منذ أن اعلن الجيش الاسلامي للانقاذ الهدنة من طرف واحد في اكتوبر ,1997 توقع المراقبون ان تتجه الازمة الجزائرية نحو الحل, غير ان عوامل جمة حالت دون ذلك من أهمها : عدم سيطرة الجيش الاسلامي للانقاذ على كل المناطق التي يمارس فيها العنف من جهة وتعدد الجماعات الارهابية من جهة ثانية, وارتباط تلك الجماعات بمناطق بذاتها من جهة ثالثة, اضافة الى هذا كله عدم تحمس اطراف من السلطة لتلك الهدنة التي قيل لحظتها انها كانت نتاج مفاوضات طويلة الامد تميزت بالصبر والمواجهة بين قياديي جيش الانقاذ, والمؤسسة العسكرية, والآن تعود قضية الهدنة من جديد مع تغير العوامل السابقة, حيث تعتبر الرسالة التي بعث بها أمير الجيش الاسلامي للانقاذ (مدني مزراق) قاعدة جديدة للانطلاق, وجاء رد مصادر مقربة من الرئاسة عن طريق وكالة الانباء الجزائرية ليؤكد ما جاء في برنامج الرئيس المنتخب من جهة, ولتبيان مسعى السلطات لايجاد حل. يلاحظ ان هذه الرسالة على خلاف رسائل سابقة أكدت على شرعية الرئيس بوتفليقة, وتجاوزت مواقف السياسيين المعارضين سواء الذين هم قادة في الجبهة الاسلامية للانقاذ, او الذين شاركوا في الانتخابات الرئاسية, ولعبوا على ورقة الاسلاميين باعتبارها ورقة رابحة, ودعوتهم العلنية لاجراء مصالحة وطنية, المهم ان هذه الرسالة تكشف عن خطاب جديد يتجاوز ممارسات الجماعات الى عمق الاعتراف بسلطة الدولة, فقد ترددت فيها كلمة (الرئيس المحترم) خمس مرات, وترددت عبارات اخرى دمجت بين الخطاب الديني الذي اتسمت به الانقاذ وبين عبارات المتتبعين السياسيين, كما جاء فيها ايضا ما يحرك العواطف نحو اجماع وطني كمحاولة لاخراج البلاد من ازمتها, وقد تلاقت الى حد بعيد مع تلك العبارات التي تتكلم عن العدل وعن الملك وعن السلطة بالعبارات التي ذكرت في الخطاب الاخير الذي ألقاه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة, وكل هذا يعني ان هناك جسورا مدت على أوسع مدى بين السلطات والجيش الاسلامي للانقاذ. وبعيدا عن العبارات المشتركة بين رسالة جيش الانقاذ وبين الخطاب السابق لرئيس الجمهورية, فان الهدف من الرسالة جاء وا ضحا وعلنيا وهو اعطاء الهدنة قاعدة شرعية وتغطية سياسية على اعتبار الوعد السابق من الرئيس, في مقابل ذلك وجود المؤيدين والمؤازرين للرئيس ومنهم بالطبع جيش الانقاذ بهدف دفع الجزائر الى الخروج من أزمتها الراهنة, ليس هذا فقط بل ان الرسالة تؤكد على الثبات على العهد والاشتراك في الجهود مع كل الذين يحاولون اخراج البلاد من محنتها, ويتواصل العهد ـ وهو عهد الاسلام على الاعلان صراحة تعاون جيش الانقاذ الجاد لطي ملف الازمة والاكثر من هذا ترك العمل المسلح في اطار ما يتفق عليه, كل هذا بهدف القضاء على المجموعات الاجرامية المنحرفة واطفاء نار الفتنة, وهذا هدف يلتقي فيه جيش الانقاذ مع السلطات الجزائرية. ولقد اعتبرت مبادرة جيش الانقاذ مسعى وطنيا جادا جديرا بأن يحظى بكل ما يستحقه من تثمين من كل مواطن غيور على مصالح بلده, وذلك على حد قول المصادر المقربة من الرئاسة, اضافة الى ذلك فان الرسالة وضحت ردها بالقول ان الرئيس سيجعل باذن الله لهذه المبادرة الجريئة قاعدة قانونية تحدد اجراءات تطبيقها عاجلا, مؤكدا على ان التدابير اللازمة ستتخذ لترسيخ ذلك بمباركة الشعب