أخيرا وبعد طول انتظار أكثر من 250 ألف قتيل في البوسنة وكرواتيا وكوسوفو وما يفوق المليون مشرد, أصدرت محكمة جرائم الحرب التابعة للأمم المتحدة في لاهاي قرارات اتهام بحق الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش وأربعة من كبار معاونيه لارتكابهم جرائم حرب ضد الانسانية في كوسوفو, ويكتسب هذا القرار أهميته فيما ترتب وما يمكن ان يترتب عليه من صدور قرار اعتقال هؤلاء المجرمين ومحاكمتهم وبعث رسالة تهديد واضحة إلى غيرهم حتى لو كانوا رؤساء دول ذات سيادة ان النظام العالمي الأطلسي الجديد عازم على فرض ارادته على الجميع. ورغم تباين ردود الفعل الدولية على هذا القرار الذي يعد الأول من نوعه الذي يصدر بحق رئيس دولة وهو في الحكم, بين ترحيب الدوائر الغربية والأمريكية ورفض روسيا ومطالبة يوغسلافيا بمحاكمة الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني أيضا لارتكابها جرائم حرب مماثلة نتج عنها مقتل أكثر من 2000 صربي خلال غارات حلف الأطلسي المستمرة على يوغسلافيا, نقول رغم تباين ردود الفعل ورغم ما تحمله هذه القرارات من تحد وتهديد واضحين لرؤساء دول وحكومات عديدة في العالم, ورغم ما تمثله ــ في التحليل الأخير ـ من تهديد للسلام العالمي في ظل النظام العالمي الجديد أحادي القطبية, رغم كل ذلك فان في الأمر درسا ينبغي عدم اهماله يتمثل في فهم ابعاد وحقيقة الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الغربية في التمهيد لهذه القرارات وتسويقها في العالم وتقديم الرئيس اليوغسلافي في صورة مجرم الحرب.. وهو درس مهم في الدعاية والحرب النفسية التي صاحبت وما زالت الحملة الأطلسية على يوغسلافيا. فإلى جانب الغارات الأطلسية المكثفة بشن حلف الأطلسي حربا نفسية ودعائية غاية في الاتقان والتركيز على يوغسلافيا طالت حتى الآن رأس النظام الصربي وحققت بعض أهدافها القريبة وما زالت تعمل لتحقيق بقية أهدافها الاستراتيجية. وقد كان من الطبيعي بل والمحتم ان ينتصر حلف الناتو في حربه الدعائية على يوغسلافيا وميلوسيفيتش لعدة أسباب نوجزها فيما يلي: ــ سيطرة الحلف على آليات ووسائل الاعلام الدولي ذات النفوذ العالمي اللامحدود, مثل وكالات الأنباء العالمية الأربعة الكبرى وشبكات التلفزيون العالمية, وتوجيهها بقصد أحيانا وبدون قصد أحيانا أخرى إلى تبني الرؤى الغربية في الصراع وتقديم الحقيقة من وجهة نظر الحلف فقط الذي أدار حربا منظمة من خلال البيانات والمؤتمرات الصحفية لقادته من العسكريين والسياسيين التي يتم نقلها مباشرة إلى جميع أنحاء العالم, وقد انتجت هذه السيطرة رأيا عاما عالميا أصبح مهيئا لقبول بل ودعم كل مايقوم به الحلف من أعمال عسكرية لتدمير يوغسلافيا وجر قادتها إلى المحكمة الدولية. ــ تحييد الآلة الاعلامية اليوغسلافية واخراجها من الحرب الدعائية عن طريق القصف المركز والتدمير شبه الكامل للمؤسسات الاعلامية داخل يوغسلافيا مثل مبنى التلفزيون ووزارة الاعلام ووكالة الأنباء ومحطات الارسال والتقوية, وقد تمثل الهدف من ذلك في عزل الحكومة اليوغسلافية عن مواطنيها في الداخل وعزلها عن الرأي العام العالمي في الخارج, وإذا علمنا ان الآلة الاعلامية اليوغسلافية لا يمكن مقارنتها بالآلة الاعلامية الأطلسية من حيث القوة وسعة الانتشار العالمي لأدركنا مغزى هذا العزل الذي قضى أو كاد على الصوت اليوغسلافي في العالم وجعل التدفق الاخباري والمعلوماتي من واقع الصراع ذا اتجاه ومصدر واحد ورؤية واحدة. ــ العزلة الاعلامية شبه الكاملة ليوغسلافيا الدولة