يتساءل المراقبون عن إمكانية وضع حل لما يمكن تسميته ببداية الصراع بين الهند والباكستان بسبب كشمير, والذي يمكن أن يؤدي الى حرب نووية . ويبدو أن الإجابة ترتبط بجملة المعطيات وأهمها: ذلك التسابق في السلاح النووي بين البلدين منذ عقود, وقد بدا أكثر وضوحاً في مايو 1998 حين قامت الهند بإجراء تجربتها النووية وكان أن ردت باكستان بإجراء تجارب مماثلة, وهناك معطى آخر هو: أن الدول الغربية الكبرى ترفض دخول دول من العالم الثالث مثل الهند وأخرى إسلامية مثل الباكستان الى النادي النووي, وهناك عامل آخر ويبدو أنه الأهم وهو أن الدول المساندة لإسرائيل تصر على إبقاء الدول الإسلامية بعيدة عن السلاح النووي, لذلك أيدت ما قامت به اسرائيل من تدمير للمفاعل النووي العراقي, ويرجح أن تعمل على إشعال الحرب بين الهند والباكستان للقضاء على الإثنتين معاً. يلاحظ أنه الى وقت قريب كانت كل من الهند والباكستان وإسرائيل والعراق دولاً مرشحة لأن تكون خطراً نووياً, وقد كانت الهند أول دولة تعلن بصورة علنية عن استخدام البلوتونيوم في أبحاثها النووية منذ مايو ,1974 وكان في رأي المراقبين ــ آنذاك ــ أن الفقر يحول دون صناعتها لقنبلة ذرية أو حتى الاستمرار في تجاربها النووية, لكن الواقع كذب ذلك إذ بتوفر الإرادة السياسية نجحت في إجراء تجاربها وقطف الثمار كما رأينا في مايو ,1998 والواقع ان الأستراتيجيين الهنود كانوا منذ سنوات يطمحون الى الإعلان عن تطوير أسلحتهم النووية, وعلى العموم فلم يكونوا في هذه المنطقة الممتدة هم الأوائل, بل سبقهم في ذلك الإسرائيليون مستخدمين مفاعل أبحاث نووياً زودوا به من الفرنسيين, وهو مفاعل (ديمونا) في صحراء النقب. الارادة السياسية من ناحية أخرى فإن العراقيين أيضاً دعموا في إقامة مفاعلهم النووي من فرنسا, وقد كانوا على وشك أن يكونوا قادرين على إنتاج الأسلحة النووية, بل إن بعض الخبراء يرون أنه لولا قيام اسرائيل بضرب مفاعلهم النووي من جهة, ودخولهم في حربين الأولى مع ايران, والثانية بغزوهم الكويت, لكانوا الآن قد أنتجوا القنابل الذرية ودخلوا النادي النووي, ومع ذلك كله فان الخبراء العسكريين يرون ان أكثر البرامج النووية تقدما في العالم الاسلامي هي برامج الباكستان حيث تلاقت نجاحات العلماء واهتمامهم بهذا الموضوع مع رغبة الارادة السياسية مع التدعيم المالي الذي حصلت عليه من بعض الدول العربية والاسلامية خصوصا تحت قيادة رئيس الوزراء السابق (ذوالفقار علي بوتو) ولذلك كللت أعمالها بالنجاح. هكذا إذن أبعد العراق, ولا يوجد موقف دولي علني واضح من اسرائيل, ولم يبق بالنسبة للدول الكبرى إلا خطرا الهند والباكستان, هذه الأخيرة التي تقف موقف الاستعداد للهجوم أو على الأقل للدفاع ضد منافستها الهند التي قامت بحرب معها مرة في عام 1965 ومرة في 1971, وهي تلك الحرب التي قسمت باكستان إلى نصفين وخلقت دولة بنجلاديش المستقلة حتى ان ما يقع في كشمير الآن والتي هي في ثلثيها تحت الهند وفي الثلث الباقي تحت حكم الباكستان, يعود إلى خلفيات الماضي, ولا شك ان هناك حضورا للجانب الاسلامي في العملية سواء من خلال اظهار القوة أو من خلال الشعور بذلك العداء المستفحل من دول العالم بما في ذلك الدول المجاورة, لكن العامل الأكثر وضوحا هو الدفاع عن الوطن في ظل سباق نووي محموم يتضح ذلك في كون المشرف على البرنامج النووي الهندي مسلم الديانة. ويبدو