أثناء الحرب العالمية الأولى وضعت مصر تحت الحماية البريطانية وأعلنت الاحكام العرفية وخضعت الصحف للرقابة فاختفت المجادلات السياسية واتجهت معظم الصحف نحو الموضوعات الفنية والاجتماعية .... ولم يجد فريق من الكتاب الشبان انذاك , مجالا للكتابة في الشؤون السياسية الداخلية كان من بينهم (طه حسين ومحمد حسين هيكل ومصطفى عبد الرازق ومنصور فهمي فاتفقوا مع زميل لهم هو عبد الحميد حمدي) على أن يشتركوا معا في تحرير جريدته (السفور) لتصدر اسبوعية اجتماعية ادبية لا شأن لها بالسياسة. وعلى صفحات السفور كتب طه حسين مقالا بعنوان (الحرب والحضارة) وقعه باسم مستعار, وذهب فيه الى أن الحروب هي التي دفعت الانسانية الى الأمام .. وهي التي قدمت العلم, وأقامت الحضارات ثم قال لصديقه هيكل : لقد كتبت المقال لترد عليه , وتؤيد النظرية الضارة التي تذهب الى أن الحروب ليست سوى حماقة انسانية تدمر وتخرب وتقوض الحضارات, ورحبت اسرة تحرير المجلة بالفكرة ورأوا فيها وسيلة لتعويد الشباب على التفكير ولإغراء القراء بشراء المجلة فقد كان الناس ايامها, كما هم الآن, يحبون الخلاف والجدل حتى لو تصاعد ووصل الى حد الحرب. وهكذا بدأت المناظرة بين طه حسين وهيكل لتتصاعد خلال الاسابيع التالية , وتصل الى درجة من الشدة والعنف حولت الخلاف المتفق عليه الى خلاف حقيقي هدد الصداقة بين الاثنين لولا ان المناظرة قد توقفت فجأة بسبب سفر طه حسين الى فرنسا. وكانت جماعة المناظرات احدى جمعيات النشاط المدرسي على عهد دراستي الثانوية تهدف الى تدريب الطلاب على البحث والمناقشة واستخدام المنطق وكنت عضوا نشطا بها يكلفني المشرف عليها بأن أشترك في مناظرة بعنوان (الاهتمام بالصناعة أفضل لمصر من التركيز على الزراعة) ويختار لي جانب الدفاع عن افضلية الزراعة مثلا ويزودني ببعض العناصر ويرشدني الى عناوين كتب لأعود اليها في مكتبة المدرسة لإعداد دفاعي ) 0 ومع أنني كنت اكتشفت أثناء القراءة أن الصناعة هي الافضل فقد كنت احتشد للدفاع عن أفضلية الزراعة بكل ما أستطيع وأهمل وأزدري كل حقيقة يمكن أن يستفيد منها الخصم, أو تدعم وجهة النظر المضادة.. وما لبث حماسي لجماعة المناظرات ان فتر فتركتها بعد ان استفدت منها كثيرا.. وكان من بين هذا الكثير أنني نفرت من هذا المنهج الاستقطابي في التفكير وامنت بأنه يفسد العقل ويضله! وما يزعجني أن اسلوب المناظرة , ومنهج التفكير الاستقطابي لا يزال يعيش في حياتنا الفكرية والسياسية .. وأننا لم نتقدم كثيرا خلال العقود التسعة التي مضت منذ وقعت المناظرة بين طه حسين وهيكل بل لعل العكس هو الذي حدث : شاع اسلوب المناظرة في المجالات السياسية والفكرية واجتذب اهتمام شرائح أوسع من الناس , ولم تعد هناك محطة تلفزيون عربية ارضية أو فضائية إلا وهي تقدم برنامجا أو أكثر يقوم بنفس الدور الذي كانت تقوم به جماعات المناظرات في مدرستي الثانوية وفضلا عن أن الاسلوب نفسه يفسد العقل ويضله فإن المستوى قد هبط. وأشهر وأنجح برامج المناظرات التلفزيونية العربية هو برنامج الاتجاه المعاكس الذي تقدمه قناة الجزيرة الفضائية وهو برنامج جذاب يتعرض دائما لحملات من الهجوم الكاسح لمزاياه لا لعيوبه .. فهو