يعاني العرب اليوم من قائمة طويلة لا أول لها ولا آخر من المشكلات والمنغصات والظواهر السلبية, ونذكر منها على سبيل المثال: فقدان الارض, والفرقة والخلافات المستعرة, والهيمنة الاقتصادية الاجنبية على بعض البلدان العربية وانخفاض مستويات المعيشة بالقياس الى المستويات السائدة في الدول المتطورة وغياب المجتمع المدني, كليا او جزئيا, والحاجة الى استيراد التكنولوجيا والمصنوعات الثقيلة من الخارج, والقصور المعلوماتي والعجز عن مواكبة التقدم العلمي, وغير ذلك من المعضلات التي تنيخ بكلاكلها على الشعب العربي وتقض مضجعه. والسؤال الحساس الذي يستحق ان يطرح نفسه بالحاح يتعلق بتحديد المسؤولية عن المحن التي عصفت ومازالت تعصف بأمتنا, فمن الذي يحبك الخيوط ويطرز الاحداث وينسج الخطط كي تسفر في النهاية عن تدهور اوضاعنا؟ لقد اعتدنا دائما على القاء التبعة وصب اللوم وجام الغضب على القوى الاجنبية الخارجية وتحميلها كامل المسؤولية فيما نعانيه, ومع مرور الزمن, استمرأنا هذه العادة التي اصبحت تشكل (شهادة براءة ذمة) لنا, وطريقة ناجحة للتنصل من مسؤوليتنا واخفاء قصورنا ونحن لا ننكر بالطبع دور القوى الخارجية في بعثرة صفوفنا وتسميم افكارنا وابعادنا عن حلبة التقدم الصناعي الحديث, وابقائنا في بوتقة التخلف التكنولوجي وغير ذلك. إلا ان نجاح اعدائنا في الوصول الى الكثير من مآربهم, لم يكن ليتحقق لو كانت هناك بنية داخلية عربية صلبة قادرة على رد التحديات. فكما ان الجسم القوي يقاوم هجمات الجراثيم والفيروسات ويتغلب عليها فإن الجبهة الداخلية المتينة يمكنها ان ترد غزوات الغزاة وتحبط كيد الاعداء, والعكس صحيح فالجسم الضعيف الذي لا يملك حصانة او مناعة ضد مسببات المرض, ينهار ويتهاوى ويتداعى بسرعة امام الهجمات الفيروسية والجرثومية, وهذا حال العرب اليوم, فهناك تربة خصبة في اراضيهم تسمح للاسف بنجاح كثير من الدسائس التي تحاك ضدهم. ان في العالم اليوم شعوبا كثيرة ضعيفة تتعرض للغزو والهيمنة والاحتكار من قبل الدول الاقوى منها وهذه ظاهرة مألوفة وسائدة منذ فجر التاريخ, فالقوي يحاول دائما التحكم بالضعيف واستغلاله, وهذا يعني ان المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف الضعيف, وليس في محاولة القوي الهيمنة عليه, وعندما كان العرب والمسلمون في سالف الزمان يتحلون بالقوة, استطاعوا ان يخضعوا لارادتهم كثيرا من البلدان الاخرى. اذن فإن علينا وعلى اجهزة اعلامنا ان تخفف من التهويل والمبالغة في تصوير اخطار التدخلات والمؤامرات الخارجية, لان هذه ظواهر طبيعية وتعد من سنن الحياة, وبدلا من الاسترسال في الشكوى يجب افساح المجال امام ابراز مواطن الضعف العربي وتحديد مسؤوليات الشعوب والزعماء فيما يحدث, بعيدا عن الديماجوجيات الدعائية التي لا تسد رمقا ولا تغني عن جوع. علينا ان نسلط المجهر على الحياة العربية السياسية منها والثقافية والتربوية والعلمية العامة لنكتشف بعين الفاحص المحلل الظواهر السلبية في هذه الحياة