هل تعني الهوية الثقافية للأمة شيئا آخر غير جماع شخصيتها على المستوى العام؟ وهل يمكن ان تتحدد شخصية الأمة بغير هويتها الثقافية التي هي جزء لا يتجزأ من الكيان النفسي العام للجماهير.فتنشئة الانسان منذ طفولته المبكرة في صياغة حضارية معينة, هي دائما محصلة سباق حضاري يلتقي فيه شقان حضاريان: شق موروث, وشق مكتسب . واذا كان من أبرز ما يسم ثقافة أمتنا العربية وحضارتها الحياتية قيم الدين, فإن هذا الجسم هو العنصر الأكثر قدرة على اقامة التوازن ودوام الثبوت الحيوي في جوهر هذه الشخصية وفي حقيقتها, والحفاظ على هويتها وحيويتها. وعنصر الدين الذي هو عنصر أصيل في جوهر هذه الحضارة وفي عراقتها, كان دائما بالاضافة الى تراثها العريق وثقافتها الاصيلة, الدرع الواقي الذي ظلت الأمة من خلال التفاعل الحياتي الجدلي الحي, تحمي به شخصيتها من عواقب وآثار الانسلاخ من هويتها الثقافية القومية على مدى حقب الغزو والانحطاط التي حاقت بهذه الأمة فترات طويلة عبر حياتها. ومن المعروف في التاريخ البشري ان الثقافة والحضارة الفاعلتين أظهر أثرا في حياة الأمم. وأمام عصر الانفتاح الكوني الذي نعيشه, والذي يدعو الى تهميش الثقافات المحلية والى هيمنة ثقافات الاقطاب الاقتصادية الكبرى, تواجه الثقافة العربية تحديا كبيرا. صحيح ان ثقافتنا العربية لديها من عوامل الاصالة والخصوصية والامتداد ما يؤهلها للصمود والتحدي. واذا كانت الأمة العربية قد بلغت في حالتها الراهنة حدا كبيرا من الانحدار والتهميش فليس أمامها الا التغيير الذي تقع مسؤوليته على عاتق الادباء والمثقفين, وهم نبض الحياة الباقي في هذه الأمة لمواجهة المحاولات المتكررة التي تتعرض فيها ثقافتنا للتهميش عن طريق التجاهل لدورها الحضاري في اطار ما يسمى بصدام الحضارات. حيث يرى البعض ان لقاء العالم القديم بالعالم الجديد هو اساسا لقاء بين العالمين الاوروبي والامريكي, متجاهلين ان اللقاء كان أصلا بين ثقافات العالمين القديم والجديد, وان الثقافة العربية كانت ومازالت جزءا رئيسيا فاعلا في ثقافة العالم القديم, حملها العربي في عصور سابقة الى مجتمعات في مشارق الأرض ومغاربها, حيث نمت حلقات الصلات الحضارية بين العرب والغرب أولا في الاندلس, وثانيا في أفواج المهاجرين العرب الى أمريكا: الذين أصبحوا اليوم من أهم عناصر مكونات الشعب الامريكي اللاتيني, وهم يمثلون الآن حلقة صلة اخرى بين عالمنا العربي والعالم الامريكي. ومن الأهمية اجراء المزيد من البحث عن تاريخ هذا التواجد العربي ومؤثراته لتشكل منطلقا لمواجهة محاولات تهميش ثقافتنا في اطار المتغيرات العالمية المستجدة, والعمل على تحديد هويتنا الثقافية, فخطاب الهوية يتفاوت في خصوصياته من موقع لآخر, فلنا خصوصياتنا التي علينا ان نبرزها أمام الآخر الغربي. فخطاب الهوية خطاب مشروع لا يتنافى مع خطاب العالمية, فالحضارة عالمية والثقافة خصوصية, وبامكاننا الحديث اذن عن مجموعة من الهويات وليست هوية واحدة. والتواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل, والتعبير عن تطلعات عربية اجتماعية مشتركة تجسد هوية الأمة مع الحفاظ على الاصالة والقيم الايجابية في الذات العربية والحضارة العربية. أوضاع الثقافة العربية الثقافة العربية الآن تحمل بصمات أوضاع التخلف والتبعية وتخضع لضغوط الهيمنة الغربية على كل المستويات... وبالتالي فإن جانبا كبيرا من الثقافة العربية استهلاكي يعتمد التقليد والاجترار والسطحية على مستوى الأفكار والقيم, ويتحاشى النقد الجريء والتحليل المتعمق والنقاش الصريح, كما يلتزم الحذر والخجل في طرح معالم الخصوصية وعناصر الأصالة, وبالتالي فهو قاصر بذاته وعاجز بفعل عقمه عن مواجهة الآخر. يُمارس عليه تحديا ثقافيا تفرضه عوامل نزع هويات مجتمعات الجنوب, والحاقها بمعايير كونية في شكلها وأمريكية في جوهرها, وهو ما يسمى (الاختراق الثقافي) الذي يجرى تعميقه من خلال الفضائيات والأقمار الصناعية. وثقافة الاختزان تلك تقوم أساسا بنفي الثقافات الأخرى غير الممتثلة لها, أو التغلغل في نسيج مجتمعها واعادة صياغة قيمها وتسفيه القيم النضالية والتشكيك بقدرة الثقافات المحلية. على أية حال, لن نكون مبالغين اذا ما صنفنا هذه الظاهرة تدخل في سياق (الغزو الثقافي) وهي كأية استراتيجية كبرى تستند الى مرتكزات يفترض صانعوها انها ستوصل الى تحقيق أهداف وغايات محددة في اطار مشروع متعدد الأوجه ومتكامل الابعاد. ومن المؤسف ان مرامي هذه الاستراتيجية الثقافية غير واضحة في أذهان نسبة هامة من المثقفين العرب, فهناك خلط بين مجموعة من المصطلحات المتداولة في هذا المجال مثل (المثاقفة) و(التلاقح الثقافي) و(التثقيف) . ويبقى في كل الحالات ما يجري اليوم في واقع ثقافتنا عبارة عن عملية موجهة تهدف الى تعديل ثقافة مجتمعاتنا (الضعيفة) تعديلا شديدا لتتمثل ثقافة المجتمع الأقوى وقيمه ورؤيته ومفاهيمه, وان مسار ما يسمى بالمثاقفة أو التفاعل الثقافي, إنما يجري من خلال محاولات منظمة, وشمولية للاحاطة والحصار أو الاستيعاب والهضم, وأخيرا التدمير والغناء. وهذه هي حقيقة ما يجري اليوم تحت عنوان (الحوار بين الثقافات) وضرورات الانفتاح في نطاق ما يطلق عليه اسم (عالمية الثقافة الامريكية) وقيمها الاستعلائية المستندة الى القوة والقمع والهيمنة. ان مشروع (التقنية الشمولية) التي تلتهم المسافات المكانية والخصوصيات القومية والثقافية, يشكل محورا خطيرا في ميدان العلم والتقانة والثقافة, خاصة وان ثقافتنا العربية تقف على عتبة مرحلة خطيرة تجابه ما يشبه الزلزال الذي يهز منظومة قيمنا الثقافية العربية التي هي درعنا الوحيد في حماية وجودنا ذاته, فواقعها المؤلم المتخبط والعقيم احيانا يحمل في طياته أخطارا جسيمة وتحولات قد لا تكون سارة تحت وطأة الغزو الثقافي والصراع الحضاري, الأمر الذي يستدعي بالضرورة تفكيرا معمقا لوضع اساسيات المواجهة مع كل قنوات الغزو الخارجي. ازمة الانشطارات التواصل والحوار الثقافي يعني عملية اللقاء بين ثقافتين متميزتين تسعى كل منهما الى التفاعل مع الاخرين في عملية تبادل وعطاء وتواصل دون ان يؤثر ذلك على خصوصية اي منهما. ولكن مايحدث فعلا هو الالحاح على ان نفقد قدرتنا على تمثل القيم الخارجية والقدرة على المحافظة على قيمنا امام هذه الثقافة الخارجية وبذلك فقدنا مشروعية وجودنا واخذت ثقافتنا العربية تعاني من ازمة قيم متمثلة في الانشطارات الثقافية المتواصلة والناجمة عن الصراع بين قيم الماضي والحاضر, والصراع بين قيم الثقافة التقليدية وقيم الثقافة المعاصرة. ماينجم عن هذا الصراع من عجز الثقافة العربية عن احتواء القيم الجديدة والتي ولدتها الثورات العلمية والتكنولوجية المتقدمة على المستويات كافة, الى جانب مواجهة الثقافة العربية لتحديات الثقافات المعادية التي تستهدف قيم الوجود العربي واصالته وتسعى الى تذويب الثقافة العربية وصهرها, بدلا من ان تتأثر بها وتؤثر ضمن منظومة عالمية تجانسية تقوم على احترام حضارة الاخر لا صدامها والاستهزاء بها والعمل على تهميشها كما هو الحال في الوقت الراهن. صحيح اننا الان ومع اطلالة القرن الحادي والعشرين لايمكننا عزل انفسنا عن التواصل الثقافي والعالم يتحول الى بيئة الكترونية معلوماتية نحن ضمنها نتأثر بها, ان قدرتنا على تذويب حجم الاختراق الثقافي واستقبال المؤثرات الثقافية تكمن في مدى قدرتنا على التمرس في استخدام اسلحتنا الثقافية, وفي استنهاض روح الشرق وابراز مالدينا في تراثنا وتاريخنا وحضارتنا من قيم تحقق لنا المنعة والامن الثقافي والتسلح بثقافة قومية واعية وقوية. ان الخروج من هذا المأزق الثقافي لايكون الا بعد مؤتمر قمة ثقافي عربي, مع التحضير لاقرار استراتيجية ثقافية عربية تستهدف الخطوات التالية: ــ التأكيد على التراث الحضاري العربي والاسلامي معينا اساسيا ونبعا اصيلا في تطوير الثقافة العربية المعاصرة وتنميتها والحفاظ على تمايزها ــ تحقيق الذات العربية في اطار تناغم الثقافات المعاصرة مع الثقافة العربية الاسلامية وبما يخدم نهضة فكرية عربية شاملة تكون قادرة على مواكبة التقدم العلمي والتكنولوجي وعلى خلق مؤسسات تقوم على اساس شعار مصلحة المجتمع فوق الجميع. ــ عصرنة الثقافة العربية اي تنقيتها من الدخيل الذي شوه بعض وبنودها كماينبغي تحديد الثوابت والمتغيرات في هذه الثقافة لتطويرها دون الانغلاق عن العناصر الانسانية في الثقافات الاخرى شرط ان يكون ميزان التفاعل بين الثقافة العربية والثقافات الاخرى هو الحفاظ على الهوية الثقافية من ناحية وتعبئة عناصر التنمية من ناحية اخرى التأكيد دور الثقافة العربية مع احتدام حوار الحضارات حتى لاتختلف الثقافة العربية عن هذا الرهان الحضاري الثقافي. دور المثقفين المثقفون سدنة الثقافة وحملة مشعلها, على عاتقهم تقع مسؤولية الحفاظ على الثقافة وصيانة قيمتها الروحية والمعنوية لبناء مفاهيم التكامل الثقافي على اساس من احترام الاخر وثقافته والعمل على صياغة شكل العلاقات الدولية الجديدة على اسس من التكافؤ والتعاون والمواقف البناءة, والاسهام الفعال في صنع حضارة اليوم واحترام خصوصية الثقافات وصيانة المقدسات, والعمل على التغيير الثقافي, على ان يحافظوا في ذلك كله على خصوصيتنا وعمقنا وفضائنا الثقافي والفكري والحضاري, وان يتأهبوا للمساهمة الجادة في رسم نظام عالمي ثقافي جديد, يقوم على احترام مبادىء عقد التنمية الثقافية ومراعاة البعد الثقافي للتنمية وتأكيد الهوية الثقافية واثرائها وتوسيع نطاق المشاركة في الحياة الثقافية وتعزيز التعاون الثقافي الدولي. فنحن امة حية دخلت التاريخ في خضم نهوضها ولم تقو كل الحملات الشرسة على محو ملامح شخصيتنا القومية الثقافية المتفردة وان كانت رياح مايجري في العالم من صراعات وتغيرات تهب علينا وتحمل ماتحمله فإن تبصر الواقع يقتضي الكثير من التأني والفرز والمواجهة وجدولة الاولويات, والبحث داخل الذات العربية عما يحبطها فعلا ويعجزها عن النمو والتحقق لأن أملنا كبير بقدراتنا الابداعية الخلاقة وفكرنا الغني بالثقافة القوية المنيعة, وبأصالتنا المتجذرة في التاريخ ونوافذنا المشروعة دوما للتفاعل مع ثقافات الشعوب التي تؤمن بالعيش الانساني والحوار الحضاري المتكافىء. في هذا الوقت بالذات فإن الامة العربية وفئتنا المثقفة مطالبة اكثر من اي وقت مضى برسم مشروع نهضوي عربي ينبع من التراث والتاريخ والمعطيات المعاصرة. صحفية سورية مقيمة في باريس