والقيادة والشعب عن العالم, وقد نفذ حلف الناتو خطة العزل هذه عشية بدء الغارات باخراج الفرق الاعلامية الغربية من يوغسلافيا وتحذير الصحفيين من دخولها والحيلولة دون دخول المراسلين ووكالات الأنباء إلى كوسوفو, وفي ظل غياب الاعلاميين عن الساحة أصبحت الفرصة مواتية للحلف لنشر ما يتراءى له من تقارير عن دقة الضربات الجوية وحجم الدمار المادي والبشري الناتج عنها اعتمادا على رؤية العسكريين وصور الاقمار الصناعية. ــ تحييد الاعلام الروسي المساند ليوغسلافيا, وقد تم ذلك بطرق عديدة أهمها شغل والهاء وسائل الاعلام الروسية بتحركات المبعوث الروسي إلى البلقان تشرنومردين ورحلاته المكوكية بين بلجراد وموسكو وواشنطن والعواصم الأوروبية بحثا عن دور فاعل لروسيا في الصراع, وقد ساعد على نجاح هذا التكتيك التدمير الذي مارسه الحلف منذ سقوط الاتحاد السوفييتي للاعلام الروسي حتى جاء الوقت الذي لم يعد لروسيا فيه وكالة أنباء عالمية قوية يمكن ان تلعب دوراً في الاعلام العالمي بعد انهيار وكالة أنباء (تاس) التي كانت احدى اكبر خمس وكالات عالمية وتحويلها إلى وكالة أنباء موالية للغرب بحكم المصالح المشتركة بمسمى جديد هو (ايتار ـ تاس) بالاضافة إلى تبعية وكالة الأنباء الروسية الثانية (انترفاكس) شبه الكاملة للآلة الاعلامية الغربية بحكم المشاركة الأمريكية الكبيرة في ملكيتها, وبذلك نجح اعلام (الناتو) في ان يكون المصدر الوحيد تقريبا لكل ما ينشر في العالم عن الصراع في البلقان. ــ توظيف مأساة ألبان كوسوفو اعلاميا لكسب التأييد الدولي غير المشروط لحملة (الناتو) من خلال التقارير التي لا تتوقف عن نزوح اللاجئين والأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشونها على الحدود المقدونية والألبانية وروايات الفارين من جحيم الصرب دون ربط بغارات الحلف على كوسوفو التي لاتفرق بين الباني وصربي وكانت ــ كما يؤكد المحللون ــ احد الدوافع الرئيسية للنزوح الجماعي من كوسوفو, وقد اثمر هذا التوظيف في تهيئة الرأي العام العالمي لقبول وتأييد كل صور التنكيل الاطلسية بالدولة اليوغسلافية والرئيس اليوغسلافي بما فيها اصدار اوامر القبض عليه في المقابل حرص الاعلام الغربي على تجاهل حقيقة ان هدف الحملة الجوية ليس هو الدفاع عن ألبان كوسوفو في المقام وان نزوح مسلمي كوسوفو من اراضيهم وحشرهم في مخيمات على الحدود ونقل بعضهم الى دول المهجر ــ ربما الدائم ــ في الولايات المتحدة وكندا والمانيا وغيرها من الدول يأتي ضمن الاستراتيجية العامة للحلف الدعائية والعسكرية. وللاسباب السابقة اصبح الاعلام الامريكي او بالاصح الاعلام الاطلسي هو اللاعب الوحيد تقريبا على الساحة العالمية في صراع البلقان الامر الذي مكنه من قيادة حرب دعائية ونفسية ناجحة دون مقاومة تذكر من اطراف اخرى, وكان من ثمارها القريبة توجيه احدى هيئات الامم المتحدة المغيبة في الصراع الاتهام الاول من نوعه الى رئيس دولة مازال يمارس سلطاته بارتكاب جرائم حرب, ونستطيع ان نقول ان قرارات اتهام ميلوسيفيتش ورفاقه لم تكن وليدة ما ارتكبوه من جرائم في كوسوفو فقد سبق وان ارتكبوا مثل هذه الجرائم وابشع منها في البوسنة وكرواتيا, وانما هي ثمرة الحملة الاعلامية الدعائية القوية التي ساهم في نجاحها واقع العولمة الاعلامية التي يعيشها العالم والتي لم تكن بذات القوة والفاعلية في حرب البوسنة منذ ست سنوات. وللدلالة على قوة وفاعلية الحرب الدعائية نسوق مثالا يؤكد دور وسائل الاعلام الغربية في التمهيد لصدور قرار اتهام ميلوسيفيتش