جزين محرّرة من دنس الاحتلال الصهيوني, وعائدة بزهو إلى حضن الوطن, فقد اتمت الميليشيات العميلة انسحابها منها في ليل الاربعاء (الخميس 2/3/1999) ولم يكن ذلك الانسحاب في اطار اي مشروع ملغم مثل المشروع القديم الذي عرض مرارا وسقط مرارا امام الرفض السوري ــ اللبناني له, مشروع (جزين أولا) الذي كان يرمي إلى فصل المسارين السوري واللبناني احدهما عن الآخر, وإلى جر الحكومة اللبنانية لتكون قواها حامية لحدود الاحتلال وامن مستعمراته من قوة المقاومة, التي ينهض بها حزب الله في جنوب لبنان ببسالة ووعي وتصميم. جزين محررة من دنس الاحتلال ومن سيطرة العملاء, ولم يكن الانسحاب منها اختيارا حرا لجيش الاحتلال وعملائه, وانما تم تحت وقع الضربات المؤلمة والخسائر البشرية التي الحقها حزب الله بالعدو وعملائه وجعل الروح المعنوية في صفوف المحتلين والمرتزقة تنهار تماما امام تصميم الايمان على تحقيق النصر. لقد كان احتلال جزين شرطا من شروط العميل انطوان لحد عند توليه قيادة القوات العميلة لاسرائيل, وبعد اكثر من خمسة عشر عاما اصبح الانسحاب من جزين شرطا ومقدمة في الوقت ذاته لذلك العميل الذي وجد نفسه مضطرا للبحث عن (ملجأ آمن) بعد ان خسر شرفه العسكري وشرف المواطنة اللبنانية وحكم عليه بالخيانة وانهارت قواته لان العدو الصهيوني الذي يستخدمه قرر الانسحاب من جنوب لبنان تحت وقع ضربات المقاومة البطلة. وبمجيء ايهود باراك إلى الحكم اصبح الوعد الذي قطعه للناخبين بالانسحاب من جنوب لبنان خلال عام على الاكثر من بداية حكمه (الثلاثاء 8 يونيو) قيد التنفيذ, وفي عهد نتانياهو بدأ البحث عن حلول لمشكلة العملاء الذين باعوا وطنهم وشرفهم للعدو الصهيوني, فمن مشروع يشترط التجاوز عن اوضاعهم وضمهم إلى صفوف الجيش اللبناني إلى آخر يقول بتأهيلهم للحياة والعمل وايجاد اماكن لجوء وتوطن لهم في فلسطين المحتلة أو في فرنسا واماكن اخرى من العالم, لان العدو قرر الانسحاب من الجنوب وهو يبحث عن صيغ ووسائل واساليب (مشرفة) تحفظ ماء الوجه, وتحقق بعض الشروط الامنية التي تكفل عدم تعرض المستوطنين في شمال فلسطين لهجمات المقاومة. ان الانسحاب من جزين فتح ملفات جديدة, ووضع قضايا ساخنة امام المسؤولين, وطرح اسئلة قديمة ــ جديدة لابد من البحث عن اجوبة لها, كما انه قدم حقائق لا يمكن مجاوزتها أو القفز فوقها: 1 ــ فالانسحاب من جزين اكد ان المقاومة الجادة لقوى الاحتلال وعملائه قادرة على التحرير, وعلى الحاق هزيمة مادية ومعنوية بالعدو الصهيوني وهذه حقيقة لايجوز تجاهلها, كما لايجوز اهمال مايستخلص منها من دروس. فمن يقول ان العدو الصهيوني يملك قوة لاتقهر عليه ان يتذكر حرب تشرين النظامية, وافعال المقاومة الفلسطينية واللبنانية, لاسيما ما قامت به حركتا حماس والجهاد الاسلامي في فلسطين المحتلة, وما قام ويقوم به حزب الله في جنوب لبنان. فالمقاومة ممكنة ومجدية ومشروعة, نعم انها تستثير العدو وحماته وحلفاءه وعلى رأسهم الولايات المتحدة الامريكية وتستفزهم وتعطل ما يسمى (فرص السلام) القائم على اتفاقيات كامب ديفيد واوسلو ووادي عربة, وقد تجر الى مواجهات اوسع, ولكنها خيار الذين ينشدون تحرير الوطن وتقرير المصير بحرية ويتعلقون بمستقبل آمن وبازدهار وكرامة حقيقيين, انها مكلفة ولكنها اقل كلفة من الاستسلام والتبعية اذا ما اخذت الامور بتبصر وقدرت مصالح الاجيال والامة على المدى البعيد. وتحرير جزين درس ينبغي استخلاص نتائجه لاسيما في ظل ما تعيشه التجمعات الصهيونية في فلسطين المحتلة من تناقضات وما تحمله التطلعات الصهيونية (يمين ويسار ووسط) من مشاريع توسعية استعمارية ــ استيطانية للمستقبل وما تؤسس له من هيمنة على المنطقة اقتصاديا وسياسيا وامنيا, من خلال ما تملك من قوة ومن تحالفات وما توصلت اليه من اختراق للجسد السياسي العربي المتراخي على اعتاب المرفوض والتطبيع الكريه. 