انتفضت الخارجية الامريكية احتجاجا على صدور القانون الجديد للجمعيات الاهلية في مصر, وادلى المتحدث الرسمي باسم الوزارة بتصريح شديد اللهجة ضد القانون , ومع انتفاضة الخارجية الامريكية انطلقت حملة اعلامية بدأتها محطة (سي.إن.إن) تذرف الدموع وتلطم الخدود وتطالب بمعاقبة مصر التي اكتشفوا فجأة انها غير ديمقراطية وغير انسانية! والقانون الجديد وضع قيودا على نشاط الجمعيات الاهلية, وتم تمريره في مجلس الشعب بسرعة, واثار اعتراضات كثيرة خاصة انه قد سبقته مشاورات طويلة مع ممثلي الجمعيات الاهلية تم في نهايتها الاتفاق على صيغة مقبولة, ثم فوجىء الجميع بمشروع قانون اهدر الكثير مما تم الاتفاق عليه. كل ذلك صحيح, ولذلك فالجدل حول القانون جدل مشروع, والخلاف عليه امر طبيعي, اما غير المشروع وغير الطبيعي فهو هذه الانتفاضة الامريكية التي ترتدى مسوح الدفاع عن الديمقراطية والنضال من اجل حقوق الانسان!! فأمريكا في هذه القضايا تملك ضميرا مرنا للغاية يمكن ان نطلق عليه انه ضمير (اسننك منه فيه) كما تقول المسرحية الكوميدية الشهيرة! فهي تغمض العين عندما تريد, وتفتحها على الآخر اذا ارادت وهي تساند ابشع الديكتاتوريات اذا كان في ذلك مصلحة امريكية, وتقيم الدنيا وتقعدها اذا سقط احد انصارها في بلد آخر, والامثلة فوق الحصر.. من ديكتاتوريات امريكا اللاتينية الى اسرائيل التي هي منارة الديمقراطية الى مساندة يلتسين ودباباته تقصف البرلمان باسم الديمقراطية وتقيم حكم المافيا والجواسيس!! القضية عند امريكا ليست قضية الديمقراطية وحقوق الانسان, ولكنها قضية المصلحة والنفوذ الامريكيين, وبالنسبة لمصر فإن انتفاضة الخارجية الامريكية حول قانون الجمعيات ليست الاولى ولن تكون الاخيرة, انها جزء من رؤية تحاول وضع مصر دائما في قفص الاتهام في محاولة للابتزاز وتعديل سياسات قد لاتتلاءم مع المصالح الامريكية او تتصادم مع السياسات الاسرائيلية, وهكذا تغض امريكا الطرف عن المذابح التركية للاكراد, ولا ترى عيبا في نازية اسرائيل, فهي تطبق بأمانة المثل الشعبي الذي يقول (حبيبك يبلع لك الزلط, وعدوك يتمنى لك الغلط) وهكذا تبلع امريكا زلط تركيا واسرائيل, وتتمنى الغلط من مصر لتقتص منها على مواقف اخرى لاتروقها.. وما اسهل الاخطاء التي يمكن استغلالها ضدنا, كما حدث في قضية (الكشح) القرية الصعيدية التي شهدت خلافا بين لاعبين للقمار تصادف ان كانوا مسلمين ومسيحيين, انتهى الى رجال الشرطة الذين تصادف انهم تعاملوا بغباء نادر المثال مع القضية, فإذا بها تتحول عند امريكا الى قضية اضطهاد لاقباط مصر, وتدور الماكينة الاعلامية الامريكية, ويتحرك اللوبي الصهيوني, ويهدد بعض رجال الكونجرس مصر بالويل والثبور, وتتحول قضية قمار الى وسيلة لابتزاز مصر, وتتحول اخطاء بعض رجال الشرطة الى مشكلة تحتاج لتدخل الامم المتحدة وحلف الناتو! اقول ذلك وقد تعرضت شخصيا مع زملاء من نقابة الصحفيين المصريين لاعتداء ضابط مخبول ونحن نزور زملاء مسجونين في قضايا رأى بليمان طره, لكن القضية كانت واضحة امامنا فما حدث يحتاج لاصلاح في نظام الشرطة, ويحتاج لمحاسبة من سمح بوجود ضابط مخبول في الخدمة بينما مكانه الطبيعي مستشفى للامراض النفسية! وبنفس المقياس يصبح التعامل مع قضية (الكشح) صحيحا, حين يتم التعامل معها بوصفها نموذجا للانحراف في استخدام الشرطة لسلطاتها, اما تحويلها لقضية اضطهاد عنصري لاقباط مصر, فهذا هو الافك بعينه, وهذا هو التربص بمصر, خاصة حينما يكون الطرف الآخر هو