لدى العرب من الأسباب ما يجعلهم سعداء بهزيمة نتانياهو, وفي الوقت نفسه بنصر باراك الكبير لكن ببعض الحذر. فالانتقال من نتانياهو الى باراك لن يكون سلسا ولن يجلب معه نتائج مثيرة مباشرة . فمن غير المعروف بما فيه الكفاية حتى الآن كيف سيعالج باراك قضية السلام مع الفلسطينيين, وكم سيكون نشطا في تحدي واخضاع القوى الاسرائيلية المعادية للسلام حتى يتمكن من دفع العملية للأمام. والمهمات التي على باراك ان يواجهها الآن كانت صعبة بما فيه الكفاية على اسلافه في حزب العمل, لكن ثلاث سنوات من وجود نتانياهو في الحكومة عقد كثيرا من المشاكل التي على باراك التعامل معها. نتانياهو كان قد انتخب لانهاء عملية أوسلو. وعندما اكتشف انه لا يستطيع القيام بذلك بسهولة, استقر رأيه على اجراء تغيير جذري على سير عملية السلام, ليتركها الآن مشوهة وعاجزة تماما. وبينما كانت تصرفات نتانياهو قبل اتفاق واي مضرة جدا بعملية السلام, فإن سياسته التي عقبت اتفاق واي كانت هدامة. وهذه السياسات هي التي سترمي في طريق باراك أصعب التحديات. وشأن الجنرالات المهزومين عندما يتراجعون, بدأ نتانياهو بعد اتفاق واي يزرع الألغام في الأراضي المحتلة. وكل من هذه الأفخاخ الخطرة يمكن ان ينفجر بباراك اذا ما عثر به ليدمر عملية السلام, والصورة المأخوذة الآن عن باراك بأنه يريد التوجه نحو السلام. ونزع هذه الألغام ستكون اولى وأخطر المهام التي تنتظر رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد, وهي: * قرار البدء ببناء مستوطنتي رأس العمود وجبل أبوغنيم. * أوامر اغلاق بيت الشرق التي لم يتم التوصل لحلها بعد. القرار الأخير بالتوسيع الكبير لمستوطنة معالي أودميم بحيث تتصل بالقدس وتخنق الوجود الفلسطيني فيها وتقسم الضفة الغربية لجزئين منفصلين. السماح وحتى دعم انشاء عشرات من المستوطنات. وهذه المستعمرات التي أقامها أو يريد اقامتها المتطرفون اليهود المعادون للسلام اختيرت في اماكن محددة واستراتيجية لتعطيل اتفاق واي. هذه الأفعال إلى جانب الانقسام الحاد في المجتمع الاسرائيلي وفقدان الثقة والمرارة المتجددين بين الفلسطينيين والاسرائيليين هي الالغام المهلكة التي زرعها نتانياهو في طريق باراك, لتكون التركة التي تركها لوريثه. وهذه الخدع صممها نتانياهو بحيث تفجر عملية السلام لوحدها أو مجتمعة. وخلقت حالات لابد لباراك ان يزيلها فيكسب عداوة اليمين الاسرائيلي المتطرف, أو ان يتركها حيث هي ويدمر اية تطلعات لتحقيق السلام مع الفلسطينيين والعرب عموما. وكأن هذه كلها لا تكفي, اذ ان اصدقاء نتانياهو في الولايات المتحدة يخططون الآن لتفجير ألغامهم الخاصة بهم. فمنذ تمرير قانون نقل السفارة الامريكية للقدس عام 1995, رفض الرئيس كلينتون تفعيل القانون باستخدام صلاحيات رئاسية منحه اياها هذا القانون عام 1995. والواضح ان بعض اعضاء الكونجرس الامريكي الذين خاب املهم نتيجة رفض الرئيس لنقل السفارة الى القدس من تل أبيب يهددون الآن باصدار تشريع جديد يقضي بنقل السفارة دون اعطاء الرئيس صلاحية تفعيل القرار. وكلينتون مثل باراك عليه ان يمتلك الارادة السياسية والشجاعة المطلوبة اذا ما أراد مواجهة هذا التهديد. وبعض مستشاري الرئيس يحذروه من هكذا تحد. ويقولون بأن أصدقاء اسرائيل سيفوزون في الكونجرس ويهزمون اعتراضاته ولذلك يحثونه على التوصل لحل وسط. ومع اقتراب الانتخابات الامريكية عام 2000, تثور التكهنات بأثر اتخاذ كلينتون لموقف قوي جدا في هذه القضية. على كل حال فهذه النصيحة معيبة. لأنه اذا ما فشل الرئيس في ايقاف محاولة الكونجرس لنقل السفارة, فإن النتائج لن تضر وحسب بعملية السلام بل وبمكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وبينما يتم التخطيط لهذه السيناريوهات العصيبة في اسرائيل وواشنطن, تبذل جهود في الولايات المتحدة لحث الدول العربية على ارسال اشارات بحسن النوايا لرئيس وزراء اسرائيل الجديد, أي الى حكومة لم تكشف عن نفسها بعد. وهذه أيضا نصيحة معيبة. فهي تتجاهل حقيقة ان العرب قد قاموا مسبقا بعدة خطوات لا رجعة فيها باتجاه دعم السلام. والفلسطينيون تحديدا قد قدموا الكثير ولم يحصلوا الا على القليل في المقابل. فبعد ست سنوات على توقيعهم الاتفاقيات المبدئية مع اسرائيل, ما زال الفلسطينيون أفقر وأكثر بطالة وأقل حرية في التنقل للخارج ويتعرضون لمصادرة أراضيهم, ويشهدون المزيد من الطرق والمستوطنات التي تغزو أراضيهم ولذلك تراجعت آمالهم في التوصل لحل. اسرائيل هي الطرف الذي يجب ان يظهر النوايا الحسنة, على الأقل بتفكيك التهديدات شديدة الخطر على الحقوق العربية وعلى السلام التي خلفها نتانياهو وراءه. باراك الآن مشغول بمفاوضات داخلية حساسة لتشكيل حكومة جديدة. ويمكنه في هذه المفاوضات ان يختار اما الوحدة الوطنية وتحالفا حكوميا واسعا سيصاب بالشلل عندما يواجه الحاجة لاتخاذ قرارات صعبة, أو ان يشكل حكومة ملتزمة بالسلام ومستعدة للعمل على مواجهة اعداء تفعيل الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين. واذا ما كان على الولايات المتحدة ان تضغط على احد الطرفين, يجب ان يكون باراك, لاعطائه الدفعة التي يحتاجها لتشكيل حكومة قادرة على تمشيط حقول الالغام التي وضعت في طريق السلام. واذا ما أراد باراك ان يخلص اسرائيل من تركة نتانياهو الخطرة, ويفعل ذلك فعلا على ارض الواقع, عندها فقط يمكن لاطراف النزاع ان تعود للعمل معا لترسيخ الثقة دون الخوف من تفجرات جديدة. * رئيس المعهد العربي الأمريكي بواشنطن