ان الاعتقاد السائد لدى الباكستانيين سواء كقناعة أو مجرد توظيف سياسي أو للاستهلاك الداخلي والخارجي في العالم الاسلامي, هو ان ملكية السلاح النووي ستجعل المسلمين شامخي الرؤوس وتضعهم على قدم المساواة مع القوى العظمى, ناهيك عن وضع العالم الإسلامي على قدم المساواة في المنطقة مع كل من الهند واسرائيل, الأولى معادية للمسلمين في منطقتها والثانية معادية للعرب والمسلمين, ومع ذلك كله فلباكستان حساباتها الخاصة في التعامل مع الهند ونتيجة لذلك ينشب صراع بينهما بين الحين والآخر. مخاطر مشتركة وخارج الحسابات السياسية فان الدولتين معرضتان للخطر معا, فالسلاح النووي إذا استعمل مع احداهما كانت له انعكاسات على الدولة المستعملة للسلاح نفسها, وهذا يدفعنا للتساؤل: هل التسليح النووي الهندي ـ الباكستاني هو عامل تصعيد أم عامل يساعد على الوصول إلى حل؟ واضح انه من ناحية علاقة الجوار وحقائق الجغرافيا سيكون عامل ردع إلا ان التاريخ المرير بين البلدين والحروب التي وقعت خلال العقود الماضية تؤكد على أنه عامل تصعيد, وخصوصا إذا ما وضعنا في الاعتبار ان القوى الخارجية لا تسمح باستعمال السلاح كمجرد وقاية لحرب يشنها هذا الطرف أو ذاك, ومن الصعوبة بمكان القبول بوجود دولتي الهند وباكستان ـ بحجمهما السكاني وقوتهما الثقافية والعقائدية بعيدتين عن تدمير مشترك لهما معا, ولهذا يرجح المراقبون ان تتحول الحرب التي لا تزال في بدايتها حول المنطقة المشتركة (أقصد كشمير) إلى حرب مباشرة بينهما, رغم ان المعطيات الأولى تشير إلى احتمال الوصول إلى اتفاق بينهما, وان كانت التصريحات الصادرة من مسؤولي البلدين تتكلم من منطلق أن كل بلد هو صاحب الحق وعلى الطرف الآخر القبول بها. ورغم ما أشيع عن موافقة على زيارة وزير الخارجية الباكستاني لمناقشة الوضع في كشمير موضحة على لسان وزيرها للدفاع: استبعاد استخدام الأسلحة النووية من الجيش الباكستاني, لأنه حسب قوله: فان ذلك يعني تدمير باكستان أولا, مما اعتبر بمثابة تحذير, ناهيك عن ان هذا التصريح تزامن مع مواصلة الطيران الهندي غاراته على مواقع المقاومة الإسلامية في كشمير, وبالمقابل فقد رفض رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف الاتهامات الهندية لحصول عمليات تسلل بدعم من باكستان إلى الجانب الهندي من كشمير, مؤكدا ان الحركة الانفصالية التي تشهدها المنطقة نضال داخلي من أجل التحرير, على اعتبار ان شعب كشمير ــ في نظره ـ يناضل من أجل حقه الثابت في تقرير المصير وهو حق وارد في قرارات الأمم المتحدة, وهذا ما ترفضه الهند, وإلا ما كانت استعملت القوة تجاه سكان كشمير. يلاحظ انه رغم محاولة التهدئة بين البلدين إلا انه من الصعب القبول بالوضع الحالي في كشمير, ولهذا يعتقد بعض المراقبين ان ما يحدث هناك رغم اطمئنان الهند لعدم استعمال الباكستان للسلاح النووي, إلا ان القتال في كشمير هو الأسوأ بين البلدين الجارين خلال العقود الثلاثة الماضية, وتحاول الهند ان تعتمد على التهديد بالخطاب العسكري, وببعض العمليات العسكرية, ولا يبدو هذا مقلقا الآن لباكستان, لكنه قد يتصعد في المستقبل لجهة رغبة الأحلاف العسكرية والقوى الدولية, التي تخشى من امتلاك البلدين للسلاح, وهناك من يؤهل تلك المنطقة إلى حرب شاملة قاتلة في المستقبل رغم محاولات التطويق لها الآن ودعوات ضبط النفس. كاتب وصحفي جزائري مقيم في مصر