لا أعرف إذا كان هناك مقابل في اللغات الأخرى, أو مرادف لغوي لمصطلح (محلك سر) المكون من كلمتين بسيطتين سحريتين, فإذا لم يكن لهما مرادف فإنني أعترف ان من اخترعهما عبقري , ما يرد عنّا تهمة التخلف والغباء, بدليل ان لدينا مخترعا عربيا (نتمنى لو نتعرف عليه كلنا) أطلق مصطلحا ذات يوم, لانزال (نتكعبل) فيه الى اليوم, بلهجة اخواننا المصريين والشاميين, و(نتخرطف) بلهجتنا المحلية, فيحق له علينا كل الاحترام والتقدير والتكريم اللائق. ومع ان (محلك سر) نستخدمها يوميا عشرات المرات, ومعها كلمات اخرى سحرية مثل (ضربني وبكى) و(من فوق ها الله ها الله) إلا انها تظل من بين كل المصطلحات ذات طابع خاص, فهي على الرغم من معناها الذي يشير الى الثبات وعدم النمو والتقدم, إلا اننا من حرصنا عليها ندرسها في المدارس ونعلّمها للجيوش, ما يدل على انها كلمة استراتيجية, اخترعها من اخترعها, لأغراض سياسية وتنموية, آن الأوان للكشف عنها. وهكذا فإننا ونحن طلبة منذ المنازل الأولى والخطوات الأولى في الحياة علّمونا في طوابير الصباح المدرسية (محلك سر) , فنخبط بأقدامنا الأرض تحتنا حتى نرجها رجا, ثم لما كبرنا دخلنا الجيش إما متطوعين أو تنفيذا للتجنيد الاجباري وإما التحاقا بالقوات المسلحة, فأكملنا تعليمنا لـ (محلك سر) بأكثر مما تعلمنا في المدارس, وعرفنا معناها تمام المعرفة, حتى صار للكلمة وقع سحري علينا, مثلها مثل بقية المصطلحات العظيمة من (انتباه) الى (استعداد) وليس انتهاء بــ (يمين در) و(تعظيم سلام) . وبطبيعة الحال فإن الذي يستعد وينتبه ويشغل كل حواسه الظاهر منها وغير الظاهر ويتهيأ للحركة والقفز والمشي, ثم يفاجأ في آخر المطاف بأمر (محلك سر) , يتعلّم ان الاستعداد والتهيئة وكل ما سبق من ترتيب, إنما يتم لكي يسير في محله هانئا سعيدا ومختالا في الوقت نفسه, ما يجعله يعتاد على كلمة السر هذه والمفتاح السحري لــ (محلك سر) فيفهمها فهما عظيما, ولغايات مهمة, على رأسها ان البقاء في المحل الواحد هدف عربي, نتربى عليه في الصغر, فيصبح كالنقش في الحجر. وبما ان (محلك سر) منقوشة فينا نقشا بأزميل التعليم ومطرقة التربية وسندان المعرفة والسياسة, فإننا ولله الحمد من أكثر الشعوب التزاما بها, وأكثر الناس تمسكا بالعمل على أساس من مبادئها العظيمة الثابتة, بدليل اننا منذ أكثر من خمسين عاما ونحن نحارب اسرائيل جنبا الى جنب مع حربنا ضد التخلّف والجهل والمرض والأمية, ومع ذلك فنحن (محلك سر) . ثم اننا واستخداما لهذه الكلمة العبقرية, من أكثر الناس حصولا على الحرية, خاصة ان (محلك سر) تحمل في طياتها من المعاني ما تحتاج الى ناقد بنيوي يفكك لنا رموزها ويحلل لنا معانيها الدفينة, التي منها على حد علمي المتواضع, انها أم الحرية على أوسع مدى, فهي تأمرنا بالسير والحركة والمشي وممارسة كل ما نريد, بشرط وحيد لا بأس به, هو ان يتم ذلك ونحن في مكاننا لا نبرحه, وهذا وحده يكفينا لتفسير ما نحن عليه اليوم كعرب, حيث تقدمت الأمم كلها وتهيأت للقرن الجديد, ونحن لانزال على أعتاب القرن الماضي متمسكين بالثوابت التي منها (محلك سر) . وهكذا فإننا ربما نحتاج لكي نخطو خطوات الى الأمام, ولو قليلا في الاقتصاد أو السياسة أو التنمية أو العلوم, الى الغاء (محلك سر) العبقرية من طابور الصباح المدرسي, ومن المناهج التعليمية والعسكرية بدلا من التمسك بها حتى اليوم, فمن الواضح ان مخترعها العربي العبقري ليس أكثر من واحد من اثنين خرجا ذات يوم من غرزة, فوصلا الى خط سكة حديد تراءى لهما انه السلم الذي يوصلهما الى الشقة, وبعد ساعات من الصعود, قال أحدهما: ياه, هذا السلم طويل جدا, فرد عليه الآخر: المشكلة ليست في انه طويل, المشكلة هي ان درابزينه منخفض جدا!