مرة اخرى تجتذب الاضواء المسلطة على شخص الزعيم الكردي في تركيا انظار العالم الى مشكلة (القومية الكردية) بصورة عامة في منطقة الشرق الاوسط . وابرز عنصر في المشكلة هو ان الاقليات الكردية الموزعة في اربعة بلدان, العراق, سوريا, ايران وتركيا, لم تستطع عبر تاريخ طويل من الفتن والنضالات والمؤامرات, ان تنتظم داخل جبهة موحدة او تحت راية ايديولوجية واحدة. ما مستقبل الاقليات الكردية اذن؟ القومية الكردية التي يبلغ تعدادها الاجمالي 25 مليونا تعتبر اكبر قومية عرقية في العالم بلا كيان دولة مستقل, ورغم تراكمات الاضطهاد الذي ظل ينال الاقليات الكردية من البلدان الاربعة المذكورة جيلا بعد جيل الا ان حلم الدولة المستقلة اخذ في التلاشي مع مرور السنين, كان حلما بدا وكأنه قريب في التحقق بعد الحرب العالمية الاولى عندما بذل (الحلفاء) وعدا بهذا المعنى للاكراد, سرعان ما تنكروا له لاحقا, ومنذ ذلك الحين ظلت الحكومات المتعاقبة في كل من العراق وسوريا وايران وتركيا. تنظر إلى اقلياتها الكردية بعظيم من الريبة مما أدى إلى صدامات متلاحقة حتى اليوم, ولذا فان من الواضح ان هذه الأقليات خفضت سقف طموحاتها مكتفية بالمطالبة بحكم ذاتي كحد أعلى. لكن الدول الأربع تعارض فيما يبدو حتى هذا المطلب المتواضع, مما يعيد طرح السؤال حول مستقبل الأكراد. ويجب ان ننبه ان أكراد العراق نبذوا مطلب الاستقلال منذ أكثر من نصف قرن ومع ذلك فان الحكومات العراقية كانت ترفض مطلب الحكم الذاتي منذ الأربعينات, مما أدى إلى صدامات مسلحة متسلسلة, لكن الاستنزاف العسكري والاقتصادي الطويل الناتج عن هذه الصدامات المتكررة اضطر الحكومة البعثية في الستينات ان تقبل مبدأ الحكم الذاتي غير ان تداعيات حرب الخليج الأولى وحرب الخليج الثانية جعلت الحكومة تتراجع من أجل تشديد قبضة السلطة المركزية, الأمر الذي أدى إلى ايقاظ مشاعر الثورة والتمرد لدى الأكراد. في سوريا ظلت الحكومات المتعاقبة تحاول استيعاب الأقلية الكردية بشتى الوسائل مما تطلب حظر التدريس أو نشر المطبوعات باللغة الكردية لصالح اللغة العربية وثقافتها. أما في تركيا فإن اجراءات الحظر ضد الثقافة المحلية الكردية بما في ذلك اللغة الكردية أشد مما في غيرها من الدول الأربع الأخرى. ومنذ تسلمه السلطة في العشرينات تبنى مصطفى كمال أتاتورك سياسة (القومية التركية الموحدة) كركن للحكم يظل ثابتا وساري المفعول حتى اليوم. ولذا كان الصدام المسلح والمتفاقم بين السلطة والأكراد أمرا حتميا ومقضيا. وفي ايران فإن الشك المتبادل هو أقوى عنصر في العلاقة بين الطرفين. وبلغ هذا الشك ذروته عندما دخل المتمردون الأكراد حربا ضد (حرس الثورة) في مرحلة مبكرة من عمر (السلطة الثورية) التي تولت الحكم بعد زوال عهد الشاه. ومنذ ذلك الحين لا تزال العلاقات سيئة بين السلطة والأقلية الكردية. وفي ظل هذا الاضطهاد الذي تلقاه الأقليات الكردية في البلدان الأربعة لمدى عقود متصلة فإن الغريب حقا ان المنظمات الكردية الناشطة وقياداتها لا يجمعها تنظيم مظلي ذو فاعلية.. ولا حتى الحد الأدنى من التنسيق فيما بينها. وأغرب من ذلك ان هذا التنظيم أو ذاك يسمح لنفسه أن يستغل بواسطة حكومة ما من بين الحكومات الأربع ضد حكومة أخرى.. وأسوأ من ذلك ضد تنظيم كردي آخر. من ذلك مثلا ان أكراد ايران قاتلوا ضد العراق جنبا إلى جنب مع القوات الايرانية في الحرب العراقية الايرانية خلال الثمانينات وان الفصيلين الكرديين في العراق (تحت قيادتي كل من برزاني وطالباني) يتحالفان أحيانا مع الحكومة التركية لمطاردة المقاتلين الأكراد في تركيا عندما يهربون عبر الحدود إلى الأراضي العراقية. ان هذه الصورة لا توحي اطلاقا بأنه يمكن أن يكون للقومية الكردية مستقبل استقلالي بدرجة أو بأخرى في غياب الرباط الايديولوجي, وبالتالي الجبهة الموحدة, والحضور السلطوي المركزي القوي في البلدان الأربعة التي يعيشون فيها. ولنستذكر على الدوام ان هذه الدول تتفق ضمنا, رغم تناقضاتها وخصوماتها, على كبت أية نزعة استقلالية كردية.