يهاجم لأنه يتيح مساحة أوسع من الحرية لمناقشة القضايا السياسية التي تتعلق بالأمة أو بأحد أقطارها وليس لأنه يروج لاسلوب المناظرة ولمنهج التفكير الاستقطابي وفي كل مرة كنت أدعى للمشاركة في أحد حلقاته أجد نفسي أمام نفس الخيارات الصعبة التي كان يضعني فيها المشرف على جماعة المناظرات في مدرستي الثانوية .. وكنت أعتذر لأنني لا أميل الى هذا النوع من التفكير الاستقطابي , بل وأعتقد أنه يضل الأمة ويفسد عقلها0 ولأن الناس كانوا ولا يزالون يحبون الجدل والعراك ويجدون فيهما متعة وجاذبية ونوعا من الاثارة يتغلبون بها على ملل حياتهم فإن برامج المناظرات تتميز بنوع من الجاذبية الخاصة لدى مشاهدي القنوات التلفزيونية , خاصة التجارية منها, التي تعتمد على الاعلانات أو الاشتراكات أو كليهما ... وهو ما يدفعها للاستزادة منها وللحرص على أن تكون دائما ساخنة جدا ..لذلك تختار موضوعاتها بحيث تكون مناظرة بين الابيض والاسود .. وتستبعد أية منزلة بين المنزلتين , وتختار المتناظرين بحيث ىمثلون وجهات نظر متعاكسة تماما .. وتبتعد عن هؤلاء الذين يرون في السواد بياضا أو في البياض سوادا.. وهي تفضل عادة أن يكون هؤلاء المتناظرون من اصحاب السوابق الذين سبق لهم الاشتراك في عراك حول نفس الموضوع على صفحات الصحف, ليستأنفا الحرب التي بدآها على الارض في الفضاء. وهؤلاء الضيوف يشحنون عادة اثناء الاعداد للبرنامج وقبل الظهور على الشاشة بحيث يكونون جاهزين لتقديم عرض ساخن ومباراة عنيفة في الملاكمة أو المصارعة الحرة .. بعد تحريض كل منهما على الآخر .. بحيث يظهر كل منهما على الشاشة وكأنه قد بلع عمودا من الحديد المحمي .. فهو ساخن من أول مشهد ومتشدد الى اخر لقطة .. وكل ما يهمه ان تنتصر وجهة نظره بصرف النظر عن حيثيات الطرف الاخر وأن يهزم خصمه بالضربة القاضية بصرف النظر عن مشروعية الاسلحة التي يستخدمها وصحة المعلومات التي يستند اليها. وليس نادرا في هذا النوع من البرامج أن يفقد أحد الطرفين أعصابه فيتهم خصمه بأنه كافر أو أنه خائن وعميل للموساد و للسي اي ايه وللكي جي بي فينذره الاخر بأن يغلق فمه حتى لا يضطره لفتح ملفاته, وهذا الحديث عن الحكاية اللي بالي بالك ويلوح بيده بمجموعة من الاوراق في اشارة الى أن لديه المستمسكات التي تنسفه نسفا, أما الشائع فهو أن يتبارى الطرفان في الصراخ فيتداخل السبرانو بالتينور والغليظ بالمسرسع فلا يسمع أحد من المشاهدين شيئا مما يقولانه ولا يفهم منه حرفا ولا معنى الا وجع الدماغ. وهكذا ينتهي هذا النوع من المناظرات من دون ان يضيف جديدا الى من يتابعونه, فالمشجعون الذين ينحازون الى احدى وجهتي النظر ويقفون مع أحد الديكين المتصارعين على الشاشة يكتفون بتشجيع ديكهم وكلما نقر الديك الاخر في وجهه أو نهشه باظافره أو هدده بكشف اللي بالي بالك رقصوا وتهللوا وصاحوا وصفقوا جون فهم لا يعنون بفهم وجهة نظر الطرف الاخر ولا تغير المناقشة من انحيازاتهم ولا تدفعهم لاحترام حق هذا الاخر في ان يختلف او ان يجتهد على غير مايرون ويرى ديكهم الفصيح. اما المحايدون الذين لم يكونوا وجهة نظر في الموضوع فهم يكتفون بما تتضمنه المباراة من اثارة وتشويق ويخففون من