بعد أكثر من سبعين يوما من الضربات ضد يوغسلافيا, قبل الدكتاتور الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش مشروع التسوية الذي يتضمن الشروط الاساسية التي ظل الحلف الاطلسي يشترطها, والتي تضمنتها اتفاقية رامبوييه التي رفضها ميلوسيفيتش , بعد أن قبلها ممثلو الالبان. الأمر الذي اقنع دول الحلف الاطلسي بحتمية استعمال القوة ضد هذا الدكتاتور. وفي انتظار دخول هذه الاتفاقية التي ارغم رئيس صربيا الرضوخ لها, فإنه من الممكن الخروج ببعض الاستنتاجات الاولية والتي نختزلها فيما يلي: اولا سوء تقدير الدكتاتور ميلوسيفيتش, وثانيا الوعي الأوروبي بأهمية دور أوروبا في المساهمة في تدبير شؤونها. وثالثا: الدورالروسي, وأخيرا محدودية الدور الأممي. سيذكر التاريخ, أن الزعيم الصربي, منذ وصوله الى السلطة, وتأكيده على تفوق الصرب, وعلى اطروحات قومية وعرقية, ومعانقة فكرة صربيا العظمى, لم يفلح إلا في تحجيم الاقليم الذي يمارس عليه سلطاته. فكل الجمهوريات التي كانت تشكل يوغسلافيا قد خرجت منها مرورا بسلوفينيا ومقدونيا وكرواتيا. وبعد حرب تخللتها جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية فقد اضطر نتيجة اتفاقيات دايتون ليس فقط الى التخلي عن البوسنة, بل ان الصرب قد طردوا من كرايينا وسلوفينيا. وفي الوقت الذي فقد هذه الجمهوريات, وخرج من أزمة البوسنة دون أن يوضع في قائمة مجرمي الحرب, فقد انصرف الى تركيز وجوده في الكوسوفو, التي يعتبرها الصرب بمثابة مهد الشعب الصربي, وقد ارتكب خطأين في التقييم, اولا لقد قلل من قدرات الغرب والحلف الاطلسي على استعمال القوة. ومن ثم فقد رفض القبول بمقتضيات رامبوييه التي كانت تشكل تسوية ملائمة له. إلا أن الغرب لم يرد أن يرتكب نفس الخطأ الذي ارتكبه في معالجة أزمة البوسنة, مما وسع من دائرة الجرائم المرتكبة. ومن ثم كان رد فعله سريعا يتمثل في القضاء على البنية اللوجيستيكية لنظام ميلوسيفيتش. أما الخطأ الثاني, فيكمن في المراهنة على رد فعل روسيا. لقد استبعدت هذه الاخيرة كل مساعدة عسكرية. ولم تفض العواطف السلافية بالرغم من الحديث عن وحدة تضم بيلوروسيا وروسيا واوكرانيا ويوغسلافيا الى تصعيد في الموقف الروسي الذي اقتنع بأهمية التعاون مع الحلف الاطلسي بدل الدخول في مواجهة معه, حتى يحافظ على دور في تسوية هذه الازمة, ويرضخ لمطالب الداعين الى ضرورة انخراط روسيا في المعسكر الغربي بشكل لا رجعة فيه, لحل مشكلاتها الاقتصادية, ومواجهة تحديات الانتقال والعولمة. من الواضح, أن الرئيس الصربي قد خرج ضعيفا من هذه الازمة, بعد أن تسبب لبلاده في خسائر جسيمة كان من الممكن تفاديها لو اتسم بنوع من الحكمة. وعلاوة على هذه الخسارة التي تضيق من السيادة الترابية لصربيا, فإن متابعته كمجرم حرب, علاوة على بعض المسؤولين سيزيد من ضعفه, ويفرض قيودا صارمة على تحركه, حتى ولو بقي في السلطة, فمع الوقت سيدرك الصرب والحلفاء, أنه لا مناص من ديمقراطية حقيقية, إذا كانت صربيا