كمجرم حرب, والمثال النموذج من مجلة (تايم) الامريكية الواسعة الانتشار والتي تصدر عن المؤسسة الاعلامية الاكبر في العالم (مؤسسة تايم ــ وزيرنو) والتي تفوق ميزانيتها السنوية ــ كما يقول جون ميريل في كتابه الصحافة العالمية (1991) ــ اجمالي الناتج القومي لعدة دول هي الاردن وبوليفيا ونيكاراجوا والبانيا ولاوس وليبيريا ومالي ويصل مجموع قراءها في العالم الى 120 مليون قارىء فقد شنت تايم في الاسابيع الاولى من الحملة الجوية على يوغسلافيا (انظر عدد 5 ابريل 1999) حملة شخصية على ميلوسيفيتش, كان من بين موضوعاتها موضوع بعنوان (ادولف هتلر الجديد) قامت فيه بتسويق فكرة الصاق تهمة مجرم الحرب الى ميلوسيفيتش من خلال تشبهه بالزعيم النازي ادولف هتلر كنموذج تاريخي والرئيس العراقي صدام حسين كنموذج معاصر, وقد بنت (تايم) استراتيجيتها الدعائية في هذا المجال على عدد من الثوابت والمقولات مثل: ــ ابراز وتأكيد اوجه الشبه بين ميلوسيفيتش وهتلر من خلال توظيف بعض المقولات التاريخية مثل (ان ميلوسيفيتش هو اخطر زعيم اوروبي في التسعينات مثلما كان هتلر اخطر زعيم اوروبي في الثلاثينات والنصف الاول من الاربعينات. ــ الصاق اوصاف سلبية للغاية بالرئيس اليوغسلافي وتاكدها في محاولة لخلق صورة ذهنية تقربه من مجرم الحرب, مثل وصفه بالسفاح وسافك الدماء وقاطع الطريق والنذل والساذج والجلف والشيوعي السابق والعنصر والملوثة يديه بالدماء والمسؤول عن ابادة ربع مليون انسان وتشريد الملايين في البوسنة وكرواتيا وكوسوفو. ــ تأكيد دولية ميلوسيفيتش حتى عند مقارنته بهتلر, فإلى جانب ان قوة ومكانة يوغسلافيا الحالية لا يمكن مقارنتها بقوة ومكانة المانيا النازية, حرصت المجلة على ترديد مقولة ان هتلر نجح ــ لسنوات بالطبع ــ في بناء دولة قوية وكبيرة بينما قاد ميلوسيفيتش يوغسلافيا الى الانكماش والتفكك وفي هذا الاطار يتم التركيز على فشل ميلوسيفيتش ووصفه بأنه واحد من اكبر الفاشلين في التاريخ لانه فشل في الحفاظ على وحدة يوغسلافيا وفي تحقيق حلمه ببناء صربيا الكبرى فقد دخل في السنوات العشرة الاخيرة اربعة حروب خسر منها ثلاثة وفي طريقه لخسارة الحرب الرابعة. ــ الدعوة الى اتخاذ موقف غربي وعالمي صارم من ميلوسيفيتش حتى لايتكرر نموذج هتلر مرة اخرى, ومن المقولات التي تم الترويج لها في هذا السياق انه كلما سمحنا للديكتاتور بالتمادي في اعماله كلما كان الثمن باهظاً, وانه لو كان العالم قد واجه هتلر منذ صعوده المدوي في عام 1936 لامكن الحفاظ على حياة اكثر من 50 مليون انسان ضاعت في الحرب العالمية الثانية, ولو كان العالم قد عاقب ميلوسيفيتش عندما بدأ حرب التطهير العرقي في كرواتيا في أواخر عام 1991 لامكن الحفاظ على ارواح نحو ربع مليون من الرجال والنساء والاطفال في كرواتيا والبوسنة وكوسوفو. هذه الاستراتيجية نجح الاعلان الاطلسي في حشد التأييد الدولي الكبير وغير المشروط لحملته العسكرية على يوغسلافيا هذا التأييد الذي جعل كل دول العالم تقريبا باستثناء روسيا والصين وليبيا والعراق وكوبا وكوريا الشمالية تقبل وتؤيد كسر الاطلسي لحواجز الخصوصية القومية لدول ذات سيادة واصدار قرارات بالقبض على رؤساء الدول ومحاكمتهم وهو ما يمكن ان يطول دول اخرى ورؤساء اخرين لا تقل جرائمهم في حق شعوبهم وحق الانسانية عن جرائم ميلوسيفيتش. الاطلسي سيكون قاسيا وان ثمن الخروج عن قواعد النظام الدولي الامريكي سيكون باهظا عسكريا واعلاميا فعلى من تدور الدوائر بعد ميلوسيفيتش؟ استاذ الصحافة الزائر بجامعة الامارات