يثير منظر الزعيم الكردي عبدالله اوجلان وهو جالس في قفصه الزجاجي داخل محكمة امن الدولة التركية بجزيرة ايمرالي مشاعر متضاربة.وفي اطار هذه المشاعر تتضارب التوصيفات وتتناقض.فهو من جهة مناضل وثائر من اجل قضية شعبه, كما يقول مناصروه وهو من الجهة الاخرى ارهابي يسعى لتقسيم تركيا كما يصر اعداؤه الاتراك . وهو في نظر الاولين اسير حرب جرى اسره في ساحة المعركة بعد ان حاصره اعداؤه وهو في نظر الآخرين مطلوب للعدالة اعتقل بعد مطاردة مضنية. ففي اي جانب تقف الحقيقة واي الاوصاف يصدق او ينطبق على اوجلان وصف المناضل ام وصف الارهابي؟ ربما لم يكن مثل هذا الجدل ليثار اصلا قبل عقد من الزمن حين كانت الحرب الباردة لم تضع اوزارها بعد. فقد كان الفرز والتصنيف امرا سهلا ومتيسرا على الدوام, فهناك ثوار ومناضلون (على اختلاف القضايا والاحزاب التي يتحركون في اطارها) وفي المقابل هناك جلادون او سلطات قمعية وايضا على اختلاف الارضيات التي يقفون عليها. صحيح ان هذه التعاريف خضعت وتخضع بدورها الى عملية ادلجة واختزال بعيدين. لكن كان بمقدور من يشاء على الاقل ان يلمح الكثير من الخيوط الفاصلة بين هذه التعاريف وان يحدد بدون عناء على اي جانب يقف. كان ثمة وضوح في المواقف والانتماءات والتعابير وهويات الشخوص. اليوم تبدو الصورة ملتبسة الى حد كبير. واذا جاز لنا ان نستعيد من الذاكرة القريبة قضية الفنزويلي ايليتش راميريز سانشيز الملقب بكارلوس وهي تشبه من بعض وجوهها قضية اوجلان فإننا سنلاحظ الانقلاب الكبير في المفاهيم والمواقف. فكارلوس الذي سلمته السلطات السودانية لفرنسا قبل بضع سنوات في اطار صفقة لم يكن في واقع الامر اكثر من مقاتل رأى من واجبه مقاتلة اسرائيل, بعد ان اقتنع بعدالة القضية الفلسطينية. ولا تزال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي عمل كارلوس في صفوفها قائمة مثلما لا يزال زعيمها التاريخي جورج حبش حيا يرزق. ومع ذلك فإن مصير كارلوس اصبح مثل صفحة طويت لم يهتم احد بالتفاصيل التي احتوت عليها. بل سارع الكثيرون الى نفض ايديهم والابتعاد عنه, شأنهم في ذلك شأن اعدائه الذين حاربهم وحاربوه. والاهم ان احدا لم يتوقف كثيرا لتصحيح (او الاصرار على تصحيح) الصفة الجديدة التي اطلقت على كارلوس وهي صفة (الارهاب) . بل تقبل الكثيرون هذه الصفة وتعاملوا معها وكأنها امر طبيعي مقرين بذلك بصحتها وغير عابئين بما تنطوي عليه من ابعاد ودلالات. بالطبع تظل قضية اوجلان مختلفة الى حد كبير عن قضية كارلوس. فالاول زعيم لحركة مسلحة تنادي او كانت تنادي بإنشاء وطن قومي مستقل للاكراد في الاجزاء الشرقية والجنوبية لتركيا قبل ان تنتهي الى قبول مطلب الحكم الذاتي والحقوق الثقافية, ومن ثم فهي قضية تحرر وطني ومناهضة لاحتلال. اما كارلوس فهو مجرد مقاتل في صفوف حركة ثورية تحررية تبعد آلاف الاميال عن منطقته وبلده. غير ان الزمن الذي قذف بكارلوس الى السجن في فرنسا, هو نفسه الزمن الذي يضع اوجلان اليوم في القفص الزجاجي امام القضاة الاتراك. انه زمن ما بعد الحرب الباردة وسيطرة الولايات المتحدة على مقدرات العالم. الامر المثير هنا ان اوجلان وبشكل غير متوقع, ادلى بتصريحات من سجنه اعتبرت مكاسب تركية اضافية, لم تتمكن انقرة من الظفر بها طوال مواجهتها الطويلة والمريرة مع الاكراد. حيث ابدى ندمه على مرحلة الكفاح المسلح وقدم اعتذاره لاسر شهداء الجيش التركي الذين سقطوا في المعارك مع مقاتلي حزبه. وفي هذه التصريحات