بمناسبة قرب اسدال الستار على القرن العشرين نشرت مجلة (تايم) الأمريكية تحقيقا موسعا عن أكثر شخصيات القرن تأثيرا في مسار العالم, ليس بالضرورة من الناحية الايجابية فقط , فالمعيار الذي اعتمدته المجلة لانتقاء الشخصيات هو ان تكون الشخصية قد تركت بصماتها على مسار تطورات القرن على مستوى عالمي بصرف النظر عما إذا كان الانجاز خيرا أو شراً. ولا يقتصر هذا التصنيف الانتقائي على مجالات الحكم والسلطة والزعامة السياسية انما يشمل أيضا مجالات أخرى مثل العلوم التجريبية والشعر. ورغم انني أجد ان المجلة وفقت إلى حد بعيد في ممارسة الانصاف والتعامل الموضوعي في تصنيفها الانتقائي إلا انني رأيت ان العالم الثالث لم يستأثر بالاهتمام الذي يستحق, هناك شخصيات تاريخية أغفلت أرى أنها كانت جديرة بالانتقاء بحكم تأثيرها في رقعة ما يطلق عليه الآن (العالم الثالث) وانصافا لهذه الشخصيات أرى من المفيد ان نأتي على ذكرها جنبا إلى جنب مع الشخصيات الأخرى التي احتواها تحقيق (تايم) الوثائقي. ان أقرب مثال عربي في هذا السياق هو جمال عبد الناصر فقد كان في زمانه بحق كأحد المؤسسين الأوائل لحركة عدم الانحياز, أحد ابرز قادة العالم الثالث ان لم يكن أبرزهم على الاطلاق. في كتابه (فلسفة الثورة) تحدث عبد الناصر عن ثلاث دوائر كميادين لمنازلة القوى الاستعمارية الغربية: الدائرة العربية والدائرة الافريقية والدائرة الآسيوية وعلى أساس هذا الخط الاستراتيجي انطلقت سياسات عبد الناصر من الدائرة العربية صوب اقامة سلسلة من التحالفات مع قادة حركات التحرير الوطني في افريقيا إلى ان حققت كثير من البلدان المستعمرة استقلالها الوطني. بالطبع لم يحضر عبدالناصر تحرر جنوب افريقيا من حكم التمييز العنصري, فقد تحقق هذا الهدف الكبير ابتداء من عام 1994, أي بعد 24 عاماً من رحيل عبدالناصر, لكن نيلسون مانديلا لا يزال يذكر الدعم الناصري لحزب (المؤتمر الوطني الافريقي) طوال عقد الستينات, ويقف الآن مانديلا كعماد من أعمدة العالم الثالث حتى وهو خارج السلطة. وفي القادة الأحياء أيضا الذين عاصروا العمر الكفاحي لناصر ومانديلا, هناك فيدل كاسترو, هذا الزعيم الأسطورة الذي يظل صامدا على سدة الحكم لمدى أربعين عاما رغم انه ظل مستهدفا طوال هذه العقود الأربعة من قبل الدولة العظمى الأولى في العالم دون ان يتزحزح. هذه الدولة العظمى ـ الولايات المتحدة ـ سوف يبقى أيضا في ذاكرتها الجمعية شخص هوشي منه المناضل الفيتنامي ذي الذهنية الاستراتيجية الفذة الذي استطاع ان يحشد ارادة شعب فقير ضد ثلاث قوى عظمى هزمت عسكريا الواحدة تلو الأخرى, فرنسا, واليابان, وأخيرا الولايات المتحدة. وعلى مرمى حجر من فيتنام كان هناك ماوتسي تونج في الصين, وإذا كان هوشي منه الفيتنامي قد تميز بعبقرية الكفاح المسلح ولم يتميز بعبقرية بناء الدولة (فقد رحل قبل ان يتحقق الانتصار العسكري النهائي ضد الآلة العسكرية الأمريكية فان ماو تميز بالعبقريتين معا, كانت الصين تصنف حتى الخمسينات كبلد متخلف فجعل منها فكر ماو دولة صناعية متقدمة, وعندما رحل في منتصف عقد السبعينات كان ماو قد استكمل انجاز الشروط الاقتصادية التي جعلت من الصين اليوم قوة عظمى. ويبقى الحديث عن العالم الثالث ناقصا إذا لم تذكر الهند التي أنجبت في النصف الأول من القرن المهاتما غاندي, ذلك الطراز الفريد من الزعامة التي أوتيت حكمة النضال بالوسائل السلمية, غاندي كان روح الهند, أحبه الشعب واحترمه الخصم الأجنبي. وكل قرن وأنتم بخير.