انهم على استعداد لتقديم اي شيء سواء على مستوى الخبرة التقنية او المختبرات المعملية ، لقاء حفنات من الدولارات من اجل تجهيز المخدرات المزروعة, وايضا من اجل تزويد الاسواق بالمخدرات التخليقية المصنعة، ولان المخدرات اصبحت شأنا من شؤون السياسة على نحو ما عرضناه في حديثين سابقين , كان من الطبيعي ان تختلط غائلة المخدرات من حيث انتاجها وتهريبها وترويجها ومن ثم تعاطيها ـ بكارثة الصراع الداخلي او الحروب الاهلية والنزاعات الاقليمية المسلحة في بقاع شتى من العالم. لقد ادت نهاية الحرب الباردة الى شظايا من الحروب المحدودة والنزاعات الداخلية المسلحة اضافة الى الصراعات الاقليمية التي اشتعلت نيرانها بين الدول والكيانات القومية التي جاءت لتضيف الى عشرات من الحروب المحلية والاقليمية التي كان يعانيها عالمنا وهكذا شهدنا ومازلنا نشاهد اشتعال هذه النوعية من الاشتباكات الكثيفة المسلحة في مناطق مثل انجولا ورواندا وسيراليون والكونغو في افريقيا, وفي منطقة البلقان على نحو ما نعايشه حاليا في وسط اوروبا وعن اقصى الحافة الاوروبية الى الشرق ومن خلفها مناطق القوقاز وآسيا الوسطى التي كانت داخلة ـ كما هو معروف ـ ضمن الهيمنة الامبريالية السوفييتية.. دع عنك النزاع الداخلي المزمن في بلد منكوب مثل افغانستان.. وقد قيض له ان يكون آخر محاور النزاع والتنافس بين القطب السوفييتي ـ الروسي الذي كان وبين القطب الامريكي الكائن الذي استمر واستشرى بعد ان كانت افغانستان آخر معارك الحرب الباردة التي ما ان وضعت اوزارها بين القطبين حتى اسلمت الى نزاعات داخلية وصراعات حدودية وانفجارات شعوبية قبلية وعشائرية وعرقية راح ضحيتها الآلاف, بل الملايين من البشر ما بين رواندا والبوسنة وكوسوفو وبلاد الافغان. لم يكن صدفة اذن ان تأتي كل هذه المتغيرات العنيفة ذات الطابع الدموي لتساهم بدورها في تغيير طابع منظومة المخدرات وآليات حركتها على الصعيد الدولي. عامل الردع النووي لقد ادى ميزان الرعب النووي الى نشوء عامل ردع يحظر على القوى الكبرى الحائزة للاسلحة النووية ان تدخل في صراعات مباشرة ومفتوحة ومتسعة النطاق.. ففي هذا الاطار, كان كل طرف عضو في النادي الذري يعرف مسبقا, وبيقين جسامة المحرقة النووية ومدى فداحة الاخطار والخسائر الرهيبة الناجمة عنها في حال اشتعالها بالنسبة لارواح البشر ومرافق البنى الاساسية وصروح الحضارة بشكل عام. هنالك لجأت الاطراق الكبرى النووية بالذات, الى ادامة الصراعات واساليب ممارستها لتكون محصورة على الصعد المحلية او الاقليمية المناطقية على اقصى تقدير وتحول الصراع الدولي او فلنقل العولمي او الكوكبي من صراع بالاصالة الى صراع بالوكالة في ظل منطق الحرب المحدودة الذي سبق الى التبشير به روبرت مكنمارا وزير الدفاع الامريكي الاسبق, وفي الحروب المحدودة اكثر من فائدة تجنيها احتكارات انتاج السلاح ومعها دوائر النفوذ السياسي ومخطط المصالح الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية في الاقطار النووية الواسعة النفوذ على صعيد العالم. وفي كل حال, ظلت الحروب الاهلية والاقليمية المحدودة تشتعل على مستوى دول وشعوب العالم الثالث تكاد تحركها من خلف ستار سميك او حتى شفاف اصابع الدول الكبرى, وزاد من اتساع نطاقها وارتفاع سخونتها ذلك الفراغ العقائدي او فلنقل ذلك التخليط الفكري والحيرة الايديولوجية وهي عوامل نجمت بعد انهيار الماركسية على مستوى النظرية والنموذج السوفييتي والشرق اوروبي. هكذا وجد عالم التسعينات نفسه