هل هناك رصد للاشارات الإيجابية الصادرة عن الشخصيات الغربية ومؤسساتها وهيئاتها؟ وهل هناك ضرورة لفرز تلك الإشارات وتصنيفها؟ وهل هناك فرق بين الاشارات السياسية والثقافية؟ وكيف يمكننا الاستفادة من تلك الاشارات ؟ هذه بعض التساؤلات التي دارت في الفكر عندما قرأت أن توني بلير رئيس الوزراء البريطاني قد شارك في الخامس من شهر مايو الماضي في حفل استقبال نظمه المجلس الاسلامي في بريطانيا, وكان بلير ضيف الشرف فيه. التقى بلير في ذلك الحفل الذي حضره عدد من الوزراء وحشد كبير من المسؤولين البريطانيين, بقيادات الجاليات المسلمة في بريطانيا. وطرح فيه آراءه حول العديد من القضايا التي تهم تلك الجاليات. مشاركة بلير هذه, اعتبرها كثير من المراقبين (خطوة تاريخية هامة) , اتخذتها حكومة العمال البريطانية في سعيها لتمتين العلاقة بينها وبين الجاليات المسلمة في بريطانيا, بل واحداث تغيير نوعي في هذه العلاقة من حيث التعاون والتشاور حول العديد من القوانين والقضايا التي تهم تلك الجاليات. تبدو ثمة أهمية في الأشارة الى الأجواء الإيجابية التي مهدت لذلك الحفل, وتلك التي تخللته وصاحبته حيث وفق منظمو الحفل الى حسن الاستهلال به بتلاوة آيات قرآنية مناسبة لذلك الحدث والجمع الذي حضره. فقد تلت طفلة من كوسوفو قول الله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله أتقاكم..) تلا ذلك ترجمة لمعاني الآية باللغة الإنجليزية. أما حديث توني بلير, والذي يعنينا بشكل رئيسي في هذا السياق, فقد بدأ بالسلام على الحاضرين باللغة العربية (السلام عليكم) , ثم نوه بدور المجلس الاسلامي ببريطانيا (يضم أكثر من 250 منظمة وهيئة وجمعية اسلامية) في جعل صوت مجتمع الجاليات المسلمة مسموعاً في بريطانيا, وأشاد بالمجلس لإنجازه أعمالاً مؤثرة ولنشاطه الفاعل منذ انشائه (الشرق الأوسط 8/5/1999) بعد ذلك, توالت الاشارات الإيجابية في ثنايا خطاب بلير, وقد فرضت محنة المسلمين الألبان في كوسوفو نفسها بقوة, وأخذت حيزاً كبيراً من ذلك الخطاب الذي يعكس مدى الاهتمام البريطاني بتلك المأساة, والتحول اللافت للنظر في موقف بريطانيا من هذه المحنة, مقارنة بالموقف البريطاني المتردد, والذي كان أقرب الى السلبية تجاه محنة المسلمين السابقة في البوسنة والهرسك. ما ذكره بلير في حفل المجلس الإسلامي البريطاني يستحق الذكر والتنويه. فقد سبق ذلك زيارة قام بها الى مخيمات اللاجئين في مقدونيا. ومنذ نحو أربعة أسابيع, أي بعد ذلك الحفل, قام بزيارة أخرى لمناطق اللاجئين حيث استمع الى روايات عدد من الفارين من جحيم الصرب وحملات الإبادة في اقليم كوسوفو. لذا جاء وصف بلير لمأساة لاجئي كوسوفو قريبا من وصف الشاهد لتلك الأهوال التي نشاهد اثارها ونسمع أخبارها كل يوم. وقد نطق هو بذلك في ذلك الحفل المشهود حيث قال: كنت يوم الاثنين الماضي (زيارته الأولى) في زيارة الى مقدونيا, حيث زرت الحدود ورأيت تدفق اللاجئين. وكان المشهد من المشاهد المؤلمة في حياتي. وما شاهدته بعيني هي القصص التي سمعتها عن وحشية الصرب. ولقد شاهدت الآلاف من اللاجئين في تحرك مستمر لمدة