تسعى جديا الى الاندماج في الترتيبات التي تهيئ للمنطقة. ولا يمكن أن يتحقق السلام, ولا الديمقراطية بدون رحيل ميلوسيفيتش. إذا كان ميلوسيفيتش, ومن خلاله صربيا قد خرجت ضعيفة, فإن الدبلوماسية الاوروبية استطاعت أن تغطي الضعف العسكري والتكنولوجي الذي سادها فيما يتعلق بتعاملها مع هذه الازمة عسكريا والتي استحوذت عليه الولايات المتحدة. واعتمادا على الانتقادات التي بدأت تطال الاستراتيجية الأمريكية, لاسيما مع الاخطاء التي شابتها, والتي تمثلت اساسا في ترك الباب مفتوحا امام ميلوسيفيتش لممارسة سياسة التطهير العرقي, فقد تحركت الآلة الدبلوماسية الأوروبية لاقناع الولايات المتحدة بجدوى البحث عن تسوية سلمية, والتي ينبغي أن ترتكز على اشراك روسيا في هذا المسعى, وكذلك اعادة ادماج الامم المتحدة في المساهمة في ترتيبات التسوية في المنطقة, كل ذلك يتم دون المساس بالمبادىء التي اشترطها الحلف, والتي وافقت عليها مجموعة الثماني. وبفعل تورط أغلب الدول الأوروبية في ضربات الحلف, فقد كلف الرئيس الفنلندي الذي تمارس دولته سياسة الحياد بقيادة هذه المفاوضات التي تمت بالاشتراك مع المبعوثين الروسي والأمريكي, وهي التي أفضت الى قبول الرئيس اليوغسلافي لهذا المخطط الذي يرتكز بالاساس على انسحاب القوات اليوغسلافية, وتمركز قوات دولية تتكون من قوات الحلف الاطلسي وروسيا ودول أخرى تتولى ضمان عودة اللاجئين الكوسوفيين الى ديارهم. إن هذا النجاح الدبلوماسي الأوروبي لم يمنع الأوروبيين من ادراك مدى ضرورة توفرهم على استراتيجية أوروبية دفاعية موحدة. وفي هذا الصدد فإن من بين القرارات الاساسية التي تمخض عنها مؤتمر القمة الأوروبية الذي انعقد في كولونيا هو تمكين المجموعة من سياسة دفاعية مشتركة, وهي تقوم على أساس أن أوروبا ينبغي أن تتوفر على قدرة للتحرك المستقل اعتمادا على قوة عسكرية فعالة, وعلى امكانية اللجوء اليها بدون الاضرار بتدخلات الحلف الاطلسي, ولاعطاء هذا المشروع طابعا عمليا, فقد تم تعيين الأمين العام الحالي للحلف الاطلسي, الاسباني خافيير سولانا كمكلف بالسياسة الخارجية والدفاع المشترك للمجموعة. وهو منصب استحدث لأول مرة في المجموعة, ينم عن رغبة حقيقية لدى الدول الأعضاء, ولاسيما تلك المتشبعة بالاستقلالية الأوروبية, بضرورة تجاوز المعوقات التي حالت لحد الساعة دون بناء سياسة خارجية أوروبية تمكن من اسماع الصوت الأوروبي. وستكشف الأيام المقبلة عن مدى قدرة الأوروبيين على تحقيق هذا المشروع. وفضلا عن ذلك, وبناء على الاقتراحات الالمانية, فقد وافقت المجموعة على برنامج شامل يتوخى اعادة الاستقرار الى منطقة البلقان, من خلال مساعدتها على مواجهة مشاكلها الاقتصادية, وتدعيم الخيار الديمقراطي داخلها. إذا كانت روسيا قد شعرت بعجزها عن مواجهة ضربات الحلف بشكل فعال, وفضلت الاكتفاء بموقف يدعو الى احترام الشرعية الدولية من خلال الرجوع الى الأمم المتحدة, فإنها سعت مع ذلك الى استثمار علاقاتها مع نظام ميلوسيفيتش