وسط نيران اقليمية وقطرية مشتعلة ووجدت اجياله الطالعة نفسها ازاء تجارب طالما هللت لها وكرستها اجياله المخضرمة والمكتهلة فاذا بتلك التجارب تؤول الى فشل بل ويصيبها الدمار والانهيار وبين حكام الماضي وفراغ الحاضر.. تقدمت منظومة المخدرات مثل ضباع تتغذى على الجيفة تستغل هذه الاوضاع والمتغيرات. التمويل بالمخدرات لقد كانت الحروب المحلية بالوكالة بحاجة الى تمويل فيما بنت القوى الكبرى نظرية ان تمول تلك الحروب نفسها, ومن ثم لجأ بارونات الحرب في افيرقيا وافغانستان او القوقاز مثلا الى منظومة المخدرات كمصدر سخي لتمويل حروبهم المحلية ونزاعاتهم الدموية التي يغذون نيرانها على الصعيد الاقليمي. المخدرات لم تكن وحدها ولكنها كانت العامل المحوري في مصدر التمويل, الى جانب عوامل وسلع محوريةاخرى منها مثلا البترول والمعادن الاستراتيجية وربما الاسرار الاخطر والافدح ومنها اسرار نووية الطابع. * كيف عملت آليات هذه المنظومة المستجدة؟ ــ لقد كان لها قاعدتها الوطيدة على المستوى المحلي التي وصلت الى حال من النضج والاكتمال الى حد ان تشكل منظمات مسلحة كما في حال فصائل افغانستان في اسيا وربما فصائل الصومال في افريقيا وجماعة (فارك) في امريكا الجنوبية وهو الاسم المختصر لمنظمة (القوات المسلحة النووية في كولومبيا وكانت تلك القواعد المدججة باحدث الاسلحة المشتركة في معظمها من اسواق التهريب غير المشروعة هي التي تنطلق منها انشطة زراعة وتصنيع وتجهيز وتغليف انواع المخدرات. استخدام المهاجرين يطرح السؤال الاخر: * وكيف كانت تعمل آليات التهريب والترويج في اسواق التصريف والاستخدام؟ ــ هنا جاء دور جماعات مستجدة على هذا الميدان وقد تمثلت اساسا في جاليات المهاجرين المقيمين في امريكا واوروبا بالذات حيث لايزل افرادها غير مستوعبين في مجتمعات الهجرة بل ظلوا يعانون ازمة الاغتراب وربما مشاعر المنفى رغم انهم اختاروه بأنفسهم تطلعا الى حياة افضل بعد ان وصلوا او كادوا يصلون الى حواف اليأس في مجتمعاتهم. ـ الام الاصلية التي ظلوا برغم كل عوامل مستجدة يدينون لها ولاعرافها بالولاء, هذا اضافة الى ان مجتمعات الاستقبال التي حلوا بها بعد هجرتهم لم تقدم لهم المن والسلوى التي كانوا بها يحلمون.. وكانوا في ذلك جد واهمين وبين يأس مجتمع الاصل, وازمة مجتمع الهجرة, اصبح افراد هذه الفئة المهاجرة وسيلة, واحيانا العوبة في يد منظمات وشبكات المخدرات التي عمدت الى استخدام افراد تلك الجاليات في ترويج وتصريف سمومها (في هذا الصدد تعمد المصادر الدولية الراصدة لانشطة تهريب المخدرات الى ضرب امثلة من باكستان وروسيا وجنوب افريقيا). وفي هذا المضمار ايضا رصدت تلك المصادر نشوء عشرات من منظمات المخدرات الاصغر حجما والانجع في كفاءتها الاجرامية في مجالات التهريب والاتجار والترويج, افرادها ليسوا مهربين محترفين ومن ثم فهم ليسوا مرصودين ولا ملفات لهم لدى سجلات هيئات المكافحة ويزيد الأمر تفاقما وصعوبة حقيقة ان هؤلاء المهربين أو المروجين ــ الهواة كما قد نسميهم لا يعملون طوال الوقت ولكنهم منخرطون في أنشطة مشروعة أخرى هي أفضل ساتر لعملياتهم الاجرامية التي يمارسونها بشكل منقطع ــ بين حين وآخر ... ناهيك عن انهم سرعان ما يتخلون عن نشاطهم في مجال المخدرات فور ان يحققوا ما كانوا يصبون اليه من أرباح طائلة .. ومن ذلك مثلا ان توضع شحنة صغيرة .. بضعة كيلو جرامات من الكوكاكيين أو الهيروين في حقيبة السيد الدكتور فلان .. اختصاصي الامراض الفلانية وهو عائد بالسلامة