حين سئل ذلك المسؤول العربي عما جرى في بلد مجاور من شؤون وشجون أجاب دون تردد: (الأمر لا يعنينا) . وقد يجيب مثله في وضع مماثل: (اننا غير معنيين بالأمر) . وشبيه لتلك المقولتين تسمعه يتردد على لسان أكثر من مسؤول في أكثر من بلد. وقبل أن أرحل في مساءلتي لتلك المقولات دعني أقف معك وقفة يسيرة على ما تنطوي عليه من معان. فالمسؤول قد يرى أن الأمر لا يمت بصلة لما نحن عليه من شأن, ومن الأجدى والأنفع ان نوصد شبابيكنا وأبوابنا لنستريح من الريح والغبار, وربما يرى ان الأمر نازلة تطبق على من هم حوالينا, وهي عليهم لا علينا. ولعله يرى ان الأمر يعنينا, ويعنينا حتى النخاع, ولكنه يتجنب الخوض فيه, وقد يكون مرد ذلك الحيطة والحذر, أو التعالي والاستكبار, أو اللعب السياسي الذي قد يصنف من باب الذكاء أو التعقل أو التغابي, ومهما كان موقفك من التفسيرات الثلاثة فهو لن ينأى بك عن وصف تلك الدعوى, بالزيف, وان ظاهرها غير باطنها, والفطن من لا يأخذ الكلام على عواهنه, والذكي من يدرك ان في أوغال القول تكمن ثعابين النوايا. ان مساءلة مقولة: (الأمر لا يعنينا) , تقودك الى انكارها جملة وتفصيلا, فلم يعد في العالم شيء لا يعنينا أو نعني به شعوبا وقادة, عامة ونخبة, حاكمين ومحكومين, ساسة واشباه ساسة, وأصحاب مواقف وإمعات, اننا نعيش العالم, ونعيش تكنولوجيا تغير هذا العالم باستمرار. في كل يوم يشاهد ملياران ونصف المليار من البشر سبعمائة وخمسين مليون جهاز استقبال تلفزيوني في مائة وستين بلدا. إننا نعيش عصر تكنولوجيا طرق المعلومات السيارة, والتحكم في الفضاء, والاقمار الصناعية, وامام اعين البشر في كل مكان صور تظاهرات الطلبة في ساحة تينامين, و(حرب التلفزيون) في حرب الخليج, ومحاكمات او. جي. سمبسون, واعترافات مونيكا لوينسكي, وكل تلك الاحداث وغيرها لها بعدها السياسي والاجتماعي والثقافي الذي يجوس ابعاد العالم, فتشغل به النفوس والاذهان, لأنه يعنيها وتعني بها! لنتفلسف قليلا, ولنستعد نظرتين أو على الأصح وجهتي نظر تحللان الموقف من هذه التكنولوجيا, وما تحمل من موضوعات ينشغل بها الناس في كل مكان., ترى وجهة النظر الاولى, ولنسمها الاداتية, في التكنولوجيا اداة لتنمية قدرات المستعملين ولتخدم رغباتهم, فهي لا تحمل غرضا لذاتها, وفي هذا الصدد يجري الاستشهاد بالمصباح الكهربائي الذي يوظف ليضىء ما حوله بغض النظر عما يسود المجتمع الذي هو فيه من هم وغم أو فرح وسرور, انه يؤدي عمله من غير تحيز سياسي او فكري او عاطفي, اما وجهة النظر الثانية, ولنسمها الحتمية, فترى في التكنولوجيا نظاما اجتماعيا يتأسس على السيطرة, وانه بذاك لن يكون محايدا, وان له تأثيراته على الطبيعة والانسان واتصالاته. وإذا ما كانت وجهة النظر الاولى سلبية, والثانية اعتدائية, فإن الأهداف الاجتماعية في كلتا الوجهتين مغيبة. ان التأثيرات التي تحملها تكنولوجيا التواصل تتداخل في صميم افعالنا وأفكارنا, وان الاخبار المقبلة من هناك عبر اجهزة الاعلام والتليفون المحمول وغير المحمول والفاكس والبريد الالكتروني تعنينا, وعلينا ان نعني بها اردنا أو لم نرد. وليست عملية ان تعنينا ونعنى بها وقفا على الاحداث الساخنة, بل ثمة من الطريف والخفيف ما يشغلنا به ننشغل. هل أتاك حديث مرض الكلبة (ايميلي) , كلبة جورج بوش حين كان متربعا كرسي رئاسة الولايات المتحدة؟ ان مرضها قد أخذ نصيبه من قائمة الاهتمامات الاعلامية ومن ثم اهتماماتنا, ذلك أن مرضها يقلق الرئيس, وىأخذ حيزا من وقته, وإذا ما قلق الرئيس فقد ينصرف بعض حين عن شؤون الناس الاقربين والأبعدين في كل ارجاء المعمورة. ولهذا فإن مرضها يعنينا ونعني به, ,إذا كان هذا شأننا مع مرض (ايميلي) , فكيف اذن لا نعني بمحاولة الانقلاب العسكري في النيجر, وعدوى الانقلابات تسري بدينامية مذهلة في دماء (العسكرتاريا) المتعطشة للحكم في افريقيا وأمريكا اللاتينية؟ وكيف لا نعنى بتطوير السلاح الذري في الهند والباكستان, ونحن من هذين البلدين على تقارب في التاريخ وروحانية الشرق؟ وكيف لا نعني بأزيز الطائرات يرتج له الجنوب اللبناني, ولبنان منا ونحن منه نسبا وجغرافية وتاريخا؟ وبعد ذلك كم نبدو محترفي زيف إذا ما انكرنا عنايتنا بسفرات ياسر عرفات لكسب الاعتراف بدولة فلسطين, وجولات البابا لمباركة الضعفاء, وغير الضعفاء, وارتفاع سعر الدولار, وهبوط ثمن برميل النفط, ومذابح كوسوفو, واعتقال عبدالله أوجلان, والحرب الارتيرية الاثيوبية, والتوغل التركي في شمال العراق, وعقابيل تسليم المقراحي وفحيمة, ونجاح فيلم (شكسبير عاشقا) . لقد تصدرت كتاب (مستقبلنا المشترك) , مراجعة دونتها اللجنة التي اضطلعت به, (اللجنة العالمية للبيئة والتنمية) , وقد ورد في مستهل هذه المراجعة التي جاءت تحت عنوان: (من أرض واحدة الى عالم واحد) , أننا نرى الارض من الفضاء كرة هشة لا تسيطر عليها فعالية الانسان, بل أنماط من السحاب, والمحيطات, والخضرة, والاتربة, ان عدم قدرة الانسانية على ملاءمة اعمالها لتلك الانماط يغير بشكل جوهري الانظمة الارضية. وكثير من هذه التحولات تصحبه مخاطر تهدد الحياة. هذه الحقيقة الجديدة التي لا مفر منها يجب ان تدرك وتتخذ التدابير بشأنها. ومن ثم يذهب تقرير اللجنة الى القول بأن خزين السمك مهدد بالتلاشي, فالصيد يفوق حدود الاحتمال, وثمة ما يهدد مناطق القطب الجنوبي, وثمة نفايات في المدار تشكل خطرا متصاعدا يعرقل نشاط الانسان في الفضاء. وما تلك النفايات إلا وقود محترق, وقذائف صاروخية, واقمار صناعية معطلة, وشظايا من انفجارات, وسموم تنفثها سفن الفضاء المسيرة بقوة ذرية, وإذا كان هو ذلك الشأن في البحر والفضاء, فإن الشرور قائمة في البر من ألغام وتلوث وتصحر. ومن هنا تخلص الى ضرورة التعرف على مصادر الاخطار وتحديدها والتعامل مع تأثيراتها وتقدير نتائجها على العالم, وطرح الاختيارات البديلة في ظل تشريعات قانونية وتخطيط للاستثمار المستقبلي. وفي طرح اللجنة للمبادىء القانونية لحماية البيئة نصت في المادة الاولى على ان لكل البشر حقا اساسيا في بيئة تناسب صحتهم وعيشهم الجيد. قد يتعمد الممارس السياسي الغموض بسبب من الايديولوجية أو الاحتراف, ومن هنا فإن الالتزام الاجتماعي للمهندس الاجتماعي يحتم عليه كشف الزيف السياسي الذي يلوث ضمير الانسان, وتبيان الاخطار المحيطة بالكيان البشري وعدم التستر عليها بمقولات مثل (الامر لا يعنينا) . أو (اننا غير معنيين بالأمر) , ان مستقبل الانسانية مشترك وسيظل كذلك. واذا ما كنا نردد من باب الطرفة والمزحة والحكمة قول صاحبنا الجاد الهازل: من حلقت لحية جار له فليسكب الماء على لحيته! فإننا نردد من باب الجمال والحسن الشمولي بما يربط الانسانية شرقا وغربا ترنيمة الشاعر والمفكر الالماني (جوتيه) : من يعرف نفسه وغيره سيعرف هنا ايضا ان الشرق والغرب لن يفترقا أبدا وبودي ان أتأرجح بفكر منفتح بين هذين العالمين فالتحرك بين الشرق والغرب هو الافضل! * خبير اعلامي عربي