اعترف بان هذا العنوان قد راق لي, وحتى لا يأخذ القارئ فكرة سريعة عن الموضوع الذي أنا بصدده, ويقفر إلى أفكار غير التي أعنيها, أقول ان المقصود بالحديث ليس الانتخابات الكويتية التي تدور رحاها هذه الأيام , وانما المقصود هو موضوع في كتاب قرأته أخيرا ولم أستطع الانتهاء منه إلى نتيجة معينة بسبب ما احتواه من ملابسات, هذا الكتاب بعنوان (في ظل صدام) من المفروض ان كاتبه هو مخليف رمضان, ومَن لا يعرف منكم مخليف, فهو الرجل الذي يشبه صدام حسين, والذي استخدمه الأخير بدلا له في العديد من المهام التي من المفروض ان يقوم بها صدام نفسه بما فيها مقابلة الرؤساء والقادة العرب الذين زاروا بغداد في عقد الثمانينات. التقطت الكتاب من مطار لندن في طريقي إلى الولايات المتحدة وقرأت, وكأنني أقف فيما بين الحقيقة والخيال, القصص التي سردها الكاتب حول ما رآه وهو يعمل بديلا للرئيس العراقي, وفي الحقيقة ان بعض القصص لا يستطيع ان يقبلها عقل سليم. يقول الكاتب انه قد اخفى بعض الأسماء والمواقف لأن بعضهم لا يزال يعيش في بغداد, إلا ان بعض الأسماء هي نفسها التي يعرفها الجمهور المتابع. مخليف رمضان (ولا أعرف ان كان هذا اسمه الحقيقي أم هو اسم بديل أيضا) كان مدرسا بسيطا في كربلاء من أصل بغدادي, وكان يعرف انه يشبه صدام حسين بعد ان اشتهر الأخير في بداية السبعينات, ولأن مخليف له أخت متزوجة في بغداد, وزوجها يحب الوصول إلى السلطة, فقد بلغ الأخير ان نسيبه مخليف يشبه الرئيس الى حد كبير, وعرف صدام حسين بالأمر فاستدعى مخليف لمقابلة الرئيس, وما ان شاهده الأخير حتى بدأ يضحك بصوت عال, وقال له (لا أعرف ان كان والدي قد مر بنواحيكم, انت تشبهني إلى حد كبير!) . يقول مخليف انه كان لابد من شيئين, أولا اصلاح بعض الاختلافات في شكلي ليتطابق أو يتقارب تماما مع شكل صدام, وثانيا ان أتعلم كيف يمشي, ويشير الرئيس ويدخن السيجار وحتى كيف يضحك, وتطلب أمر التغيير في شكلي ان يستدعي أحد جراحي التجميل في أوروبا للقيام بذلك, وهو جراح شُطب من المهنة في بلده لارتكابه أفعالا فاحشة, وبالثمن المناسب أجرى العملية, فأصبح مخليف يشبه الرئيس شكلا, وبقي موضوع تدريبه, فأقام بما أسماه الحجرة المظلمة في قصر صدام للتدريب المستمر على تمثيل دور الرئيس. بعد انتهاء التدريب طلب من مخليف ان يحضر مسرعا إلى مكتب الرئيس في القصر, وهو أمر ليس بالعادي, فقال له صدام: (مخليف) بعد قليل سيكون هناك بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة, وأريدك ان تنزل إلى الحديقة وتتفقد الزهور, وترفع رأسك بين وقت وآخر, إلى هذه الشرفة, فان رأيت أحدا منهم واقفا هنا فأشر إليه بيدك وابتسم, وقل كلمتين أو ثلاثا لا أكثر. فعل مخليف ذلك وبكثير من الدقة والاستغراب أيضا, وبعد برهة, ظهر في الشرفة شخصان هما طارق عزيز وطه محيي الدين معروف, فقام مخليف بما أمر به, فأشار إليهما بيده