امريكا التي مازال نصف سكانها من السود والملونين يشكون من آثار التفرقة العنصرية, ويتذكرون اياما لم يمض عليها الا سنوات قليلة كانت المطاعم فيها ترفع لافتة مكتوب عليها (ممنوع الدخول للكلاب و.. السود) !! وما يحدث الآن مع قضية الجمعيات الاهلية اكثر وضوحا في الابتزاز الامريكي واستغلال الاخطاء ــ وما اكثرها ــ في محاولة الاساءة لمصر, وفي قضية الجمعيات الاهلية تبرز جمعيات حقوق الانسان في المقدمة, فهي اساس الخلاف الدائر حول القانون الجديد, وهي موضوع الحملة التي بدأت وتتصاعد. وقضية التعامل مع جمعيات حقوق الانسان هي سلسلة من الاخطاء التي ارتكبها الجميع, من جانب السلطة.. فقد رفضت من البداية الاعتراف بشرعية هذه الجمعيات, واضطرت الجمعية الام (المنظمة العربية لحقوق الانسان) الى عقد اجتماعها التأسيسي في قبرص بعد ان رفضت كل العواصم العربية استضافة الاجتماع. ورغم عدم الاعتراف الرسمي بالمنظمة, فقد سمحت لها السلطات بممارسة نشاطها بعد ذلك وبنفس الطريقة تم التعامل مع المنظمات المصرية التي تعددت في هذا المجال, وبدلا من وضعها تحت مظلة الشرعية القانونية, تركت تعمل دون هذه المظلة او بمظلة شكلية كتلك التي استخدمها اخيرا الذين اقاموا نقابة الصحفيين المزيفة. وكانت النتيجة خليطا من الجماعات والتنظيمات التي تعمل في مجال حقوق الانسان بعضها جاهد واجتهد وقدم اسهامات كبيرة لقضية حقوق الانسان في مصر, وبعضها تحول الى مجرد (بوتيكات) للاسترزاق.. خاصة بعد ان عرفت طريق الحصول على المعونات المالية الاجنبية. وقضية التمويل الاجنبي قضية شائكة للغاية, وقد بدأ التنبيه لخطرها في هذا المجال في بداية الثمانينات, ولم تكن حقوق الانسان وجمعياته هي الموضوع يومها, وانما كمان الموضوع هو البحث العلمي, حيث تم الكشف عن محاولات امريكية دائبة لاستقطاب العقول العلمية المصرية في مشروعات بحثية يتم تمويلها من الامريكان. وكان الخطير ان هذه المحاولات تتم بعيدا عن اشراف الجامعات ومراكز البحث القومية, وتتم حول موضوعات لاتخدم في معظمها البحث العلمي او قضايا التنمية, وانما تستهدف امرين: استنزاف العقول العلمية المصرية وتبديد طاقاتها بعيدا عما يفيد الوطن, ثم الحصول على اكبر قدر من المعلومات عن كل شيء في مصر, واظن ان جهودا كثيرة قد بذلت منذ ذلك الحين لتصحيح الاوضاع ووضع هذا النشاط البحثي تحت اشراف الجامعات ومراكز البحث القومي. اما الجمعيات الاهلية.. فقد انفجر موضوع التمويل الاجنبي لها قبل سنوات, حين رتب احد المراكز الخاصة التي يشرف عليها الدكتور سعد الدين ابراهيم لمؤتمر حول حقوق الاقليات في العالم العربي, ويضع اقباط مصر ضمن هذه الاقليات المضطهدة في بلادها, وقد رفضت الحكومة عقد المؤتمر في مصر, ولكن الرفض الاقوى والاهم جاء من جانب الرأي العام ــ بمسلميه ومسيحييه ــ الذين رفضوا ان يكون الاقباط اقلية فهم جزء من نسيج الوطن الواحد في مصر التي حسمت هذه القضية مبكرا, ساعدها على ذلك استقلالية الكنيسة المصرية واعتزازها بمصريتها وايمانها العميق بالمصير المشترك لكل المصريين الذين وقفوا معا على مر التاريخ ضد الصليبيين وضد الاحتلال الانجليزي وضد الخطر الصهيوني. فشلت المؤامرة.. ولكنها نبهت الى عدة امور منها الاصرار الامريكي على تفجير قضية الاقباط في مصر بكل الوسائل, والتسلل الامريكي الى بعض الجماعات والجمعيات تحت شعارات حقوق الانسان لاشعال الفتنة الطائفية ثم التمويل الاجنبي لهذه النشاطات والذي يتم عن طريق منظمات امريكية