لم ير في العالم أحد نصراً تحقق للرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش, باستثناء دولة واحدة هي العراق, التي أكدت على الرغم من استسلام الدكتاتور الصربي وخضوعه للأطلسي بشروط مذلة أكثر من أي اتفاقيات سابقة على الحملات الجوية , ان بلغراد انتصرت في كوسوفو, لنعرف أن ما بين بلغراد وبغداد أكثر من مجرد التشابه في الحروف, وان الطيور على أشكالها تقع. وهكذا فقبول خطة السلام الدولية بشأن كوسوفو شكل في رأي صحيفة عراقية رسمية هي (الثورة) (وكل الصحف الرسمية في العراق بما في ذلك صحف المعارضة) انتصاراً لليوغسلاف, لأنهم لم ينصاعوا للشروط الأمريكية كما تريد ادارة كلينتون, وأن الادارة الأمريكية هي التي انصاعت لقبول الحل السياسي. طبعاً أي مراقب سياسي ولو كان خريجاً حديثاً في أي جامعة يحبو خطواته الأولى في السياسة, يعرف أن اليوغسلاف خضعوا صاغرين بأكثر مما خضعوا سابقاً, نتيجة للضربات الجوية المتلاحقة التي دمرت غالب البنية التحتية في يوغسلافيا, لولا أن العراق لا يرى ذلك, فيؤكد أن هناك من يرى السياسة بعين طبعه, والعراق بالنسبة لأمريكا في حالة انتصار دائم من حرب تحرير الكويت المسماة (أم المعارك) الى (ثعلب الصحراء) وما بينهما من مواقع واشتباكات صغيرة متفرقة على مدى سنوات الأزمة, وصولاً الى الانتصار الصربي. الأخطر من ذلك هو استمرار النظرة إلى ما تتعرض له البلدان والشعوب من تدمير وخراب على انه تضحيات لابد منها, فنجد مرة أخرى العراق يعتبر الاضرار التي لحقت بيوغسلافيا من جراء تصلب موقف رئيسها وعنجهيته تضحيات للدفاع عن الاستقلال و السيادة والوحدة والكرامة, حتى والخسائر قدرت بعشرات المليارات من الدولارات, كان يمكن تجنبها تماماً لصالح الشعب اليوغسلافي ومستقبله, لو لم يركب ميلوسيفيتش رأسه ويرفض الحلول السلمية التي منها خطة رامبوييه, ليعود الآن ليقبل ما هو أسوأ منها, بعد تقديمه تنازلات منها الانسحاب من كوسوفو من دون قيد أو شرط. غير أننا لا نأسف على كسر رأس ميلوسيفيتش ومن كان في مستواه وعقله, فكل دكتاتور على الأرض لا يتعلم حتى وشعبه يدفع الثمن غالياً من مستقبله وقوته واستقراره, على النحو الذي رأيناه في أماكن متفرقة من العالم, ليس العراق او يوغسلافيا سوى أمثلة طازجة عنهما, غير أن ما نأسف له فعلاً هو أن ترى دولة عربية في العدوان الصربي على شعب كوسوفو المسلم انتصاراً, فتقدم له التأييد السياسي المعلن وتشيد بالصرب باعتبارهم (شعباً أصيلاً متمسكاً بكرامته واستقلاله لأنه تحمل وصمد في وجه المعتدين) , ولا ترى في شعب كوسوفو الضحية أي عدوان عليه مع ما تعرض له من وحشية على أيدي الصرب, فالجلادون في تحالف مستمر. وبما أن أزمة كوسوفو على وشك الانتهاء, مع رضوخ جلاد يوغسلافيا واستسلامه لخطة السلام الأطلسية, فان آمال الآلاف من الكوسوفيين المشردين في ملاجئ خارجية ومخيمات على الحدود تنتعش بالعودة الى ديارهم, وهو شرط من شروط خطة السلام, لأنه من دون عودة هؤلاء الى كوسوفو يكون ميلوسيفيتش قد نجح فعلاً في تفريغ الاقليم من شعبه, وهو ما يفترض ان يتم حال اتمام الانسحاب العسكري الصربي من الاقليم. أما عن الانتشار الدولي في الاقليم ودخول قوات أطلسية ودولية, فذلك ما كان ليتم لو كان ميلوسيفيتش قد وافق منذ البداية على خطط السلام وجنب بلده الدمار والخراب, أما الآن فعليه بعد انسحابه من الاقليم مواجهة واقع جديد, هو وجود قوات دولية في كوسوفو, يذكر تماماً بخط الفصل في العراق شمالاً وجنوباً واخضاعهما للرقابة الدولية المستمرة, فلا نزيد سوى أن الحماقة داء لا دواء له, وأن الأحمق عدو نفسه.