. وبغض النظر عن رأينا في السيد جاكسون والتحفظات على الكثير من مواقفه, فإن ما يفعله هنا يمثل نموذجا لبعض ما يقدمه الفنانون في الخارج لمجتمعاتهم وللانسانية, انهم لايكتفون بان يؤدوا ما عليهم من ضرائب لايستطيعون التلاعب فيها لانها هناك جريمة تسقط الانسان في نظر المجتمع.. ولعلنا نذكر كيف كانت تهمة التهرب من بعض الضرائب التي وجهت للرئيس الاسبق نيكسون اقسى عليه من تهمة التآمر في (ووترجيت) , لايكتفي الفنانون هناك باداء الحقوق الرسمية للوطن, فيساعدون بالكثير من اجل اهداف انسانية واجتماعية داخل الوطن وخارجه. وانا اعرف ان البعض عندنا يفعل ذلك, وفي هدوء وبدون ضجة اعلامية, ولكننا نريد لهذا السلوك ان يكون سلوكا عاما, ونريد من كل فنان ان يخدم مشاعر الملايين من العاملين البسطاء الذين يدفعون الضرائب للدولة (على داير مليم) , ثم يفاجؤون بحكايات عن فنانين يكسبون الملايين, ثم يخدعون الدولة ويهربون من الضرائب ويرفعون شعار (خد الفلوس واجري) !!