وقال بصوت مسموع: سأكون معكم بعد دقائق, فأشارا له مبتسمين من بعيد, وتبادلا بعض الكلمات, وفجأة ظهر صدام حسين من خلفهما, فأخذا ينظران إلى مخليف في الحديقة والى صدام من جديد, ويفسر مخليف هذا الأمر بأنه نكتة سمجة قد لا تكون مقبولة وهو بعيد عنهم! روايات مخليف العجيبة لا تنتهي, فهو ينقل عن مصادر موثوقة ان اليوم الأخير الذي سبق غزو الكويت أعلم صدام حسين وزراءه بالخطة, وان طارق عزيز قال لماذا نقف عند الكويت فقط, لماذا لا نحتل ايضاً المملكة العربية السعودية؟ وقال مخليف: ان صدام حسين في احتلاله للكويت كان يردد دائماً انها ارادة الله, وهو فقط يحقق هذه الارادة. في جانب آخر من الكتاب العجيب, يقول مخليف: ان صدام قد ارسله الى الجبهة العراقية ــ الايرانية, وكان يريد ان يعرف الجنود والضباط ان (القائد) دائماً معهم في السراء والضراء, وقتها كاد البديل ان يقتل ــ كما يدعي ــ فقد اقترب من الموقع المتقدم اثنان من الرماة الايرانيين, وصوبا على (البديل) الذي جرح في فخذه, ويصف مخليف الفوضى التي دبت في العسكر العراقيين, ولكنه تحامل على نفسه وسحبه الى خارج منطقة الرماية بعض مرافقيه, ثم نقل رأساً الى بغداد, وهناك في المستشفى منح نوط الشجاعة الاكبر على ان (لا يعرف بذلك احد)! يصف مخليف العديد من المشاهدات التي رآها في عمله خاصة اعمال التعذيب التي تقوم بها المخابرات العراقية, وافضل اشكالها هي التعليق من اليدين والرجلين ثم انزال الضحية التي يراد منها معلومات الى حفرة اسمنتية كبيرة مليئة بالاسيد الحارق, وفي معظم الاحيان تتكلم الضحية وتدلي بأسماء ــ حتى لو كانت غير دقيقة ــ وحوادث مختلفة, فقط من اجل انقاذ النفس من الهلاك, وغالباً ما يعترف الضحية طالباً النجاة لنفسه, ثم يعدم بالأسيد بعدها مباشرة. قصص مخليف كثيرة في هذا الكتاب, بعضها اقرب الى الخيال منها الى الحقيقة, ولكن البشرية التي وجدت ان بعض القصص التي رويت ابان الحرب العالمية الثانية غير مصدقة, اكتشفت بعد ذلك ان لها معالم لا تقبل الشك. ويأتي هذا الكتاب ضمن مجموعة من الكتب التي تنشر في الغرب هذه الايام, واصفة بدقة ما حدث ويحدث في العراق من انتهاك صارخ لحقوق الانسان غير مسبوق حتى في التاريخ العراقي المثقل بالدم, ولربما هو مقدمة للالتفات الى ما يحدث هناك, ووضع اجندة عالمية جيدة لهذه المنطقة بعد ان عانت الكثير من الاضطراب, ولعل قرب انتهاء معركة كوسوفو وقبول الدكتاتور الصربي ميلوسيفيتش للقواعد العامة التي وضعها المجتمع الدولي يعني ايضاً قرب انتهاء معاناة العراقيين التي طالت, ومثل كتاب مخليف وغيره, يلفت مرة اخرى نظر الجمهور الغربي الى ما يحدث من انتهاكات فاقت حتى خيال مؤلفي قصص الرعب. فهل آن الاوان لفتح ملف النظام العراقي مرة اخرى واخيرة, هذا ما اتوقعه, وقد تأتي لنا الأيام المقبلة بالجديد, ووقتها لن ينفع البديل حتى لو جاء تعديلاً لما سبقه.