الملك حسين بن طلال وجمال عبدالناصر وانور السادات وياسر عرفات شخصيات سياسية مخضرمة ينتمي ثلاثتها الى النصف الثاني من القرن العشرين .. هذه الشخصيات تداخلت مساراتها وتقاطعت بسبب القضية الفلسطينية وتداعيات الصراع العربي الاسرائيلي. وصول الحسين وعبدالناصر الى السلطة كان في تزامن متقارب في اوائل الخمسينات.. الاول خلف والده الملك طلال بن عبدالله على العرش. والثاني انتزع السلطة بانقلاب عسكري ولم يكن ذلك هو التناقض الوحيد في رؤى الرجلين. كان الوجود العسكري البريطاني في كل من مصر والاردن آنذاك السبب المباشر لخصومة متصاعدة بين الزعيمين امتدت لاربعة عشر عاما. فالقوات البريطانية التي كانت ترابط في منطقة السويس كانت في نظر عبدالناصر احتلالا قسريا بينما كان وجود قوات بريطانية داخل الاردن ناتجا عن قرار طوعي من السلطة الاردنية. ولم ينته العداء بين الدولتين الشقيقتين إلا في عام 1967 حين اخذت تتجمع على الافق القريب نذر اندلاع حرب عربية جديدة مع اسرائيل. وعندما بلغت حالة الحرب ذروتها فاجأ الملك حسين كل العالم بأن طار الى القاهرة على غير موعد مرتب سلفا وتبادل القبلات الحارة مع عبدالناصر معلنا انضمام الاردن الى مصر في حالة اندلاع الحرب. ومنذ ذلك الحين صارت القرارات الفجائية سمة لازمة للحسين, ومن ذلك مثلا شن ذلك الهجوم الشهير في عام 1970 على الوجود العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية داخل الاردن الذي كان في رأيه تجاوزا للحدود وتحديا للسلطة وخرقاً للسيادة الاردنية وكان قرار الملك في عام 1988 بالتخلي عن سيادة الاردن عن الضفة الغربية واعتبارها ارضا فلسطينية مفاجأة ايضا, وفي عام 1994 كان قرار التصالح مع اسرائيل وابرام اتفاق (وادي عربة) دون مقدمات فيما بدا للمراقبين. ومع ذلك لم تزل التناقضات بين شخصيتي الحسين وعبدالناصر كان عبدالناصر رمزا للزعامة التي تتسع رؤيتها لتشمل العالم العربي كله.. بل وتتجاوزه الى افريقيا وغيرها من قبيل التضامن مع حركات التحرر وبهذه الصفة دخل عبدالناصر التاريخ كزعيم اجمعت عليه الشعوب العربية قاطبة. اما شخص انور السادات فإنه يعكس بالمقارنة مع عبدالناصر تناقضا من نوع آخر اذ بعد توليه السلطة عام 1970 عمد الى اتخاذ سياسة تعطي الاولوية للشأن المصري. وبهذا المنظور الانفرادي فاجأ العرب والعالم بزيارته الشهيرة الى اسرائيل عام 1977 تلك الزيارة التي ادت لتحريك مسلسل من التطورات انتهت الى توقيع اول معاهدة سلام عربية مع اسرائيل. السادات ايضا دخل التاريخ باعتباره (رائدا) فبعض اشد منتقديه ـ وفي مقدمتهم القيادة الفلسطينية ـ سلكوا طريقه في التصالح الانفرادي مع اسرائيل بعد نحو 15 عاما من رحيله. ياسر عرفات هو اصعب الزعامات العربية من حيث التقييم ويقول الصحفي الاسرائيلي (دون روبنشتين) المتخصص في الشؤون الفلسطينية ان هناك من يحبونه بتطرف وهناك من يبغضونه بتطرف.. لكن الجميع لا يختلفون في انه وضع اقوى بصمة على مسار القضية الفلسطينية. ربما يدخل عرفات التاريخ لكن المؤرخين سوف يحتارون في تصنيفه: هل هو قائد ثوري ذو رسالة ام شخصية بيروقراطية قابلة للمساومة؟ بالتالي: هل هو زعيم نضالي ميداني ام رجل سلطة مكتبي؟ غير ان الشعب الفلسطيني, قبل المؤرخين هو صاحب الحكم النهائي بشأن الرئيس عرفات.. سواء له او عليه.