لاقناع هذا الأخير بضرورة الاستجابة لمطالب الحلف الاطلسي, على أساس بعض التنازلات التي تمكن هذاالنظام من حفظ ماء الوجه. ولاعطاء هذا التوجه طابعا عمليا, فقد كلف الرئيس الروسي الوزير الأول تشرنوميردين بالقيام بدور الوساطة, مستبعدا بذلك وزير الخارجية الذي يمثل المؤسسة الرسمية, وربما ينم هذا الموقف عن عدم توريط روسيا مباشرة فيما يمكن أن يعتبر تنازلا في نظر حلفاء روسيا, وكذلك حتى في الداخل, حيث يعتبر الشيوعيون والقوميون, وكذلك بعض العسكريين, ان المبعوث الروسي قد انحاز بشكل كامل الى الموقف الغربي في هذا المجال. ومهما كان تقييم هذا الاتفاق, فإن تشيرنوميردين قد نجح في الابقاء على روسيا, رغم علامات الضعف والترهل التي اصابتها كطرف لابد منه في هذه الهندسة الجديدة التي تخضع لها المنطقة, وهو أمر يكرس الاتجاه الدافع نحو تدعيم الدور الاوروبي من خلال تحمل الدول الاوروبية, بما فيها روسيا لتدبير الازمات في المنطقة, ويبقى على روسيا ان تدفع نحو مزيد من الديمقراطية في هذه المنطقة حتى لا تجد نفسها مستقبلا أمام حلفاء يمكن أن يسببوا لها الكثير من المشاكل. وأخيرا, اذا كانت الأمم المتحدة قد همشت على امتداد هذه الأزمة, فإن الأمر ليس غريبا طالما ان هذه المنظمة العالمية تبدو عاجزة عن مسايرة الأزمات في فترة اشتدادها, أو تلك التي تضع في الواجهة القوى الكبرى, لقد تلمسنا ذلك خلال أزمة الخليج في مختلف مراحلها الساخنة, وكذلك في أزمة الشرق الأوسط, والبوسنة, وهو أمر يترجم عدم انسجام آليات الأمم المتحدة مع طبيعة القوى في النظام الدولي الحالي, ان الحديث عن عودة الأمم المتحدة لا يغير جوهريا من عجز هذه المنظمة, ولكنه يشكل مجرد توظيف هذه المنظمة لامتصاص غضب القوى الأخرى كروسيا والصين, وفي الوقت نفسه جعلها كاطار لاعطاء الشرعية لتسوية لم تشارك فيها بأية حال. ولا ريب في ان واقع الأمم المتحدة, يطرح من جديد ضرورة الانكباب الجدي على القيام بالاصلاحات اللازمة التي تسمح لهذه المنظمة العالمية أن تكون ضابطا للتفاعلات الدولية, لاسيما في لحظات قلقها. اذا كانت هذه الأطراف المختلفة قد ساهمت بشكل من الاشكال في هذه التسوية السلمية, فإن هذا لا ينفي الدور الأمريكي, لقد استطاعت الولايات المتحدة ان تحافظ على وحدة الحلف, وأن تكثف ضرباتها ضد أهداف النظام الصربي, وإذا كان صحيحا ان الدور الدبلوماسي الأمريكي لم يبد حاسما, كما هو الامر بالنسبة لما كان عليه الامر في أزمة البوسنة بفعل الدور الذي قام به هولبروك, فإن مرد ذلك, كما لاحظنا الى الدور الأوروبي والروسي الفعال في هذه الأزمة, لكن استمرار الحضور الامريكي يبقى من خلال المراحل المتعلقة بتطبيق الاتفاق, والذي يترك الكثير من النقاط الغامضة, من بينها مستقبل كوسوفو, وكيف سيتم تدبيرها, وكذلك موقع جيش تحرير كوسوفو ضمن هذه التسوية, لذلك فان الاتفاق لا يمثل في الواقع الا بداية لمسلسل طويل يستهدف تطبيع الاوضاع برمتها في هذه المنطقة المليئة بالألغام.