بعض توترات الحياة, وينفسون عن مشاعر العدوان والغضب المكبوتة والتي لا يعرفون لمن تتوجه, ويخرجون من المشاهدة كما دخلوا اليها من دون أن يفهموا القضية المثارة, أو ينحازوا لأحد أطرافها لان اهتمام كل طرف كان مركزا على هزيمة الطرف الاخر وليس لاجتذابهم الى صفه, واقناعهم بصحة منطقه, والغالب ان بعضهم سوف يكتشف بعد قليل ان متابعة مباريات كرة القدم اكثر اثارة. ولا أحد ينكر ان فنون الاعلام لا تستغني عن عوامل للجذب والتشويق ومن بينها درجة من الاثارة تظل مشروعة طالما انها لا تتجاوز الحدود لتصبح مطلوبة لذاتها, فهي أشبه بالمشروبات التي تقدم قبل الطعام أو تضاف اليه, واذا كانت عدة أطباق من المشهيات وقليل من الملح وبعض الفلفل وشيء من الشطة مطلوبا, فان الكثير من المشهيات يصد النفس عن الطعام, والكثير من التوابل يفسد المعدة ويضل العقل. ويذكرني ذلك بـ (رغيف الحواوشي) وهو نوع من الشطائر كان أشهر من ماكدونالدز وكنتاكي قبل عشرين عاما, وكان يتكون من رغيف يحشى باللحم ويخلط بنسبة من التوابل تعطيه مذاقا شهيا, ولما أقبل عليه الناس دخل المقلدون الى السوق ليغمروه برغيف نقلوا له الاسم نفسه, لا نفس المواصفات, فقلت كمية اللحم, واستبدل بلحم القطط والكلاب, وزادت كمية الفلفل والشطة لتخفي طبيعته .. ولأن العملة الرديئة تطرد العملة الطيبة من السوق, فقد اختفى سندوتش الحواوشي الأصلي, ليروج سندوتش المقلدين, كما اختفت الصحافة الجادة, لتسود صحافة واعلام الحواوشي! وصحافة الحواوشي ــ كاعلامه ــ صحافة عناوين حراقة بلا مضمون, وأخبار منحازة لم يدققها أحد, وكلام مقاه يتحول الى مانشيتات زاعقة لا يخجل أحد اذا ثبت كذبها .. وأحاديث تزور, ومعارك وهمية لا هدف منها الا الايقاع بين أكبر عدد من الناس ودفع الجميع (للتلطيش) في الجميع, وبرامج تلفزيونية تستنطق الناس ــ وخصوصا الفنانين ــ للحديث عن أدق أمورهم الشخصية, فترسخ بذلك قيمة خلقية سلبية شائعة لدى العرب, هي النميمة واهدار حق الخصوصية .. ومتحدثون لا يتورع بعضهم عن الطعن في آخرين غائبين من دون احترام لحقهم في الدفاع عن أنفسهم .. ومتناظرون (يمرمط) أحدهم الآخر ويبطحه أمام الناس وكأنهما في حلبة صراع ثيران. تلك بعض أعراض ما سماه (كامل زهيري) يوما بـ (حالة الكفاف الديمقراطي) التي تعيش فيها الأمة .. وما سماه (فتحي رضوان) بـ (ديمقراطية اقفاص الدجاج) فلايزال الهامش الديمقراطي المتاح أمام الأمة محدودا وضيقا, وليس أمام الدجاج المحبوس في القفص سوى أن يكاكي ويرفع صوته لعل أحداً يسمعه أو يستجيب له, .. ثم ان حرية الصحافة والاعلام, هي واحدة من آليات الديمقراطية, وما لم تتكامل هذه الآليات, بالانتخابات الحرة النزيهة, وبتداول السلطة وبحرية تكوين الأحزاب, وصون حرية الفكر والاعتقاد وباطلاق حرية اصدار الصحف, فسوف يظل الحال على ما هو عليه, سيختفي اللحم الديمقراطي فلا يبقى الا الفلفل والشطه, والصراع لذات الصراع, وسوف تزحف صحافة الحواوشي لتحتل الساحة, ونتقدم ديمقراطية صراع الديكة لتحل محل الديمقراطية الحقيقية. وتلك حالة لا تؤهلنا لاقتحام الألفية الثالثة, بل تعود بنا الى بداية الألفية الثانية, وربما الألفية الأولى.