عبر اوجلان ايضا عن رغبته بالعمل في خدمة الدولة التركية (التي حاربها اكثر من 15 عاما ) وطالب باعطائه مهلة زمنية مدتها ثلاثة اشهر لانهاء الكفاح الكردي المسلح. وقال فيما يشبه طلب العفو والاسترحام بعدم تطبيق حكم الاعدام عليه, انه يستطيع تحقيق السلام في تركيا والحفاظ على وحدة اراضيها في حال ابقت المحكمة على حياته. ان اوجلان هنا حتى وان كان يسعى لانقاذ رأسه فقد زكي ضمنيا ما كان يقوله الاتراك عنه وعن حركته بوصفهما ارهابيين. واكثر من هذا فإن اعتذاراته وندمه انما هي شهادة ادانة للنضال الكردي المسلح ضد الدولة الكردية. وهو ما لم يفعله كارلوس مع معتقليه الفرنسيين. ان الامر الذي نحن بصدده هنا هو بالضبط حالة الانكسار هذه وانقلاب المفاهيم تحت ضغط تبدل الظروف وتغير موازين القوى العالمية. كيف يتسنى مثلا ان يتحول عمل من اعمال مناهضة الاحتلال الاجنبي الى عمل ارهابي او اجرام تجند في مواجهته اجهزة مخابرات ودبلوماسية على نطاق اقليمي ودولي. وكيف يتسنى ان تتحول الدولة المحتلة والمضطهدة الى ضحية تستحق التعاطف والمساندة في افضل الاحوال او تكافأ بالتسامح وغض النظر عن اعمالها في اسوأ الاحوال. واذا كان الفلسطينيون قد تخلوا عن الكفاح المسلح وحيل بينهم وبين من تبقى منهم مؤيدا له, وفي حين اخذت القضية الفلسطينية مجرى آخر ـ طريق التسوية السياسية والمفاوضات مع اسرائيل. وبالتالي يصبح مفهوما ما حدث لكارلوس وامثاله الذين ضاقت بهم الدنيا على رحابتها, ولم يجدوا في ساعة الضيق من هو مستعد لمد يد المساعدة. فإن القضية الكردية لا تزال حية او بالاحرى لم يجر حلها او المباشرة في ذلك على اي نحو من الانحاء. وهي تستمد حتى اليوم مضامينها التحررية من امتناع الدولة التركية عن الاقرار بالحقوق القومية والثقافية للاكراد. ومع ذلك فإن مصير اوجلان في الحسبة النهائية والجوهرية, لا يختلف كثيرا عن مصير كارلوس. وهناك اصرار من جانب القوى العالمية التي انتصرت في معركة الحرب الباردة, على طي صفحة النضال المسلح والمقاومة سيما المرتبطة بالحركات ذات الطابع اليساري خصوصا والمعادي للغرب بصورة عامة, وبصرف النظر عن طبيعة القضية المطروحة سواء كانت قضية استعمار او احتلال او ما شابه. انها حرب اخرى ولكنها هذه المرة على ما تبقى من اشلاء واصداء مرحلة صراع القطبين الأعظم. حرب لتغيير وجهة النزاعات بين الحركات المسلحة والانظمة المقابلة لها وجهة تلبي شروط ومعايير (النظام الامريكي الجديد) . وحرب كهذه باتت مضمونة النتائج تقريبا ومعروف مآلها سلفا. فيحاكم كارلوس ويسجن بتهمة الارهاب بينما يتمتع اعداؤه من الاسرائيليين بالحرية وبالتعاطف العالمي وبعضهم يصل الى السلطة دون ان يحاسبهم احد على اعمالهم تجاه الشعب الفلسطيني. ويعتقل اوجلان ويحاكم على قتاله الجيش التركي بينما يقف جنرالات هذا الجيش يتباهون امام عدسات التصوير, دون ان يتذكروا او يذكرهم احد بعشرات الآلاف من الضحايا الذين سقطوا في الجانب التركي. لو كان العصر عصر انصاف حقا, لوقف الطرفان المتحاربان على قدم المساواة امام القضاة فيواجه كل بضحاياه وبما ارتكبه من اعمال ولاطلقت الصفات نفسها على كلا المتحاربين. لكن لأنه لا يعقل ان يتساوى المنتصر مع المهزوم, ايا كانت دوافع هذا الاخير وايا كانت عدالة القضية التي يدافع عنها, فإن المهزوم هو الذي يتحمل وحده اتعاب المعركة. وهذا ما استوعبه اوجلان ولكن متأخرا وبشكل رديء في حين قبل كارلوس مواجهة المصير الذي آل اليه.