وطبقا لأركان الدستور, ولذلك يتوقع ان يصدر عفو يشمل جميع المسلحين الذين لم يتورطوا في جرائم القتل, اضافة الى رفع المضايقات عن اعضاء الانقاذ سواء القيادات او حتى المنتخبين في المجالس البلدية والتشريعية. يلاحظ ان رد المصادر المقربة من الرئيس جاء عاجلا على عكس اعلان الهدنة الذي وقع في اكتوبر ,1997 ناهيك عن الاهتمام الاعلامي برسالة أمير جيش الانقاذ, ولاشك ان الرئيس بوتفليقة عازم على حل هذه المسألة مع محاولة تفادي رد فعل القوى السياسية والاجتماعية الاخرى التي أثر الارهاب على حياتها سلبا, ومع ذلك كله فان توقعات المراقبين تشير الى احتمال حدوث كثير من اعمال العنف الايام المقبلة, كما ان هناك جملة من الصعوبات ستواجه هذه المبادرة منها: 1 ـ ان الجماعات الاسلامية المسلحة, والاخرى التي تمارس العنف ستتصرف بكل يأس في محاولة لتعطيل مشروع الخروج من الازمة لايقاف اعمال العنف, وقد حدث هذا في نهاية ,1997 وكان دافعا لوقوع العديد من المجازر. 2 ــ ان الجيش الاسلامي للانقاذ لا يفرض سلطته الا على الجماعات التي دخلت تحت لوائه, وبالذات في الشرق الجزائري, وبالتالي فهدنته ستنزع الغطاء للجماعة الاسلامية المسلحة, وقد يوسع من رقعة المنضمين لكنه لا يمكن ان يتفاوض أو يحتوي كل الجماعات. 3 ـ ان القوى السياسية التي لها امتداد داخل جماعات العنف ستجد نفسها مضطرة لاتخاذ موقف لتعطيل مسار ما يمكن ان يسفر عنه تقنين الهدنة من طرف الرئاسة, وهذه القوى تشمل اولئك الذين يدعون رفض العنف ويمثل القضية الاساسية في برامجهم, او اولئك الذين تولوا الدفاع عن الجبهة الاسلامية للانقاذ والدعوى للمصالحة خلال السنوات الماضية. 4 ـ ان علائات ضحايا الارهاب وأقاربهم لا يمكن ان يقبلوا بيسر خصوصا من الذين رأوهم رأي العين يقومون بأعمال ارهابية, اي ان هناك تركة ثقيلة سواء حين يقبل المتضررين بالعفو او حين يرفضون ذلك. 5 ــ من الصعوبة معرفة الذين مارسوا العنف والارهاب من الأبرياء, ومن غير الواضح السبل التي يمكن ان تعتمد عليها السلطات في معرفة من تلطخت أيديهم بالدماء من عدمها, ولهذا فان مطالبة جيش الانقاذ بعفو شامل سوف يواجه بنوع من الرفض من عدة قوى سياسية بما في ذلك بعض العناصر داخل مؤسسات الدولة. لكن هل هذه العوامل ستحول دون تحويل تلك المبادرة الى عمل وطني عام يساعد على توقيف اراقة الدماء؟ يبدو ان اصرار المواطنين من جهة والرئيس من جهة وكثير من القوى على الخروج من حال المأزق الراهن, سيكون دافعا على تلك الصعوبات, ذلك لأن الاستمرار في متابعة الذين أخطأوا, او الثأر لمن قتل, لن يجعل أعمال العنف تتوقف, وهذا مرفوض على المستوى الشعبي بقدر ما بات مرفوضا على مستوى المؤسسات, اضافة الى ذلك فان مواصلة الحل الأمني أثبت عدم جدواه من ناحية الحل الاجمالي للمشكلة, وان كان قد حافظ على بقاء الدولة مستمرا, ومهما تكن الصعوبات فان الايام المقبلة ستشهد مزيدا من الانفراج على الساحة السياسية الجزائرية, لكنها قد لا تخلو من أعمال عنف بشعة نتيجة رفض الجماعات الارهابية لأي مشروع وطني عام, ومهما تكن بشاعة تلك الأعمال فانها لن توقف هذه المحاولة الجادة للخروج من الازمة خصوصا بعد ان تلاقت رغبات كل الأطراف حول حل وطني شامل ومقبول جماهيريا. كاتب وصحفي جزائري مقيم في مصر