تكاثرت سحب الدخان التي اطلقها الرئيس الارجنتيني كارلوس منعم خلال الاشهر الاخيرة بعد ان بات واضحا انه لا يستطيع ان يتمادى في مطالبته بحقه (الدستوري) في البقاء في السلطة لفترة رئاسية ثالثة رغم انف الوطن والشعب والدستور, لكن سحب الدخان التي يصر الرئيس منعم على اطلاقها بمناسبة أو بغير مناسبة, ليس هدفها هذه المرة التعتيم على (تفاسير) الدستور المختلفة بحثا عن طريقة للبقاء في الحكم, ولكن للتعتيم على الميراث الصعب الذي سيتركه الرئيس لخلفه بعد فترتين رئاسيتين تركتا الاقتصاد الوطني يعاني من مشاكل مزمنة, مشاكل كانت كامنة خلف ستار من الاكاذيب المدعومة بالاعلام الامريكي, الذي يرى الرئيس الارجنتيني الحالي حليفا لا يعوض للولايات المتحدة. يحاول كارلوس منعم هذه الايام جاهدا ان يخفي آثار وجوده على قمة السلطة إلى أن يتم اكتشاف الحقيقة على زمن رئيس قادم, يمكن الصاق التهمة به, ويبقى للرئيس منعم الفضل في زمن مضى, كان يبدو فيه اقتصاد الارجنتين منتعشا, ولو ظاهريا, حتى يتمكن من طرح نفسه من جديد كمرشح منقذ للبلاد في الانتخابات المقرر ان تجري عام ,2004 وربما ليبقى لفترتين متتاليتين على الطريقة نفسها التي تمكن بها من البقاء في السلطة حتى الان, أو يفعلها من جديد ويتمكن من تغيير الدستور ليبقى فترة اطول تحت وهج السلطة. من تلك السحب الدخانية التي يطلقها الرئيس كارلوس منعم منذ ان بدأت تظهر اعراض التدهور على الاقتصاد الارجنتيني, هي امكانية تحول بلاده إلى التعامل بالدولار الامريكي كعملة وطنية بدلا من (البيزو) مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج, منها فقدان الاقتصاد الارجنتيني لهويته الوطنية ودخوله كجزء مستضعف في اطار الاقتصاد الامريكي, وهو ما تركز على رفضه المعارضة الوطنية سواء من داخل حزب الرئيس منعم نفسه, أو حتى من الاحزاب المعارضة المنافسة, التي ترى أن مثل هذه الخطوة تعني الوقوع في براثن الشركات الامريكية الكبرى, التي تمكنت خلال رئاسة كارلوس منعم من التسلل إلى عدد كبير من الشركات الوطنية الارجنتينية وسيطرت عليها تحت شعار (التخصيص) . اضافة ايضا إلى معارضة شركاء الارجنتين في سوق الجنوب الامريكي اللاتيني (ميركوسور) أو مجموعة (ريو دي جانيرو) التي تعرضت لضربات قاسية خلال ازمة جنوب شرق اسيا, وفقدت في اسبوع واحد كل ما تراكم من نمو في الاقتصاد الوطني خلال ثلاث سنوات, لان تلك الدول لا تريد ارتباطا اكبر مع الولايات المتحدة يحرمها من حرية المناورة خلال مفاوضاتها مع مجموعات اقتصادية اقليمية, مثل الاتحاد الاوروبي لتصريف منتجاتها دون عوائق جمركية تحد من حرية حركة تلك المنتجات او تحد من قدرتها على المنافسة السعرية في الاسواق الخارجية. لكن يبدو ان هزيمة الرئيس كارلوس منعم امام رفض (تفاسير) الدستور التي اطلقها بعض قضاة المحكمة الدستورية الذين وضعهم الرئيس لتمرير ما يراه مناسبا له شخصيا بعض النظر عن مدى صحة هذه التفاسير دستوريا, وايضا امام منافسه في حزبه محافظ العاصمة بوينس ايريس, جعلته يستمر في محاولاته اخفاء حقيقة الاوضاع الاقتصادية التي سيخلفها بعد رحيله عن السلطة بعد الانتخابات القادمة المنتظر ان يكون موعدها عام 2000. حقيقة الاقتصاد الارجنتيني بعيدا عن سحب الدخان التي يطلقها كارلوس منعم تؤكد بالارقام ان