عندما تنصت لحوار يطول أو يقصر بين واحدة من جداتنا وأمهاتنا, وأحد أحفادها أو أبنائها فلن يفوتك ان تلاحظ اختلاف اللهجة والكثير من المفردات المستخدمة ما يؤدي بالتالي إلى سوء فهم واضح ومحزن في الوقت نفسه, عندها تسائل نفسك: كيف لو تحاورت هذه السيدة مع البائع في بقالة الحي, أو سائق التاكسي أو الخياط أو موظف البنك أو الخادمة, وكلهم من جنسيات وثقافات غير عربية, ما مصير هذه السيدة في هذا المأزق الذي ستجد نفسها محشورة فيه قبل ان يسعفها أحد أبناء الحلال من الناطقين بكل اللغات! ولا نهدف من تساؤلنا هذا إلى عقد مقارنات بين اللغات واللهجات, كما لا نقحم أنفسنا في حالة من العنصرية أو العرقية تجاه الآخرين, نحن فقط نتأمل في اشكاليتنا الاجتماعية الذاهبة بعمق قاتل صوب الفاجعة! والفاجعة هي فقدانك لهويتك في كل مكان توجه إليه نظرك, لقد تحولت إلى ضائع في وطنك, ضائع وسط طوفان مكون من أكثر من 50 جنسية أو عرقية ثقافية متباينة, تمارس نفسها ولغتها ودينها وطقوسها الثقافية على امتداد جغرافيتنا وبكل الاعزاز والاعتزاز بينما لا تجد للغتك وجودا, ولا لمناسباتك, ولا لطقوسك ولا حتى لوجبات الطعام التي كنت ذات يوم تتناولها باعتبارها وجبات محلية, ولولا بعض المطاعم الشعبية اليوم لاعتقد كل القادمين إلينا اننا أمة لم تكن تتناول أطعمة في الماضي وربما ظنوا بأننا كنا نأكل السمك نيئا من البحر!! ان موضوع الهوية التي ضاعت, ومجموعة الهويات الغريبة البديلة التي انتصرت وثبتت نفسها وغرست جذورها, كما غرست ثقافتها في ثيابنا وطعامنا وكلامنا وتصرفات أطفالنا وتوجهات شبابنا وفتياتنا وحتى في الأمكنة التي نرتادها والطريقة التي نمضي بها أوقاتنا, ان هذا الأمر من أكثر الأمور حساسية وخطورة وإهمالا من قبل وسائلنا الاعلامية. وكلما أمعن الأجنبي والغريب في التمسك بهويته واستعراض تفاصيل ثقافته, أمعنا نحن في التفريط بهويتنا, وزاحمناهم في الالتصاق بتفاصيلهم والاحتفال بمناسباتهم والاستعداد لها والاحتفاء بها أكثر منهم أحيانا!! من هنا يحق لأطفالنا ان يستخدموا مفردات أخرى, ثم لا يكادون يتعرفون على تفاصيل كثيرة نستخدمها في حياتنا, وأكاد أجزم بأننا السبب وليس الأطفال. لقد وضعنا حياتنا الجديدة التي لم يمض عليها أكثر من 30 سنة في المتاحف وأغلقنا عليها زجاج (الفاترينات), ثم صرنا بشكل غرائبي جدا نتفرج على أنفسنا, وكأننا شيء من انتيكات الأزمنة الغابرة, فمن فعل ذلك بنا؟ نحن الذين فعلنا ذلك أو وافقنا على ذلك! لقد تحولنا إلى مجموعة من الناس فقدت ذاكرتها وهويتها وذائقتها وخصوصيتها, وسارعت للانضمام لنادي العولمة قبل ان يفتتح النادي أبوابه ودفعنا الرسوم والاستحقاقات قبل ان يطلب منا, وكان الثمن الأكبر هويتنا التي استبدلنا بها, أسمنتا وزجاجا عاكسا وتوليفة غريبة من نتاجات الآخرين, وابداعات نادي العولمة, ومفردات على هيئة فسيفساء غير متجانسة مع بعضها وتصرفنا كطفل تفرحه البالونات الملونة والألعاب النارية, طفل يكتب تاريخه من نقطة الصفر حيث تبدأ فرقعات الألعاب ومؤشرات البورصة وتداعيات أزمة الخلل في التركيبة السكانية.