ــ من مؤتمر طبي موقر .. وبابتسامة مهنية تليق بالطبيب المحترم, يمر سيادته في براءة من حواجز الجمارك بعيدا عن أعين المكافحين .. وما ان يبلع صاحبنا ريقه ويسترد أنفاسه ويوصل الحقيبة أو الشحنة الموعودة الى العنوان المقصود, ومن ثم يتسلم المبلغ الموعود, وهو غالبا يحوم حول الستة أصفار تقل أو تزيد ــ حتى يكف تماما, والى الأبد, عن مثل هذا النشاط ــ ويعود الى ممارسة مهنته المحترمة ويزاول حياته البريئة المعتادة .. بعد ان يتورم حسابه المصرفي برصيد جديد. بيد ان الأمر لا يقتصر عند هذا الحد لأن مجرم العملية الواحدة هذا لا يلبث أن يتسلم دوره في حلقة أخرى وطبق ظروف مغايرة, ولكن محترمة وبريئة الظاهر ايضا ـ مجرم مهرب جديد .. والسلسلة متوالية, ... والحبل يظل على الجرار كما يقول اللبنانيون ثمة ظاهرة مثيرة أخرى. الشيوعية والمخدرات تابعتها وافادت عنها مراصد المخدرات الدولية ويمكن تلخيصها في عبارات تقول: ان الفترة القريبة الماضية, وخاصة منذ منتصف عقد التسعينات الحالي ــ شهدت دخول الكتلة السوفييتية السابقة تجارة وتهريب المخدرات ليكون هدفها الرئيسي هو أوروبا الغربية (كأنما استعاضت تلك الأقطار عن تهريب العقيدة الشيوعية بتهريب شحنات السموم البيضاء وغير البيضاء) ــ على ان الخبراء الدوليين يتوقعون توسيع هذه السوق الأوروبية الى حيث تصل انشطة تهريب المخدرات الى أسواق أخرى في أمريكا أو جنوب افريقيا بل واستراليا في اقصى جنوب المحيط الهادئ, ثم ان هذه الدوائر السوفييتية سابقا تستغل حاجة مجموعات من أمهر المتخصصين في علوم الكيمياء والزراعة, والتصنيع الزراعي .. وقد تعلموا على أرفع مستويات تكنولوجية في المعاهد السوفييتية السابقة, ولكنهم لا ينالون من النظام الروسي الحالي سوى روبلات لا تقيم الأود ولا تسد الرمق, ومن ثم فهم على استعداد لتقديم اي شيء سواء على مستوى الخبرة التقنية أو المختبرات المعملية لقاء حفنات من الدولارات من أجل تجهيز المخدرات المزروعة وايضا من اجل تزويد الأسواق بالمخدرات التخليقية المصنعة مثل عقار الامفيتامين المخدر الذي تعد بولندا مثلا من أهم مصادره الى الأسواق الالمانية ومثل الجمهورية التشيكية التي ضبطوا 50 طنا من عقار الافيدرين كانت مشحونة منها عن طريق سويسرا .. لتجهيزها في المكسيك فيما كان مصدها النهائي هو اسواق الولايات المتحدة الامريكية. نحن والخطر اخيرا, فان هذا الاختلاط بين السياسة والمخدرات, وبين الاعتبارات الجيوسياسية (الجيوبوليتيكية) واعتبارات التهريب وغسل الأموال وتحقيق المليارات وتمويل الصراعات الداخلية والحروب الاقليمية ــ كل هذا الخليط لم يعد يبرئ أحدا ــ حتى أصحاب المهن الموقرة الاحترام وحتى الدول التي كانت تنأى بنفسها ــ تقليديا ــ عن مثل هذه المواضع من الشبهات, ها نحن نعرف, من واقع التقارير الدولية التي بين ايدينا ــ ان المستثمرين من بلدان الشمال الأوروبي ــ اسكندنافيا ــ يوظفون اموالهم في انتاج عقار الهلوسة الجديد (اكستاسي) او النشوة من اجل تهريبه وترويجه في اسواق رفاقهم أو شركائهم ــ اقطار الاتحاد الأوروبي. ونعرف كذلك ان المجلس الدولي لمكافحة المخدرات اعرب منذ سنوات عن قلقه ازاء المعلومات الموثوقة حول وجود مصانع تقوم على امرها الدولة (!) في بلغاريا ويتم داخلها انتاج عقار كابتاجون المخدر, بهدف تصديره بغير اذن الى نيجيريا والى الجزيرة العربية, عن طريق تركيا .. هكذا قالت المصادر الدولية بالحرف الواحد .. وبهذا فنحن بالطبع مستهدفون. * كاتب سياسي من مصر