الوضع اسوأ مما يتصوره اكثر المحللين تشاؤما: فقد انقلبت موازين المدفوعات في عهد الرئيس منعم, وحدث انخفاض حاد في دخل الدولة من الضرائب المباشرة قدر خلال شهر ابريل الماضي فقط بحوالي 4.9 في المائة, اضافة الى انخفاض الدخل من الجمارك على الواردات بسبب تأثير الازمات التي اصابت اعضاء ميركوسور, مثل البرازيل التي تعتبر اكبر حلفاء الارجنتين, مما اثر على الطلب الداخلي على السلع الخارجية بنسبة 5.29% وكذلك انخفاض مستوى الصادرات الارجنتينية الى الخارج بنسبة 60%. هذا الوضع اثر بالتالي على ميزان المدفوعات للدولة, مما ادى الى زيادة العجز خلال السنة المالية 1998/1999 الى ما يقرب من 5% وذلك طبقا للاحصائيات الرسمية التي توجد في ادراج المسؤولين في وزارات المالية والاقتصاد في حكومة الرئيس كارلوس منعم, وتتداولها ايدي المتخصصين في هذا المجال دون الاعلان عنها رسميا, وهذه الارقام تسبب ازعاجا متزايدا بين المسؤولين عن الاقتصاد الارجنتيني بغض النظر عن افكار الرئيس كارلوس منعم ومشروعاته السياسية الشخصية. طبقا للاحصائيات الرسمية خلال شهر ديسمبر 1998 فإن الديون الخارجية للارجنتين بلغ مجموعها 140 بليون دولار امريكي وهو ما يساوي 41% من الدخل القومي للبلاد, اي ان تلك الديون ارتفعت خلال السنوات السبع الماضية بنسبة 13% من مجموع الدخل القومي, ونظرا للازمة التي تواجهها البلاد حاليا, فإن اقساط تسديد هذه الديون ستصبح مستحيلة, وعلى الدولة ان تقترض مزيدا من الديون لتسديد المستحق من الديون القديمة اي المزيدا من الديون على عهد اي رئيس جديد لتسديد ديون حكومة الرئيس كارلوس منعم. لذلك فإن حكومة الرئيس منعم في محاولاتها الحصول على المزيد من القروض لتسديد المتراكم من اقساط الديون قبلت شروط صندوق النقد الدولي, حيث تم الاتفاق خلال شهر ابريل الماضي على خفض نفقات الادارة الحكومية بما يساوي حوالي بليون دولار امريكي, تقرر ان يتم استقطاعها من ميزانية عام 1999 هذا الاستقطاع وضع الحكومة الارجنتينية امام حقائق الوضع الصعب للاقتصاد وكان تكذيبا واضحا لكل التصريحات التي اطلقتها الحكومة خلال العام الماضي عن توقعات بزيادة الميزانية وزيادة النفقات على الخدمات الاساسية والرئيسية. بل ان توقعات الحكومة بأن العجز في الموازنة لعام 1999 لن يتجاوز بليونين و650 مليون دولار, تعدى هذه الارقام في الفترة من يناير حتى ابريل الماضي, ووصل الى ما يقرب من 5 بلايين دولار امريكي ثم تجاوز هذا العجز خلال الشهر الماضي 5 بلايين دولار امريكي, لتلبية مطالب الجامعات بزيادة مخصصات نفقات منح الطلاب والبحث العلمي. في ظل هذه الاوضاع الاقتصادية المتفاقمة فإن سحب الدخان التي يطلقها الرئيس كارلوس منعم تثير نقاشا واسعا تبدو نتائجه عكسية تماما ولا تتفق مع مزاعم الرئيس الارجنتيني, لان هذا الحوار الدائر بين مؤيدي الرئيس وبين المعارضين له وللدولار الامريكي بدأ يثير الذعر بين المستثمرين الاجانب خشية انعكاس التحول من البيوز الى الدولار بالسلب على استثماراتهم في الارجنتين خاصة ان 80% من الديون الداخلية و100% من الديون الخارجية للدولة (ديون دولارية) واي تغيير في حجم العملة الوطنية الحالية يرهن الاقتصاد الوطني لحساب العملة الاجنبية. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا