حينما يشترك صندوق النقد العربي والصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي في اقامة ندوة او اصدار كتاب فإن النتيجة الجيدة والاداء المتميز والخبرة المضمونة تكون في المستوى المأمول ذلك ان هاتين المؤسستين تعتبران دعامتين للاقتصاد العربي ولكن ايضا للمجتمعات العربية بفضل الرعاية الخبيرة التي توليها المؤسستان للآثار الاجتماعية واحيانا الثقافية والتربوية لكل حركات التصحيح الاقتصادي التي نعيشها في العالم العربي مهما كانت مفروضة من مؤسسات النقد الدولي او تقتضيها المعطيات العالمية الجديدة, او تتطلبها التنمية الداخلية لاي اقتصاد لاية دولة عربية. وبهذه الروح نطالع هذه الايام كتابا قيما صادرا عن هاتين المؤسستين بعنوان (الاثار الاجتماعية للتصحيح الاقتصادي في الدول العربية) ينطلق من ندوة عربية انعقدت عام 1996 في ابوظبي تحت نفس الموضوع وجاء الكتاب في 350 صفحة يعالج معظم محاور الندوة لكنه يحللها ويضيف لها جداول ومعلومات تفيد كل دارسي علم الاقتصاد والباحثين في مشاكل العالم العربي في المجال الاقتصادي والاجتماعي. ومن الطبيعي ان يتطرق الكتاب قبل معالجة الاثار الاجتماعية للتصحيح الى جملة من القضايا المطروحة على صعيد الاقتصادات العربية ومنها: مسائل الخصخصة والتصحيح الهيكلي وسياسات الاستثمار والتجارة الخارجية وافاق التنمية العربية في هذا المزيج الاخير من القرن العشرين ثم السياسات المالية واسواق المال واخيرا علاقات العرب مع المنظمة العالمية للتجارة بعد ان عوضت هذه المؤسسة العالمية امها (الجات) (المنظمة الدولية للانفاق حول الجمارك والتجارة). وقد وضع الكتاب على رأس الاولويات للاقتصادات العربية موضوع تمنية الموارد البشرية وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين, وهو ما يعتبر هدفا اساسيا للتنمية وفي ذلك مايدعم عملية التنمية بأسرها حين يتوفر القبول الشعبي لجهود التصحيح والذي يعتبر شرطا ضروريا لاستمراريتها ونجاحها يقول د.جاسم المناعي المدير العام ورئيس مجلس ادارة صندوق النقد العربي: ان الجوانب الاجتماعية لبرامج الاصلاح الاقتصادي امر في غاية الحساسية حيث ان المؤشرات الاجتماعية في الدول العربية تعكس معاناة ملحوظة لفئات كبيرة من السكان سواء تعلق الامر بمستوى الصحة والتعليم او بمستوى الدخل والمعيشة او بمستوى معدلات البطالة والتضخم.. هكذا يقدم د.جاسم المناعي لموضوع الكتاب ثم تمضي الدراسات في تحليل سلامة قياس التنمية العربية لا على ضوء ارقام ومعدلات وموازين تقدمها عادة الدول العربية ذاتها, بل على ضوء اخر اكثر صحة هو ضوء المؤشرات الاجتماعية, وهو المعيار الاحدث ويتمثل في معرفة دقيقة وموضوعية لطاقة العائلة الشرائية ونمو قدرتها الاستهلاكية واحتفاظ افرادها بشغلهم ومستوى علاجهم الصحي ومستوى تأمين التعليم لابنائهم وطريقة توفير السكن الصالح لهم بل وحتى امكانية توفير الثقافة والمكتبة والرياضة وشغل اوقات الفراغ بالنسبة لكل المواطنين. هذه هي المؤشرات الحقيقية الصادقة لمعرفة مدى نجاح او اخفاق اي اصلاح هيكلي على المجتمع, لانه تبين ميدانيا بأن بعض السياسات والاجراءات تنتج عنها تكاليف اجتماعية مرتفعة في بعض الحالات تظهرعلى الاقل في المرحلة الانتقالية التي قد تمتد قبل ظهور النتائج الايجابية المتوقعة للاصلاحات. فكم من عملية هدفت الى اعادة استقرار الاقتصاد نجمت عنها اثار سلبية عاجلة تمثلت في هبوط الطاقة الشرائية وانخفاض في الاجور واستغناء عن عدد من العمال والموظفين والمهندسين بدعوى خفض عجز الموازنات واحتواء عجز ميزان المدفوعات وتحقيق نوع من الاستقرار في اسعار الصرف او تحسين قوانين تشجيع الاستثمار او معالجة الاختلالات في ازمات الانتاج وسوء التصدير اي كل ماثبت ان فيه انعكاسا سريعا وسيئا على الحياة الاجتماعية. وقد لخص احد محرري الكتاب الاستاذ جلال امين في ورقته كل هذه المحاور تقريبا بطريقة طرح الاسئلة التالية: * الى اي مدى يمكن ان تؤدي اجراءات الغاء الدعم الممنوح لبعض السلع الى الاضرار بالفقراء مادام الفقراء هم المستفيدون الاساسيون من الانفاق العام؟ * الى اي مدى يمكن ان يؤدي تخفيض سعر الصرف الى زيادة اسعار بعض السلع والخدمات الاساسية؟ * الى اي مدى يمكن ان يؤدي رفع اسعار الفائدة الى تخفيض بعض انواع الاستثمار التي لايستطيع اصحابها دفع اسعار فائدة مرتفعة؟ * الى اي مدى يمكن ان يؤدي تحرير (التجارة الخارجية الى زيادة حجم البطالة عن طريق احلال الواردات محل المنتجات الوطنية؟ * الى اي مدى تؤذي الخصخصة ميدان العمالة الوطنية. ولعل القارىء فهم من خلال هذا العرض للكتاب ان القضايا المطروحة فيه هي قضايا سياسية بالدرجة الاولى بحيث تضع المعادلة او المفارقة بين التنمية الاقتصادية وبين نمو الفقر اي ان الجدلية صعبة للتوفيق في عالمنا العربي بين الغايات النظرية للاصلاحات الاقتصادية المعلنة وبين اثارها الاجتماعية وفي الاخر السياسية التي تزعزع من استقرار الدول العربية وتفت من سواع بعض قادتها بسبب سوء التقدير او سوء الحساب او سوء التخطيط. ثم يأتي الخطر الاكبر المهدد لا لاقتصادات الدول العربية فحسب بل لاستقلال قرارها حين تعالج هذه الاختلالات بالمزيد من الديون اي باختيار حلول رهن مستقبل اجيالها للخارج. وهنا يصعب علينا الثقة في بعض مخططينا العرب. * استاذ الاعلام بجامعة قطر