عندما تكون صحفياً فإن عليك الاختيار دائماً بين ان تمشي على الأشواك أو تأكلها.. اما ان تدمي قطع الزجاج المكسور قدميك او تدمي قلبك.. فلو كتبت انت متهم.. ولو سكت انت متهم .. لو تغزلت في الحكومة انت متهم.. ولو اختلفت مع الحكومة انت متهم.. لو كتبت في السياسة انت متهم.. ولو كتب في الحب انت متهم.. ولو لم تأت التهمة من النيابة.. جاءت التهمة من الصحافة.. فنحن في زمن الحرب الاهلية داخل نفس المهنة.. ومن رفاق نفس الخندق .. ومن ثم انت متهم في جميع الاحوال ما دمت تتنفس حبرا. لذلك.. عندي اقتراح ببرنامج من نقطة واحدة أقدمه الى ابراهيم نافع وهو يستعد لخوض معركته الجديدة في نقابة الصحفيين.. اقتراح ينقذ الجياد من القتل العشوائي الذي تتعرض له بدون مناسبة.. هو ميثاق لجبهة وطنية بين الصحفيين تنقذهم من كتائب الاعدام التي خرجت من بينهم.. ميثاق شرف بين الصحفيين.. تعود بموجبه القواعد والاصول التي كانت سائدة.. ويعيد تنظيم العلاقة المتسمة بالفوضى بين انصار هذه المهنة. وتجمع بعده الاسلحة البيضاء والسوداء المزروعة في كثير من اعمدة الصحف والمجلات.. والتي انست الصحافيين معاركهم الرئيسية وشغلتهم في معارك اهلية.. وهمية..لا يستفيد منها سوى اعداء الوطن واعداء الحرية وانصار الفساد.. فما الذي يريده هؤلاء اكثر من ان توجه اسلحة الصحفيين الى صدور الصحفيين.. بدلاً من ان توجه الى ما يفعلون؟.. ولماذا لا ينشطون ويغذون الحرب الاهلية بين الصحفيين ما دامت هذه الحرب تشغل اصحاب الفكر والرأي وتعطلهم وتصفيهم نفسياً وعصبياً.. عقلياً ومعنوياً؟ ان مساحة كبيرة مهدرة من الصحافة اصبحت ضائعة مثل ماء النهر في تبادل للنيران بين الصحفيين.. وكأن الصحفيين قد اصبحوا مليشيات متفرقة لا هم لهم سوى تفريغ شحنات الغضب والقلق في بعضهم البعض.. وهو ما يعني ان كثيرا من الضحايا يمكن ان يسقطوا بما يسمى بالنيران الصديقة.. لا بالنيران العدوة.. وهو امر يثير الدهشة في وقت تبدو فيه كمية النيران قليلة ومتراجعة ومتناقصة. وهو ايضاً ما جعل المجتمع يفقد جزءاً من احترامه لهذه المهنة التي حاربت في كل معاركه ودافعت عن شرفه وضميره.. فكان ان تراجعت قراءة الصحف والمجلات بنسب تثير القلق.. كذلك فإن الصحافة لم تعد تنفرد كما كانت بدور التثقيف والتنوير والتفكير.. بل اصبحت اداة للتكفير الوطني.. وربما الديني ايضاً.. ولم تعد الوحيدة المتربعة على عرش المعرفة الذي يلجأ اليه الاغلبية من الناس. وهو ما افقدها الكثير من قوتها ونفوذها في وقت تعاظمت فيه قوة ونفوذ الثروة فأصبح يخشى على الرأي من المال.. وكأنه لا يكفي الصحافة ما تتعرض له من خارجها حتى تتعرض لهذه الطعنات من داخلها.. وهي حالة من الانتحار الصحفي الجماعي.. تصيب القاتل قبل القتيل..ويدفع ثمنها الضارب قبل المضروب..فلا احد ينجو في مثل هذه الحالة. في تقرير (لجنة حماية الصحفيين) الاخير: ان 24 صحفياً في 17 بلداً قتلوا في عام 1998 وسجن 118 آخرون.. وتوقف 297 غيرهم عن الكتابة بسبب المطاردة والمراقبة والتشهير والتشويه.. وهؤلاء الضحايا هم اقل من ضحايا غارات حلف الناتو على الصرب في يوغسلافيا رغم اطنان القنابل التي ألقيت فوق رؤوسهم. والمقصود ان الصحفيين هم اول من يدفع الثمن.. والثمن فادح.. حياتهم.. حريتهم.. تشريدهم.. والتشهير بهم.. فهل ينقص المهنة عدو اضافي من صلبها؟ ثم ان الصحافة هي جوهرة التاج فوق رأس عائلة (الميديا) .. فرغم الانتشار الهائل للمحطات التلفزيونية والقنوات الفضائية فإن الصحافة هي التي تضع جدول اعمالها .. تضع (اجندتها) فمعظم برامجها اما كتبها صحافيون.. او اخذت افكارها منهم.. او كررت ما سبق ان كتبوه.. او تابعت قضايا فجروها.. ومن ثم فإن ما يجري للصحافة يؤثر بصورة مذهلة على الاعلام ومن ثم يؤثر على السياسة.. وهو ما يضاعف من خطورة القضية التي نطرحها.. قضية وضع قواعد للسير والسلوك بين الصحافيين. واتصور ان ابراهيم نافع قادر على تنفيذ اقتراح ميثاق الشرف الذاتي للصحافيين.. فقد اختير وهو نقيب للصحافيين في أصعب اوقات الشدة.. وقت ان واجه الصحفيون في وحدة وتماسك نادرين قانون اغتيال الصحافة.. لقد تصالح الصحفيون في ذلك الوقت مع انفسهم فكسبوا معركتهم.. رفضوا ان يجلسوا في صفوف المتفرجين بينما مسرحهم تشتعل فيه النيران.. وهو ما لم يتكرر فيما بعد.. فالنقابة كادت ان تصبح نقابتين.. والتماسك انقلب الى تمزق.. والوحدة اصبحت نقمة.. والفرحة اصبحت قرحة.. والجبهة المتماسكة اصبحت ثقوباً وخروما يخرج ويدخل منها الطابور الخامس.. والصحافة اصبحت مثل حصان طروادة.. لا تعرف من يتسلل من بطنها ليلاً.. ولا من يفرض عليها حصاراً من الداخل نهاراً. ان هذا في اعتقادي احد الاسباب المباشرة لما يصفه نبيل عبدالفتاح (في مقاله الاخير في مجلة الاهرام العربي) بخطاب اليأس والعدمية في الحالة الصحفية المصرية.. وهو يرى كباحث مهموم بهذا الوطن انه آن الاوان لوضع تقرير عن الحالة الصحفية المصرية (يرصد همومنا وقضايانا وتجاوزاتنا في حق انفسنا والمهنة والوطن وحرية الكلمة وشرفها) .. تقرير يتسم بالنزاهة والصدق والصراحة مع النفس.. حتى يسبق نقدنا للآخرين نقدا اشد لأنفسنا.. وفي نقدنا لأنفسنا يجب ان نعترف ان غياب القواعد المهنية اوصل البعض الى اماكن لا يستحقها.. وجعلته يتحالف مع قوى مستترة في الظلام لا يقدر على البقاء بدونها.. وفي المقابل كان عليه ان يقدم لها الثمن.. ولو كان هذا الثمن على طريقة يهوذا الذي باع المسيح من اجل حفنة دراهم.. فكأن الذين يشعلون الحروب الاهلية في الصحافة المصرية هم المستفيد الوحيد منها .. ومن استمرارها.. حتى لو كان ما يكتبونه يمتلىء بكلام اجوف عن الوطنية.. فلو حاسبت هؤلاء على طريقة من اين لك هذا لوجدت انهم تسببوا في اضرار افدح من الاضرار التي يسببها المرتشون والفاسدون.. فالوطنية ليست شعاراً نغطي به فسادنا.. ليس بطحة نتحسسها في رؤوسنا. ويمكن ان نضيف ان كثيراً من القوى من مصلحتها التدخل في الصحافة بما يسيء الى الصحافة.. ثم ما ان تحدث الاساءة ــ التي تحدث غالباً بيد الصحفيين حتى يغسل الآخرون ايديهم منها ــ حتى نجد الذين تدخلوا او حرضوا على الاساءة يهاجمون ويحاسبون الصحافة عليها.. وربما ادعوا ان لا حاجة لصحافة من هذا النوع الى مزيد من الحرية او الى مزيد من التوسع.. وكأن هذا السيناريو اقرب لسيناريو تأجير قاتل للقتل.. ثم تحويله الى محكمة الجنايات تمهيداً لاعدامه والتخلص من حياته.. لقد طالب المجتمع الصحافة بميثاق شرف ينظم العلاقة بينه وبينها..