2 ــ والانسحاب من جزين طرح (مشكلة جزين) ومشكلة جزين تختصر مشكلة لبنان ومشكلة الجنوب ولابد من مواجهة الاسئلة المتصلة بذلك والناتجة عن الوضع الحالي والاوضاع المشابهة المحتملة الحدوث. فالانسحاب من جزين وقرب انهيار جيش العملاء او بدء انهياره والتوجه نحو تصفية هذه القوة, التي قال بعض الساسة والعسكريين الاسرائيليين انها اصبحت عبئا عليهم, يطرح مشكلات واسئلة منها: أ ـ ماهو الموقف من الذين تعاملوا مع العدو الصهيوني ويرغبون في التوبة والعودة الى حضن الوطن؟ ان اولئك ليسوا في درجة واحدة على الرغم من سقوط كل متعامل مع العدو وعميل له في وهدة الخيانة والشر فمن اولئك من دخل في شراكة استراتيجية مع العدو الصهيوني وعمل على مشروع صهينة المنطقة وسيطرة العدو عليها وكان سببا للكوارث التي لحقت بلبنان او جزء منها منذ ماقبل الحرب المقيتة التي بدأت عام 1975 واستمرت اكثر من خمسة عشر عاما وحكم قادة الخيانة والعمالة اولئك لايمكن ان يكون هو حكم ضحاياهم, وان كان الضحايا ايضا درجات: فمن متعصب كريه مكروه يبحث عن متنفس لحقده الى مرتزق فاقد للقيم والغ في الدم البريء, الى مغرر به سار وراء احلام الانفصال والانتصار.. الخ الخ ومن شبه المؤكد ان الزعامات والقيادات التي تعاملت مع الاحتلال وانسلخت كليا عن الوطن اللبناني وعن قضية الامة لاتفكر بالعودة الى الوطن ولايتركها اسيادها للحاجة, وقد تفلت من العقاب, الا انها تحاول ان تطرح قضية اعوانها لتبدو على درجة من (الاحترام) بنظر الاسياد والاعوان وما ينبغي ان يحظى بالاهتمام من هذه الشرائح شريحة وقعت تحت الاحتلال وتحت ضغط قيادات العملاء من اصحاب المشاريع العنصرية ـ الانفصالية ـ الاستعمارية حيث خضعت فئة من البسطاء لقهر اولئك الذين التقت مصالحهم مع مصالح العدو فكيف يكون التعامل معهم والموقف منهم؟ هل يفتح الوطن لهم صدرا ويدقق في امر كل منهم فاتحا باب التوبة على مصراعيه؟! أم يحكم عليهم حكما قاسيا فيخلق مشكلة لهم, ويخلق مشكلة منهم؟! ان من مارس العدوان والقتل وناصر الاحتلال بوعي لما يفعل, وكان صاحب مشروع وحلف ومصلحة مع العدو, وكان في الوقت ذاته ونتيجة لذلك عدوا لأمته, وحربا على وطنه, وعلة سرطانية في مجتمعه, وعارا على ثقافته وهويته وانتمائه القومي.. لا قبول له ولا مجاوزة عن خطاياه وخيانته ولا رحمة له.. حتى يكون عظة وعبرة, وحتى لا تصبح الخيانة وجهة نظر ومما يختلف حوله من دون ان يمس ذلك بالوطن والوطنية وبالمقدس معا. اما الذي أكره على التعامل ليعيش فيقع عليه سؤال عريق (أما كان بإمكانه ان يأبق من حكم الطغيان وأرض الوطن مفتوحة وأرض الله واسعة؟!) وأما كان بوسعه ان يحتمل قهرا من دون ان يسقط في مستنقع التعاون مع العملاء, وان يستذكر الكرامة وحقوق الوطن فيأخذ بقاعدة (تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها) ؟! وتأسيسا على ذلك فإنه يكون معرضا للسؤال, ولا يوضع في دائرة الرعب عبر طريق مسدودة فتضيق عليه ارض الوطن كما ضيقت عليه قبضة الأعداء وعملائهم؟! ب ــ وتحرير جزين وعودتها يفتحان ملف التعامل على أرضية الوعي المسؤول مع شرائح اجتماعية كان بينها عداء بل دم, ووقعت في حرب دمرت الكثير من العلاقات. وهي تعود اليوم الى وطن يسير في طريق التسامح والمودة والتوحد وإعادة