يذهب المختصون بالشأن الثقافي العربي الى التأكيد على وجود حال من الفزع تتكرر في اطار السياق العام لذلك الخوف الذي يعتري الامة كلما ظهرت ملامح قيم ثقافية للاخر القوي, او كلما لاح في الافق احتمال قدوم وسيطرة ذلك الآخر بثقافته سواء من خلال الابداع المتراكم , او من خلال قوة الاشياء المنتجة نفسها, هنا يتم الاستنجاد بالتراث, وقوفا عند محطات بعينها وأملا في الخروج من الازمات المتتالية. انها محاولة ـ جادة احيانا ـ لإيجاد حلول العاجز عن التكيف مع الحقل العالمي للثقافة, لذلك يصعب تبيان مكانة الثقافة العربية في هذا الحقل دون العودة الى فهم المحيط الخارجي ومدى التأثر, والاكثر من ذلك البحث في اشكالية الثقافة نفسها تأثرا وتأثيرا انجذابا واندفاعا مع ثقافة الآخرين. وتبدو الثقافة العربية مشخصة في مبدعيها مجزأة حسب الدول ولذلك نلحظ القول بإبداع مغربي وآخر مشرقي وثالث خليجي, اضافة الى ذلك فإن هناك ابداعات مرتبطة بالمكان اكثر منها بالانتماء لامة او حتى لجنس بشري له نتاجه الثقافي المتميز, حتى لو تعددت وتنوعت انماطه الثقافية, وبجانب ذلك فإن الاوعية المختلفة للثقافة تتقلص احيانا بمدى قدرتها على استيعاب منتجي المكان, وتتمدد احيانا اخرى حسب التوجه العام لهذه الدولة او تلك لهذا يتعذر البحث في مدى القبول او الرفض للثقافة العربية من طرف الآخرين, وما لم يتم اعادة النظر في قبولنا لها على مستوى الجماعات والشعوب ثم الامة بعد ذلك, ان الامر يبدو صعبا في وهلته الاولى لكنه ضرورة حضارية اذا كنا جادين في الحفاظ على مكان للبقاء او للشراكة او حتى للتعايش او عدم الخروج من التاريخ. الارادة أولا اذن الاشكالية تنطلق منا, ولا تفرضها قيم الثقافة فقط وبمعنى آخر الذي يحركنا هو الدافع الانساني للتميز والبقاء فلا يمكن للثقافة العربية ان تظل مجرد شعارات او اقوال متناثرة, او كلام للاستهلاك او حتى حال من الترف الفكري.. انها قبل ذلك وبعده تعبير عن ارادة الافراد والجماعات والدول والشعوب, فهي الانا والنحن في مواجهة الآخر المختلف ثقافيا, ولهذا لا يمكن فصلها عن جوها العقائدي وعن انتمائها البشري, فبالنسبة للاول اقصد الدين الاسلامي دون نفي للمخالف دينيا داخل المجتمع الواحد اما الثاني فهو العروبة ويندمج الاثنان ـ مع اعترافنا بعلو الدين ـ ليكونا معا, وفي اطار المكان والزمان, الثقافة العربية, تلك الثقافة التي ينتظر ان تكون نابعة من تراكماتها عبر قرون, حتى لو حمل هذا التراكم سلبيات اعتبرها البعض معرقلا او معطلا لتقدم المجتمعات وتطور الحضارات, وهذا لا يعني ان تلك السلبيات نقائص تثبط عزائمنا وانما هي مقارنة مع نقائص الحاضر تعد ضئيلة وارحم بكثير. واضح ان الصراع في بعده العالمي من منطلق حضاري يضعنا الآن في الواجهة ضمن هذا الكم العددي للعالم الاسلامي والعملية مقصودة فالبدء يكون بذلك الكم حيث التشكيك في كل اعماله بما في ذلك الجانب الاخلاقي حتى نبدو متساوين مع سلبيات الحضارة الغربية, فإذا ما تمت المساواة في هذا الجانب, دفعنا الآخر القوي الى التقهقر والى العودة الى الوراء, بل والتسليم بعد ذلك بقدرته على قيادتنا, ونماذج كثيرة في عالمنا الاسلامي تدل على ذلك, ولاشك ان المقصود هو الاسلام, لكن الاسلام من غير العرب لا يمكن ان يشكل عنصر مواجهة قوية دائمة وهذا ليس تفسيرا عرقيا, وانما هي حقائق التاريخ ذلك لان ثقافة المركز حيث البقاع المقدسة في يد العرب, وان التراجع الذي حدث في الماضي كان نتيجة تداخل الشعوب مع الدعوة النيرة للدين. استهداف العرب الاسلام لنا جميعا ـ كل المنتمين اليه عربا كانوا ام غير عربا ـ لكن التأكيد على ضرورة ان تكون الثقافة العربية علامة مميزة للآخرين ومعبرة عن العالم الاسلامي, ضرورة حضارية فمجىء الرسول صلى الله عليه وسلم كان للعالمين لكنه بعث في قريش اولا ثم العرب بعد ذلك, ولهذا فإن حمل الرسالة يرتبط بقوة العرب لانهم الاولى والاقرب لهذا الدين مقارنة بغيرهم والحديث هنا لا يدور حول الايمان والكفر وانما حول الانتماء الحضاري للامة, لذلك يرجع البعض ـ وهم محقون في ذلك ـ ان الصراع مع الغرب على المستوى الحضارى او ما يسمى بصدام الحضارات يبدأ في انطلاقته من العالم الاسلامي المترامي الاطراف لينتهي عند العرب. ويبدو الكلام