والتي تشدنا الى الوراء وتكرس تأخرنا وتبقينا سجناء في بوتقة التخلف, هناك الامية التي تنخر في اوصال الامة. العربية وتعد من ألد اعدائها والعقبة الكأداء امام تقدمها بل السيف المسلط على رقبتها. فلنكافحها بلا هوادة من خلال تنشيط التعليم الاساسي وتدعيم تعليم الكبار. و لا ننسى المفاهيم الخاطئة والافكار المضللة والمعتقدات الفاسدة التي ورثنا بعضها من الماضي, وزرع بعضها الآخر في اعماقنا الغزو الثقافي الاجنبي الهادف فلنحاول نبذها واستبدالها بمفاهيم ونظريات وافكار نقية مواكبة لمستلزمات العصر الحديث ومسايرة للتطورات التي تشق مجراها في مختلف انحاء العالم, ونذكر كذلك النزعة الانانية الفردية المتضخمة عند الانسان العربي والتي لا تقيم اي وزن للمصلحة العامة وللخير الجماعي. فهي جديرة بأن تبذل اقصى الجهود لكبح جماحها ولجم تناميها, ولنهتم بسلوكها اليومي الذي كثيرا ما يفتقر الى القيم النبيلة والاخلاق السامية, ولنعمل على ارتقائه وتخليصه من ادران الانانية والاستعاضة عنه بسلوك قويم ومستقيم. ولنتساءل لماذا يكسد الكتاب العربي ويعزف الكثيرون من الناس عن القراءة ويبتعدون عن الثقافة الجدية ليغرقون في اوحال الاثارات المرئية العابرة, ولنحاول تطوير الكتاب والصحافة بطريقة تمكنهما من الوقوف على قدميهما امام منافسة القنوات الفضائية للتلفاز. ولنفتش عن الاسباب التي تجعل الكاتب او المفكر يعيش حياة بائسة ويكابد البؤس والحرمان في الوقت الذي يرفل فيه كثيرون من الأميين والجهلة في جلابيب النعمة والرفاهية. وهذا الامر يفرض علينا السعي الى اعادة الاعتبار للعلم والعلماء وللفكر والمفكرين حتى يتبوأ هؤلاء المكانة اللائقة التي يستحقونها. ولنتساءل ايضا لماذا تخضع كثير من مواقفنا السياسية للارتجالية والتلقائية ولماذا لا نسلك بدلا من ذلك مسلك التدبير والتخطيط للمستقبل؟ لماذ تختفي الديمقراطية وحرية الصحافة في كثير من ربوعنا العربية؟ او ليس من واجب زعمائنا مسايرة العصر والسير مع الآخرين في ركاب الحرية ومنح حقوق الانسان وافساح المجال امام قيام مجتمع مدني حقيقي؟ هذه بعض الامور التي ينبغي ان نوجه جل اهتمامنا نحوها, وان نفتش عن حلول لها بدلا من الاستغراق في كيل التهم والقاء المسؤولية على اعداء الامة العربية, نحن اذن نحتاج قبل اي شيء آخر الى ترتيب بيتنا الداخلي وتحصينه والى تدعيم قوانا الذاتية, فهذا هو الطريق الوحيد الذي يمكننا من مواجهة ما تخططه قوى الاعداء وما ترسمه اصابعهم الظاهرة والخفية, فلكل دولة في العالم اعداء يناصبونها العداء ويجدون ان من مصلحتهم اضعافها وتفتيت كيانها, ونحن العرب لا نشكل استثناء في هذا المجال, فهناك الصهيونية وحلفاؤها وجهات اخرى كثيرة تخشى من قيام دولة عربية اسلامية واحدة, لاسباب مختلفة تتباين حسب مصلحة كل جهة ولكن هذا لا يعني ان نظل نردد هذه الحقيقة ليلا نهارا وكأنها كل شيء في حياتنا السياسية والقومية, فالعلة الاساسية تكمن فينا نحن وفي افكارنا وممارساتنا الخاطئة؟ كاتب سوري