شهر كامل بحثاً عن الملجأ والأمن والسلامة. ولكن المشهد الأكثر إيلاماً هو رؤية صفوف اللاجئين مع غياب الشباب. وكل امرأة تحدثت معها سمعت منها قصة مؤلمة عن كيف أخذ الصرب منها زوجها أو شقيقها أو ابنها ثم قتلوه. وكيف ان الجثث ملقاة في الشوارع, وكيف أن الأقارب اختطفوا ولم يعرف لهم أثر. هذه رواية تحمل شهادة غربية على مدى المعاناة التي يعيشها لاجئو كوسوفو بعد تشريدهم من ديارهم. وهي بلاشك, تحمل دلالات هامة, خاصة إذا أدركنا أن هناك موقفاً قد بني على تلك المشاهدات, بل ودافعا لتبني ذلك الموقف. وهو الذي عبر عنه بلير عندما قال: إن معركتنا ضد الصرب هي الأساس لحماية وتعزيز القيم والحريات التي نعتز بها. وأن هناك ضحايا من المسلمين ارتكبت في حقهم جرائم خطيرة بهدف التصفية العرقية. وهذا هو السبب في لجوئنا الى الخيار العسكري ضد حكومة بلجراد وكل قصة من القصص التي سمعتها من هؤلاء اللاجئين عن التعذيب والاضطهاد تجعلني أصمم على مواصلة العمل العسكري حتى نوفر لهم مستقبلاً آمناً. العبارة الأكثر أهمية في خطاب بلير بشأن كوسوفو كانت: إنه لا يمكن لدولة متحضرة أن تصمت إزاء الأعمال الوحشية التي تُرتكب في اقليم كوسوفو, أو تقف متفرجة دون اتخاذ اجراء صارم ضد هؤلاء المجرمين. ولعل في هذه العبارة أيضا أربع إشارات هامة تتمثل في أنه حدد الصفات التي يجب أن تتصف بها الدولة (المتحضرة) في نظر بلير. وأنه لا يمكن لهذه الدولة ــ ان ادعت تحضراً ــ أن تقف موقف المتفرج ازاء محنة بحجم محنة مسلمي كوسوفو. ثم إدانة أعمال الصرب, واعتبارها (وحشية) , وأن مرتكبيها (مجرمون) , يستحقون الردع والعقوبة. ويلاحظ في هذا الشأن أن هناك تطوراً إيجابياً يتمثل في ذلك الموقف الواضح والحازم من تلك القضية, بل وفي النظر الى حقيقة الصراع في كوسوفو بين الأغلبية المسلمة والاقلية الصربية, حيث كانت معظم الدول الغربية, والى عهد قريب, تنظر الى ما يحدث هناك على أن هناك (تمرداً) وحركة (انفصالية) , يقودها المسلمون, تريد الخروج على شرعية الدولة الصربية, ومن ثم كان ينظر الى الممارسات الصربية, رغم وحشيتها وشدة قسوتها, بحسبانها جزءاً من مسؤولياتها ومهامها في المحافظة على وحدة الدولة. وهي نظرة تتشابه الى حد كبير مع الموقف الروسي من حقيقة الصراع بين الطرفين, الصربي ومسلمي كوسوفو. هذه الإشارات (البليرية) ذات الصلة بمأساة كوسوفو تبعتها اشارات أخرى بشأن الوجود الاسلامي في بريطانيا, والدور المتوقع من جالياته المقيمة هناك, والقضايا التي تهمها, والمشكلات التي تواجهها. بالاضافة الى إشارات أخرى حول الإسلام والمبادىء التي جاء بها. حيث كانت هناك إشادة كبيرة بتلك المبادىء. ردود الفعل الإسلامية البريطانية تجاه تلك الإشارات كانت متباينة. فالبعض نظر اليها, وكعادتهم, نظرة ريبة تطورت الى تشكيك في دوافعها وأهدافها. والأكثرون اعتبروها خطوة ايجابية تسعى لتعزيز الوجود الاسلامي ببريطانيا إذا أحسن استثمارها. بل وعدوها تصحيحا للعديد من المفاهيم التي داخلها خلط وإيهام. بقى أن نجيب عن التساؤلات التي وردت في صدر هذه المقالة, ولذلك الحديث صلة.