وجاءت تقارير المجلس الاعلى للصحافة لتحاكم الصحفي على كل ما يكتب .. وساهمت احكام الحبس والقضايا المرفوعة على الصحفيين في محاكم الجنايات في مزيد من التراجع.. واخترق رجال المال والاعمال صفحات الصحف الصغيرة فأصبحت الكتابة وسيلة لتصفية الحسابات وخلط الاوراق.. وهو ما جعل الصحافة اكثر انكماشاً.. وزاد الطين بلة فقدان البعض من الصحفيين للبوصلة التي ترشده الى الصواب فاعتبر زملاءه اعداء.. وأعداء المجتمع انصاراً.. وضاعف من حالة الاحباط والقلق السائدة في الوسط الصحفي.. ومارس المهنة مع نفسه. ان الصحفيين لا يريدون الآن خبزا ولا شقة ولا مقبرة (هذه حقوق يجب الحصول عليها بدون مساومات او تنازلات) وانما يريدون سلاماً ذاتياً.. يرفضون فيه التدخل الذي اتسع في شؤونهم .. ويفضون الاشتباك الذي التهب بينهم.. ولا أمل في ذلك سوى ميثاق شرف يقرونه فيما بينهم.. وهو ميثاق ليس بدعة.. وليس جديداً.. فهو ميثاق عمره من عمر الصحافة في مصر .. ينص على ان لا يهاجم الصحفي زميله في المهنة لحساب اي قوة او شخص في المجتمع.. وان لا يخلط بين الرأي وشخصية صاحبه.. وان يؤمن ان مهمة الصحافة خدمة الناس لا تصفية الحسابات.. ولعله يكون مؤلماً ان نقول ان مثل هذا الميثاق المهني كان سائداً في جميع النقابات.. لكنه الآن لم يعد باقياً.. فالطبيب اصبح يشكك في قدرات الطبيب.. والمهندس يطعن في كفاءة المهندس.. والمحاسب يسب المحاسب.. والصحفي لا يمارس حريته الا في الهجوم على الصحفي. وربما كان ميثاق احترام زملاء المهنة الواحدة لم يعد قائماً الا بين النشالين واللصوص وتجار المخدرات.. هم فقط الذين يحترمون بعضهم البعض.. هم فقط الذين يدركون ان اضعاف أحدهم هو اضعاف للجميع وللمهنة.. وان اطلاق الرصاص على واحد منهم هو خسارة للجميع. ولعل المصيبة تكون افدح في الصحافة.. فهي مرآة المجتمع.. وكتيبة الكوماندوز المتقدمة التي تكشف له المتاعب والاعداء.. فلا يمكن ان يواجه البعض نيران العدو وهو يداوي جراحه من نيران الصديق.. طبقاً للدعاء الشهير.. اللهم احمنا من الاصدقاء اما الاعداء فنحن قادرون عليهم.ولعلي لا ابالغ لو قلت ان احد اسباب اختراق الصحافة والعبث بها من الداخل ان الصحافيين لا بيت لهم يجمعهم.. ويقربهم.. ويزيل المتاعب النفسية بينهم.. فهم مشردون الآن بعد هدم مبنى النقابة القديم.. مشردون في مبنى مؤقت.. اقرب لمساكن الايواء.. ويبدو ان الانسان مهماً كان شأنه يتصرف على طريقة سكان الايواء لو وجد نفسه بينهم.. ومن ثم فإن مبنى النقابة الجديد ليس مجرد مبنى وانما هو فلسفة.. ويمكن استعارة ما قاله الدكتور جمال حمدان عن عبقرية المكان.. وخطورة الموقع في الكلام عن مبنى نقابة الصحفيين.. فالمكان يحدد السمات النفسية والموقع يحدد طبيعة الناس وتصرفاتهم. ومبنى جديد للنقابة كان احد افكار ابراهيم نافع..