الاعمار. وربما كان الوضع الذي عاشه من كان منهم تحت الاحتلال يكرس سيطرة فئة على فئة وطائفة على طائفة, فهل تدخلنا جزين العائدة في دائرة تعود بنا الى مرارة الماضي أم اننا نستطيع ان نتعامل مع اهلها من الفئات والطوائف المختلفة تعاملا يزيل مرارة العداء ومرارة الاحتلال ويشرع ابواب الوطن البهي امام المحررين العائدين الى حضن الكرامة والمواطنة والمساواة فيه؟! انه الامتحان الذي لابد ان ننجح فيه, لأن النجاح فيه هو مفتاح النجاح في معالجة اوضاع الجنوب كله الذي سيعود الى حضن الوطن محررا, وهو يحمل المعطيات والأوجاع والأوضاع ذاتها, ويطرح المشكلات/الأسئلة ذاتها. لقد طرحت قضية من هذا النوع مباشرة مع تحرير جزين, وعلى الرغم من التكذيب الذي صدر عن العدو الصهيوني انطوان لحد, فإنه لا دخان بلا نار, وأعني قضية نحو مئتين من جنود العميل انطوان لحد الذين رغبوا في البقاء في جزين والالتحاق بالوطن والانسلاخ عن جيش العدو والميليشيات العميلة, وحمل قضيتهم الأب بولس خوند رئيس دير مشمومة ومعه آخرون, وأعلنوا عن وضع انفسهم بتصرف البطريرك نصر الله صفير. كما طرحت قضية تشكل فقاعات اختبار ضخمة أطلقها العدو كما أطلقتها أوساط الميليشيات العميلة ومن يتعاطف معها أو يشاركها في اثمها من المحسوبين على لبنان والامة العربية, حين طرحوا وضع مسيحيين ومسلمين في جزين, ولكل فئة من الفئات في البلدة المحررة موقع ودور قامت به أو فرض عليها حينما كانت المنطقة تحت الاحتلال, فكيف يكون تعامل حزب الله اليوم مع هؤلاء بعد انسحاب قوى الاحتلال والعملاء وعودة المنطقة الى (نفوذ) المقاومة؟! لقد كان في تصريح الشيخ حسن نصر الله قائد حزب الله شفاء للنفس, وكذلك فيما لقيه وفد جزين او وفودها التي اتصلت بمرجعيات رسمية وروحية كما اتصلت بحزب الله ممثلا للمقاومة الوطنية اللبنانية. وكل ما جاءت به الاتصالات يجعل المرء يطمئن الى وعي عميق تواجه به مشاريع الاحتلال, وما يرمي الى احداثه من فرقة وفتن, وما يريد ان يقدمه للعالم من صورة عن لبنان واللبنانيين, وعن المقاومة وحتى عن سوريا, فيما اذا انسحب من جنوب لبنان وحدث سوء لمن بقي فيه ممن تعاملوا معه؟! وفي الوقت الذي نبدي فيه اطمئنانا للتفهم والتفاهم العميقين اللذين تبشر بهما الاوساط الرسمية والروحية, واوساط المقاومة في لبنان للعائدين الى حضن الوطن, نؤكد ان العدو وعملاءه وحماته والمتعاطفين معه, الذي لم ينجح سابقا في فرض العميل قوة وطنية وتكوين غطاء شرعي للعمالة لن ينجح لاحقا في فعل ذلك, وانه من غير المعقول او المقبول ان يزرع في جسم لبنان: الوطن والجيش والمقاومة عملاء (لاسرائيل) واعداء لكل ما هو وطني ونظيف وصامد في وجه مشاريع الاحتلال ويغطى بشرعية من اي نوع او بقوة من أي نوع. ج ـ ومن خلال اشاعة القلق في بعض اوساط الجزينيين والمتعاطفين معهم في لبنان, ومحاولات التخويف من حزب الله وبطشه المحتمل بالمتعاونين مع العدو يسعى العدو الصهيوني الى جر الحكومة اللبنانية الى ادخال قوات الجيش والامن لتحول دون دخول المقاومة الى المنطقة, وهو بذلك يرمي الى تحقيق ما عجز عن تحقيقه عندما طرح مشروع (جزين أولا) على ارضية مفاوضات تسفر عن ضمانات امنية ووجود قوات تحمي المستعمرات الصهيونية في شمال فلسطين. ان اشاعة مناخ غير مريح او الوصول الى جو غير مريح اجتماعيا في جزين سوف يمكن العدو الصهيوني والعملاء من طرح مشكلة وتضخيمها والانطلاق من ذلك للوصول الى وضع شروط لتنفيذ القرار (425) والحصول من سوريا ولبنان على ضمانات امنية تجعل القوى الرسمية في مواجهة قوى المقاومة الوطنية, التي