في الوقت الراهن عن مساهمة الثقافة العربية في الحقل العالمي ضربا من الخيال لدى البعض او نوعا من الوهم وفي ارقى الحالات نوعا من الامل لكن لا يمكن اعتبار هذا الوجود البشري مهما تعددت مشكلاته وتنوعت, غير مرتبط بالثقافة, اننا نتواجد من خلالها وبها نسمى العرب, واذا كان الرفض الغربي لهذه الثقافة ينطلق من البعد الجغرافي لمحاولة ابعادنا عنها حتى نصبح تبعا, فإن كثيرا منا يعون اللعبة الغربية في المنطقة, وهي تبدو للمتتبع جلية فيها وبها ومن خلالها يمكن لنا تجاوز سواد هذا الواقع الذي يفرض علينا يوميا بكل وسائل القوة ومحاولة اقناعنا بأن ما يحدث لنا هو ضعف في الثقافة نفسها والخروج من المأزق من الضروري التخلي عن الثقافة نفسها, وبالذات عالم القيم. الواقع ان الغرب يعيش وعيا مزيفا لاعتقاده بأن الامة العربية يمكن ان تتراجع عن قيمها, ما دامت تلك القيم مرفوضة على المستوى العالمي, ذلك انه من الممكن حدوث تراجع على مستوى جماعات بعينها او حتى دولة ما, ولكن لا يمكن ان يتم التخلي بشكل مطلق عن السلاح الوحيد الذي تملكه هذه الامة ويرتبط اساسا بثقافة السماء ـ ان جاز التعبير ـ واعتقد ان الخبراء الغربيين المهتمين بشؤون الوطن العربي يدركون صعوبة تخلي العرب عن تراثهم ليس هذا فقط بل عدم الاعتراف بالهزيمة. تلك هي اهم مشكلة تواجه الغرب في تعامله مع الوطن العربي ولذا لجأ الى تفتيته من منظور ثقافي وسياسي الى تأكيد انتمائه الى المكان اكثر منه الى الامة, مثال ذلك: القول بوجود (عرب آسيا) و(غرب افريقيا) في الماضي ووجود دول الشرق الاوسط او دول الطوق ودول شمال افريقيا ودول الخليج في الحاضر ليس هذا فقط بل ترك دول عربية اخرى دون تسمية تحضيرا لابعادها عن محيطها العربي اولا, ثم تفتيتها في مرحلة لاحقة مثلما يحدث الآن في الصومال, وجزر القمر, والسودان.. الخ. افتراض الهزيمة اذن فالصراع مع الغرب هو الذي يحدد موقع الثقافة العربية, سواء من خلال عدم الاعتراف بهزيمة الامة رغم الحروب التي اجبرت عليها, وايضا رغم تجمع كل قوى الشر ضدها من جهة, او من خلال انتاج قيم ثقافية تعبر عن العزة والانتصار من جهة اخرى حتى ان بعض المحللين يذهب الى القول, هناك انزعاج وقلق من الدول الغربية سببه عدم قبول الامة العربية بالهزيمة من الآخر وقيامها بعدة حروب بهدف استرجاع كرامتها. والواقع ان الانزعاج السابق ليس سببه ما ذكر فحسب, وانما هناك عامل آخر قوي هو تلك الصورة التي حفظت في ذاكرة الامة, مركزة على انتصاراتها وليس على انهزامها, وبمعنى آخر هو ذلك التشبع الثقافي بروح الانتصار حتى في لحظات الهزيمة, وهناك الكثير من الامثلة فلو سلم العرب بالهزائم ما استطاعوا تحرير اراضيهم ولا تمكنوا من فرض واقع بعينه, صحيح اننا في حال من الضعف لا مثل لها, لكننا في الوقت ذاته لم نيأس من مواصلة الطريق, وقد كانت حالتنا اصعب في بداية هذا القرن, مهما توجه من انتقادات لزمننا الراهن. واضح انه من الصعب الفصل بين الانتماء والشعور بعزة الانتماء للامة العربية وبين قوة او ضعف الثقافة العربية, سواء في محيطها الداخلي او في مواجهة الثقافات الاخرى, اي ان المسألة كما ذكرت من البداية تتعلق بإرادات الافراد, وتبدو الارادة العربية في شكلها الجماعي الآن مهزوزة, بل في بعض المواقف والمواطن منهزمة, لكن مع ذلك كله هناك ملامح تغير ملحوظ على عدة اصعدة مثل : الحريات العامة والخاصة, حرية التعبير, تطور المنظومة القانونية, التعددية الحزبية, الممارسة الديمقراطية, حقوق الانسان, تكاثر وتعدد جماعات المجتمع المدني, فاعلية المرأة ودورها.. الخ. والملامح السابقة الذكر ترتبط بتطور الثقافة العربية وتداعياتها واذا كانت في الوقت الراهن لا تزال تواجه نقصا في الممارسة ووعيا بالذات والتاريخ فإنها لا شك ستحقق ذلك مستقبلا, والامر هنا ليس بأمانينا في الانتصار والعودة ثانية, ولا بأماني الآخرين في تراجعنا وتقهقرنا, ولكن بإرادتنا الثقافية, رغم ارادتهم الرافضة. فإما ان يتقبلوا مشاركتنا او على الاقل حفاظنا على وجودنا, او يتحملوا صراع الحضارات بعيدا عن محيطنا الثقافي, وقد بدأوه بالفعل في مناطق عدة من العالم, وقد يكون هذا الكلام خطاب الاقوياء لكن ايماننا بديننا وعروبتنا هما اللذان يحددان مصير الثقافة العربية.