في ذلك الاجتماع السري عرض رئيس الخلية السرية الماركسية على الاعضاء مشروعا لنسف القاعدة الجوية الامريكية الواقعة على احد اطراف العاصمة الفيتنامية الجنوبية (سايغون) كان ذلك في اواخر الستينات عندما بلغت الحرب اعلى ذراها بين نصف مليون جندي امريكي وقوات الحركة الثورية الفيتنامية . رئيس الخلية كان يطلب عشرة متطوعين لتنفيذ المهمة الخطيرة المعروضة. اجل.. متطوعين لان المهمة كانت انتحارية وعلى الفور نهض اعضاء الخلية كلهم وعددهم اربعون ينشدون التطوع الانتحاري, وبصعوبة تمكن رئيس الخلية من اقناع الثلاثين عضوا الذين لم يتم اختيارهم بان دورهم سوف يأتي في مهمات مستقبلية, فجميع الاعضاء كانوا يتسابقون لنيل شرف الانتحار! هذه واحدة من مئات او ألوف الوقائع المتماثلة الى حد التطابق التي تحفل بها صحائف تاريخ الحرب الفيتنامية ــ الامريكية للفترة من عام 1965 الى عام 1975, وهي وقائع موثقة في تقارير المراسلين الامريكيين وما صدر لاحقا من كتب باقلام شهود عيان غربيين وافلام ومسلسلات امريكية. والسؤال الذي يطرح هو: لماذا يتطوع للموت المحقق شخص يعتنق عقيدة غير دينية.. بل هي تتصادم رأسيا مع العقائد الغيبية؟ الموت الحتمي في هذه الحالة وبهذه الطريقة لايقدم عليه طوعا الا من يؤمن بوجود حياة اخرى في عالم الغيب هي افضل وابقى, ولذا فان الاستشهاد في القتال في سبيل الله والعقيدة يعتبر في الاسلام من اعلى درجات الايمان. فالمستشهد زهد في الدنيا فصار يبغي الجنة ونعيمها المقيم الذي لايحول ولذا ايضا فإن الاسلام يفرق بين الاستشهاد والانتحار. فبذل النفس من اجل العقيدة مع ايمان متين بالحياة الاخرى والتوق الى الجنة ومرافقة التبييت والصديقين والشهداء فيها شيء يختلف جوهريا عن قتل النفس بدافع اليأس من رحمة الله (والعياذ بالله) في الحياة الدنيا مع عدم ايمان بحياة اخرى. هذا بدوره ينقلنا الى سؤال يعود بنا الى قضية الانتحاريين الفيتناميين في الحرب ضد الامريكيين: هل كان انتحارهم بدوافع يأس شخصية وبالتالي لاسباب محصورة في مصاعب الحياة اليومية على المستوى الذاتي وليس من قبيل الشجاعة والاقدام والانتصار على العدو؟ اعترف بأنه ليس لدي اجابة قاطعة عن هذا السؤال, لكن بعد عشرين عاما من نهاية الحرب الفيتنامية التقيت في لندن خبيرا كنديا في الشأن الفيتنامي, كان محور حديث مايكل ماكلير عن الجانب الفلسفي والديني لدى شعوب الهند الصينية وشرق اسيا مع اشارة خاصة الى العلاقة مع الاطروحات الماركسية. يقول ماكلير ان الاشتراكية في الهند الصينية ليست من حيث التطبيق الاشتراكية كما عرفتها روسيا واوروبا الشرقية فقد امتزجت الافكار الاشتراكية في فيتنام وكمبوديا ولاوس بالعقائد الدينية وفي مقدمتها البوذية, اي بالاطروحات الغيبية, ومن ذلك ان المذهب البوذي ينطوي على طرح حياة غيبية من نوع ما غير الحياة الدنيا رغم انه طرح يختلف عن طرح العقائد السماوية. ومن هنا يستخلص ماكلير ان اولئك الشباب الفيتناميين الذين كانوا يتسابقون سباقا الى الموت لم يكونوا في الحقيقة اشتراكيين ماركسيين بالمعنى الحرفي المتداول في اوروبا. ومع ذلك يبقى استخلاص ماكلير على هذا النحو قناعة استنتاجية غير قاطعة بصورة نهائية كما يعترف هو شخصيا, ولذا يبقى السؤال المطروح معلقا. على ان هذا لايمنع من اصدار حكم موضوعي بشأن نضال الفيتناميين ضد التدخل العسكري الامريكي, فبشهادة الامريكيين انفسهم كان المقاتلون الفيتناميون يصولون ويجولون في ميادين القتال ببسالة اسطورية ضد اعظم قوة عسكرية في التاريخ في اطول حرب في العصر الحديث. * كاتب صحفي وسفير سوداني سابق