تمارس نضالا مشرفا ضد الاحتلال, ومن ثم تقود الاوضاع الناتجة عن ذلك, في حالة حدوثه, الى مواجهة وتفجر لتفرض نزع سلاح المقاومة بايدي الحكومة قبل التحرير وقبل الوصول الى حلول مرضية في الجولان, بعد ان اكد لبنان واكدت سوريا تلازم المسارين واستمرار المقاومة حتى تحرير جنوب لبنان والبقاع الغربي واقليم العرقوب والجولان من الاحتلال الصهيوني, لقد رفضت حكومة الرئيس الحص وضع نفسها في خدمة امن الاحتلال الصهيوني ومستعمراته برفضها الوقوف ضد المقاومة الوطنية اللبنانية, او بتخليها عنها او بدخولها في هذا الوقت بالذات الى جزين وكان ذلك من دلائل الفطنة. واكد المسؤولون اللبنانيون بثبات مبدئي وحس ووعي عميقين استمرار دعم المقاومة حتى التحرير الكامل للجنوب, كما اكدوا تلازم المسارين السوري واللبناني وتلازم تحرير جنوب لبنان مع تحرير الجولان في نهاية المطاف, ومن هنا اتى تأكيد حزب الله وسوريا ولبنان على ان المقاومة سوف تبقى قائمة ومشروعة و مستمرة من كل المواقع الممكنة, بما في ذلك جزين, الى ان يتم تحرير جنوب لبنان والبقاع الغربي. ان هذه القضية مازالت مستمرة, وتفاعلاتها بدأت ولم تنته ابدا, والعدو الصهيوني اقر يوم الاربعاء 2/6/1999 اتخاذ اجراءات في الاجتماع الطارىء لمجلس الوزراء المصغر برئاسة نتانياهو, وبعد التشاور مع رئيس الحكومة المقبل ايهود باراك تتعلق بجزين وبما قد يسفر عنه الانسحاب الذي تم منها, وقد ظهر نقد شديد من قبل بعض الصهاينة للانسحاب الذي الحق عارا بحكومة اسرائيل وظهرت في الوقت ذاته نوايا قد تقود الى عدوان واسع بذرائع قد تبنى على متابعة المقاومة وانطلاقها من جزين, ليقول الصهاينة للعالم: لقد انسحبنا فضربونا من الموقع الذي انسحبنا منه, فهل يمكن ان ننسحب من جنوب لبنان كله, ونضمن انهم لن يضربوا مستوطناتنا من ذلك الجنوب؟! والصهاينة في هذا يرمون الى تسويغ امرين: 1 ـ توجيه ضربة قاسية لحزب الله وللبنان ولمواقع سورية في لبنان, وهي ضربة قد لا يوافق عليها او لا يقدم عليها باراك, ولكنها تلمس اعذارا وذرائع ومسوغات قد تبدو بنظر العالم للوصول الى طلب ضمانات أمنية من سوريا على الخصوص عند الانسحاب من جنوب لبنان, وقادة العدو يخططون لذلك الانسحاب ويقبلون عليه ويسعون لربطه بضمانات أمنية لمستوطناتهم في شمال فلسطين المحتلة. 2 ــ دفع سوريا الى المفاوضات في ظل ظروف أوضاع غير ملائمة, ومن ثم خلق وضع في لبنان لا يساعد المفاوضين السوريين واللبنانيين. ولما كانت المشكلة بهذه الحساسية, وهذا الاتساع فإن الوعي الشديد مطلوب من الاطراف العربية جميعا لتسد الذرائع من جهة وتتصدى للعدوان وتواجه الاحتمالات القائمة من جهة ثانية. لقد تحررت جزين, وانسحب العدو وعملاؤه منها, تحررت بقوة المقاومة وبعزيمة المجاهدين الذي يتابعون اليوم فلول الأعداء المنسحبين, بعد ان ألحقوا هزيمة شبه نهائية بالميليشيات, حيث الرعب يسوغ الانسحاب وحل (الجيش المرتزق) , الذي لم يعد أسياده يتحملون تبعاته ولا الخسائر التي تلحق به وبهم. جزين تعود بروعة المقاومة لتقول لأمة على أبواب التخاذل: هذا هو أنموذج الفعل المنقذ المحرر أمامكم فلِمَ الجزع والهرولة على أعتاب العدو والاستلام المذل له وأنتم كثرة إن آمنت بحقها وضحّت من أجل نصرها كتب الله لها النصر. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة باذن الله. تحية لجزين العائدة الى الوطن على سواعد المجاهدين. وتحية لحزب الله وشهدائه وللمقاومة الوطنية اللبنانية وللبنان الذي أثبت ان قوته في مقاومته وليست في ضعفه. رئيس اتحاد الكتاب السوريين