في الحلقة الأولى من هذا المقال تعرضنا الى العديد من المواقف التي تجعلنا نتساءل عن سر غياب هوية هذا المجتمع العربي المسلم خلال العديد من الأحداث التي مرت بنا جميعاً, والتي في تصوري أن في مخيلة القارىء الكريم العديد من هذه النماذج والصور . 1 ــ الحرب ضد العربية: قبل أن نختم المقال ببعض الآراء دعوني أقف بعض الشيء مع تاريخ محاولة طمس اللغة العربية, كلنا يقدر الدور الذي قامت به الدولة العثمانية في حفظ العالم الإسلامي قروناً من الزمن ولكن في السنوات الأخيرة عندما سادت القوميات على المباديء, فرضت اللغة التركية كلغة رسمية للدواوين والتعليم ولولا موقف الأزهر والزيتونة لتأثرت اللغة العربية كثيراً, ومنذ ذلك الزمن بدأت الدعوة الى نبذ الفصحى تتقدم في الوطن العربي ففي عام 1889 صدر قرار وزاري في مصر يقضي بأن تكون اللغة الإنجليزية هي لغة المتعلمين! ولله الحمد نجحت مصر في تجاوز هذه الأزمة التي فرضها الأجنبي ولكن الحرب الحقيقية قادها بعض العرب مثل قاسم أمين (1863 ــ 1908) الذي نادى بتحرير اللغة من الفصحى واستعمال العامية, وسلامة موسى في الربع الثاني من القرن العشرين عندما دعا الى نبذ العربية الفصحى تلاه أنيس فرحه في كتابه (نحو عربية ميسرة) حيث دعا سنة 1955 الى التخلي عن الفصحى, ودعا حسن الشريف سنة 1938 الى هدم النحو والاستغناء عنه, وهناك المزيد ليقال. 2 ــ نحو العربية: أنقل لكم هنا مقالتين لمن أراد العربية فهذا عباس محمود العقاد يقول: (ان الحملة على اللغة في الأقطار الأخرى إنما هي حملة على لسانها, أو أدبها, وثمرات تفكيرها على أبعد الاحتمال, ولكن الحملة على لغتنا نحن على كل شيء يعنينا, وعلى تقليد من تقاليدنا الاجتماعية والدينية, وعلى اللسان والفكر والضمير في ضربة واحدة لأن زوال اللغة في أكثر الأمم يبقيها بجميع مقوماتها غير ألفاظها, ولكن زوال اللغة العربية لا يبقي للعربية والمسلم قواماً يميزه عن سائر الأقوام, ولا يعصمه أن يذوب في غمار الأمم, فلا تبقى له باقية من بيان ولا عرف ولا معرفة ولا إيمان) ., ومن شبة القارة الهندية انقل لكم هذا الرأي لمن كرمناه في الإمارات هذا العام العلامة أبو الحسن علي الندوي في كتابة الجميل (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟) حيث يقول للعرب: (لقد كانت ــ ولا تزال ــ قيادة هذا العالم بجدارة واستحقاق أشرف قيادة وأعظمها وأقواها في تاريخ الزعامة والقيادة, وقد أكرم الله بها العرب لما أخلصوا لهذه الدعوة الإسلامية وتفانوا في سبيلها, فأحبهم الناس في العالم حباً لم يعرف له نظير, وقلدوهم في كل شيء تقليداً لم يعرف له نظير, وخضعت للغتهم اللغات, ولثقافتهم الثقافات, ولحضارتهم الحضارات, فكانت لغتهم هي لغة العلم والتأليف في العالم المتمدن من أقصاه الى أقصاه, وهي اللغة المقدسة الحبيبة التي يؤثرها الناس على لغاتهم التي نشأوا عليها, ويؤلفون فيها اعظم مؤلفاتهم واحب مؤلفاتهم ويتقنونها كأبنائها وأحسن, وينبغ فيها أدباء ومؤلفون يخضع لهم المثقفون في العالم العربي ويقر بفضلهم وإمامتهم ادباء العرب ونقادهم. 3 ــ مع الهوية: بعد كل ما سبق دعوني اقول بكل صراحة: 1 ــ في اعتقادي الراسخ ان اللغة العربية لا يمكن القضاء عليها لانها اللغة التي اختارها المولى للقرآن الكريم الذي تعهد سبحانه بحفظه, وعليه فلغتنا محفوظة بنا او بغيرنا ولكن لماذا يحمل غيرنا هذا الفضل ونتعاون نحن في عملية الدفاع عن هويتنا! آن الاوان لنحول الطموح الى واقع والدفاع الى هجوم فنسعى الى نشر العربية عندنا وكذلك العمل على تعليمها لغير أهلها. 2 ــ اننا نعيش في زمن تحولت فيه العلوم من العربية الى الانجليزية لذلك ينبغي ألا نفهم الدعوة الى العربية على انها حرب على الانجليزية, وإلا فإننا غير واقعيين في الطرح ولا اجد تعارضاً بين ان نجيد اللغة العربية وان نتعلم كيف نستفيد من اللغة الانجليزية او غيرها من اللغات الحية. وعليه فإني ارى اهمية تطوير الطريقة التي نعلم بها اليوم لغتنا الأم لنحولها من اسلوب التلقين الى طريقة التمكن فلا يغادر المتعلم مقاعد الدراسة دون تمكنه من لغتنا, وكذلك تأتي أهمية تعزيز العربية ومكانتها خلال المواد الاخرى والتي من اهمها القرآن الكريم والتربية الوطنية وغيرهما من المواد التي من شأنها تدعيم الهوية لهذه الدولة. والامر بحاجة الى قواعد وقوانين في الدولة لفرض العربية في المؤسسات العاملة عندنا ومن ذلك مثلاً الاعلان العام ينبغي ان يسود فيه الخط العربي على الاجنبي والسيادة هنا في حجم الخط وكذلك الارتفاع وغير ذلك من المظاهر التي تؤكد عروبة هذه المنطقة, وقبل هذا كله دعونا نغير قناعتها الخاصة وقدراتنا, عندها ستتبدل الافعال والممارسات. 4 ــ قالها تاجر: تاجر معروف في الدولة اعتز بمعرفته كثيراً هو من شجعني على التطرق لهذا الامر يقول دائماً:(لم اجد على كثر علاقاتي بالناس امة سادت وقادت وابدعت في الميادين المختلفة بعد ان تخلت عن لغتها) , والدارس لتاريخ بعض دول آسيا يجد ان تراثاً قد دثر, وتاريخاً قد غير لما تخلت تلك الدول عن لغتها فأصبحت معلقة لم تقبل عند الآخرين ولم تحفظ بذاتها, انني اقدر كل المشاريع التي تقوم بها الدولة للحفاظ على هوية هذه الامة فمن يستجيب لنداء العربية عندما قالت: فلا تكلوني للزمان فإنني أخاف عليكم أن تحين وفاتي *وكيل كلية التربية