من قال اننا لكي نصبح دولة فاننا بحاجة الى كثافة سكانية نصطنعها ونكونها من بلدان الآخرين؟ ومن قال ان البلاد ذات الكثافة السكانية سعيدة بما آل اليه الانفجار السكاني الطبيعي فيها او غير الطبيعي الذي تكون بفعل الهجرات الوافدة ؟ ومن قال ان التنمية الشاملة او النمو الاقتصادي يجب ان يكون متصاعدا, وان يتم بصورة من صور الهوس! كي نثبت قوة ادائنا الاقتصادي امام العالم؟ ومن ينكر العلاقة بين هذا الهوس وبين الوضع الاجتماعي الذي نعانيه؟ ان هذا الخلل في التركيبة السكانية تقع مسؤوليته على توجهاتنا الاقتصادية في المقام الاول, وعلى درجة الوعي الاجتماعي المتدنية بخطورة هذه الاشكالية من جهة اخرى, فلو اننا اتبعنا سياسة (التنمية المستدامة) كما يعرفها علماء الاقتصاد, والتي توازن بين النمو الاقتصادي والاهداف الاجتماعية, ولو اننا ناقشنا قضايا الوطنية بصراحة في وسائل اعلامنا ومناهجنا ومجالسنا, لما وصلنا الى حالة (الاقلية) التي نعاني منها اليوم, والتي تفرز وستفرز في المستقبل اشكالات اقتصادية وامنية واجتماعية خطيرة, قد يكون من المناسب جدا اليوم قبل الغد الاطلاع على نتائجها في بعض الدول التي عانت من هذه المشكلة, وتركت لها العنان دون رادع ــ كما حدث في بعض دول شرق آسيا. ان المئات من تأشيرات العمل التي يتم استخراجها يوميا لا تمثل في جوهرها حاجة حقيقية ملحة لسوق العمل, بل ان مئات العمال الذين يتم جلبهم تحت مسميات (عامل) او خادم او مربية او سائق او... لايمثلون سوى شكل من اشكال التجارة التي يقايض بها البعض وطنه في مقابل بضعة آلاف من الدراهم. وهنا اسأل: هل من المعقول ان تحتاج المشاريع في قطاع واحد هو قطاع الانشاءات استصدار 73 ألف تأشيرة في عام واحد فقط (عام 1990) و71769 تأشيرة عام 1991؟ وهل يحتاج قطاع الفندقة لـ 36 ألف تأشيرة جديدة في عام 1990, اقول (1990 ــ 1991) لانني متأكدة بأن الارقام الحالية ستكون مهولة وفلكية!! ان هدرا واستخداما سيئا يتم لكافة الخدمات والمرافق في الدولة نتيجة هذا الاستقدام العشوائي للعمالة الرخيصة, وان ازدحاما لامبرر له نعاني منه نتيجة للسبب نفسه, هذا اضافة للتلوث وارتفاع معدلات الحوادث والجريمة. وانخفاض مستويات الخدمة في الكثير من المرافق واماكن العمل التي تشغل العمالة الاجنبية اغلب وظائفها, والسبب هو انخفاض مستوى كفاءة هذه العمالة ومهاراتها, فنحن للاسف من اكثر البلدان استقداما للعمالة ذات المستويات المهارية العلمية المتخلفة جدا والتي تأتينا من اكثر المناطق تعاسة في العالم, مما ينعكس سلبا على كل المجتمع في نواحي الخدمات العامة وسلوكيات التعامل التي يفتقد الكثيرون منهم ابسط قواعدها وطريقة استخدامهم للشارع والمركبة والحديقة والمستشفى والمطار و.... من هنا فإن تنظيم سوق العمالة عن طريق وزارة العمل والداخلية مهم جدا, وتوعية افراد المجتمع اكثر اهمية, واعادة صياغة برامج التعليم العام والفني والمهني وغيرها.. تصب في باب صياغة الاستراتيجية الوطنية المثلى لمواجهة وتقويم (خلل التركيبة السكانية) الذي سيظل الخوض فيه ضروريا في كل الاوقات.