او اوروبية معظمها ليست بعيدة عن اجهزة المخابرات الغربية. ثم جاءت قضية (الكشح) والضجة التي اثيرت حولها, ووجود احدى منظمات حقوق الانسان طرفا في الموضوع, حيث تم استغلال احد التقارير التي اعدتها المنظمة الموضوع استغلالا سيئا في محاولة للضغط على مصر, وخلال الضجة برزت قضية التمويل الاجنبي مرة اخرى, ووضحت الحاجة الى وضع قواعد تحكم التعامل مع هذا الموضوع الخطير, والى قانون جديد للجمعيات الاهلية يتسع لنشاط جمعيات حقوق الانسان ويضمه داخل نطاق المشروعية وسلطة القانون. وكان المفترض ان يكون القانون الجديد هو الاطار الذي يستخرج من تجربة السنوات الماضية ومن متطلبات المستقبل القواعد التي تنظم عمل الجمعيات في خدمة المجتمع, ولكن التعديلات التي ادخلت على مشروع القانون الذي تم الاتفاق عليه, فتحت الباب مجددا للخلافات, وفتحت الباب ايضا لتدخل مرفوض من الخارجية الامريكية ولحملة اعلامية غربية تستهدف مصر وتضغط عليها. لكن وقوفنا في مواجهة هذه الحملة, ورفضنا للتدخل الامريكي لاينبغي ان ينسينا حقائق اخرى لابد ان تحكم حركة الجميع. * واول هذه الحقائق ان منظمات المجتمع المدني لابد ان تتدعم وتقوى اذا اردنا مجتمعا يشارك الجميع في بنائه, وتتخلى الجماهير فيه عن سلبيتها لتنخرط في العمل العام, ومن هنا فإن حصار الاحزاب والنقابات والجمعيات لابد ان ينتهي, لتقوم هذه المؤسسات الهامة بدورها. * والحقيقة الثانية ان قضية التمويل الاجنبي وما رافقها من شبهات قد اضرت بالكثير من هذه المنظمات, خاصة حين يرتبط التمويل باثارة قضايا تمس الوحدة الوطنية, وتنفذ (اجندة) يتم وضعها لاهداف لايمكن ان تخدم مصر, وتركز على (الاقباط) المضطهدين(!!) وكأن في مصر حرب اهلية او على وشك الاندلاع! وفي هذا المجال فإن كل التيسيرات الممكنة ينبغي ان تمنح لتوفير التمويل الوطني لهذه الجمعيات بدلا من التمويل الاجنبي, ولن يتم ذلك الا اذا تغيرت النظرة الرسمية الى هذه الجمعيات من كونها جمعيات مشاكسة الى اعتبارها سندا حقيقيا للعمل من اجل ارساء الديمقراطية والمشاركة الجماعية والعمل الجاد من اجل تأمين الحريات وتوفير الخدمات. * والحقيقة الثالثة.. اننا في حاجة الى نقطة اتفاق.. فلا تعتبر السلطة ان وضع القيود على النشاط الاهلي ومحاصرة المجتمع المدني من احزاب ونقابات وجمعيات هو امر في صالح الامن والاستقرار.. فالعكس هو الصحيح, واطلاق النشاط الاهلى هو الطريق لمجتمع فاعل مبدع, تنمو فيه قدرات الافراد ويتسع مجال الحرية, وتنهزم فيه نزعات التخلف وتختفي اساليب القهر. على الجانب الآخر.. فإن التنظيمات المدنية من احزاب ونقابات وجمعيات, ينبغي ان تدرك ان معركتها طويلة وصعبة, وانها لن تكسبها الا بالحرص على مصلحة الوطن, والبعد عن الشبهات, والالتصاق بهموم الناس وقضايا المجتمع, والسير على الاشراك في سبيل ماهو حق ومفيد للوطن والمواطن. انها مهام لاتحققها انتفاضة الخارجية الامريكية المشبهوة, ولا الحملة الاعلامية الغربية, ولا التشنج من اطراف النزاع الحقيقيين ولكن يحققها الحوار الحقيقي على ارض الوطن, ولمصلحته. واغلب الظن ان الحملة الاعلامية الامريكية ستستمر, وقضية القانون الجديد ستنضم للحملة المشبوهة لبعض اقباط المهجر.. والتوقيت مفهوم قبل رحلة الرئيس مبارك المقررة لامريكا, والهدف واضح.. الضغط والابتزاز في محاولة لتعديل مواقف ابعد ما تكون عن الديمقراطية وحقوق الانسان التي لن يحميها في مصر الا نضال المصريين, انه درس التاريخ الذي لاينبغي ان ينساه احد.