و قد جمع له حوالي 10 ملايين جنيه.. وضعت في البنك منذ عام 1995.. وبعد مرور هذه السنين اصبح المبلغ حوالي 14 مليون جنيه لكن هذه الملايين الاضافية لم تكن تساوي ما جرى بين الصحفيين من حروب وجروح بسبب البقاء بعيداً في نقابة الايواء.. ولا ادري سر تأخر البناء الجديد للنقابة.. ولا أعرف سر مقاومته.. لكن كل ما اشعر به هو ان وجوده في اسرع وقت اصبح ضرورة ملحة لسرعة انقاذ ما تبقى من الصحافة والصحفيين. لقد رأيت نوادي الصحفيين في واشنطن وطوكيو ولندن.. ولمست بنفسي كيف يشعرون بأنفسهم وهم يستقبلون نجوم السياسة وحكام العالم في أماكنهم.. وكيف يشعر الحاكم الذي لا يدعونه الى هذه النوادي بأنه اقل اهمية من غيره.. فالذي يأتي الى الصحفيين يشعر بأهميته .. لا الذي يأتي الصحفيون اليه.. وفي هذه النوادي يتقاتل رجال الأعمال والمصارف والشخصيات العامة من اجل الفوز بعضوية شرفية فيها تمنحهم شرف الاقتراب من الصحافة والتفاعل معها.. على عكس ما يجري عندنا.. حيث اصبح دخول الصحفي الى نادي من النوادي الاجتماعية اللامعة والشهيرة علامة على الانفصال. وانا اعرف ايضاً ان الصحفيين يملكون 10 فدادين من الارض في حي (مدينة نصر) من اجل اقامة ناد اجتماعي لهم.. ولكن حتى الآن لم تتقدم النقابة لفعل اي شيء.. ولا حتى بناء سور حولها.. فلا احد مشغول الا بالقتال الذاتي والحروب الاهلية. وسواء في المبنى الجديد للصحفيين.. او في النادي الاجتماعي الذي لا يزال ارض فضاء.. صحراء.. جرداء.. لا بد ان تكون هناك كل وسائل المعلومات.. وصالات للكمبيوتر.. وقاعات للمؤتمرات.. وصالات للتدريب.. وأماكن لتبادل العلاقات بين ابناء الجيل الواحد.. أو لتبادل الخبرات يبن الاجيال المختلفة.. وربما هي فرصة للتخفيف من مناخ الاحباط السائد بين الصحفيين.. وهو المناخ الذي استغله البعض في داخل الصحافة وخارجه لتحطيم قواعد واصول المهنة. وتدمير العلاقات بين الصحافيين.. بحيث لم يعد هناك تقدير للخبرة.. ولا للموهبة.. ولا للذين تعذبوا في سبيل بقاء الكلمة اميرة على عرش هذا الوطن. انني لا اتعاطى الكتابة السرية.. ولا اتناقض بين ما اقول وما اكتب.. ولا ابيع ضميري ولا مهنتي بمال الدنيا.. ولا اتوقف عند ما يقوله وما يكتبه السفهاء منا.. ولا اريد سوى ان اقول ما في صدري.. ولا احلم الا برغيف حرية لكل مواطن.. ولكنني في الوقت نفسه ابحث عن شركاء في الكتابة يقتسمون مع هذا الوطن وبصورة عادلة الفرح والحزن.. العقل والجنون.. الحلم والواقع. ولا تزال الفرصة ممكنة.. فالغالبية العظمى من الصحفيين في هذا الوطن يحتفظون برصيد كبير من البراءة والنقاء.. ويسعون رغم كل ما يحيط بهم من ظروف صعبة الى الهروب من الوحشة والقسوة الى براري الحرية. لنرفع الرايات.. ونخفض الخناجر.. ونكف عن الحرب الاهلية.. ونسعى بكل ما نملك من ضمير.. وبكل ما نحظى به من ثقة في أنفسنا وفي مهنتنا الى التوحد والتماسك وكشف الذين يريدون الخراب لأنهم تجار انقاض.. هي فرصة من فرصنا الاخيرة لأن نترفع عن العبث والضرب تحت الحزام وتمزيق اوصالنا.. فلا احد سيكسب في النهاية.. سوى دعاة الخراب واعداء الحرية.. وانصار الفساد.