توقفت مئات من مزارع الدواجن والابقار والخراف عن العمل, في بلجيكا وهولندا وعموم أوروبا, بانتظار اجراء الفحوصات للتأكد من خلو هذه الحيوانات من مادة الديوكسين , وعدم تناولها الاعلاف الملوثة, التي انتجتها شركة بلجيكية وثبت تلوثها بالمادة المذكورة, المعروفة بتسببها لمرض السرطان, كما تلقت هذه المزارع اوامر صارمة بعدم الذبح إلى اشعار آخر. طبعا عدم الذبح خبر سار يسعد الفنانة بريجيت باردو وجمعيات الرفق بالحيوان الاوروبية, التي ربما بادرت بشكر الشركة البلجيكية المجرمة على انتاجها العلف الملوث, الذي قيل ان شحنات كبيرة منه انتشرت في اوروبا, مما عقد الوضع واثار المخاوف فعلا, حتى ان بلدانا كبريطانيا وامريكا امرت فعلا بسحب منتجات بلجيكية من ارفف المحلات من لحوم وسجق وشوكولاته ومايونيز وكل ما يمكن ان يدخل فيه لحوم دواجن أو بيض بلجيكي, وذلك حفاظا على صحة البشر. غير ان باردو, التي تدافع عن الكلاب والقطط والحمير, اكثر من دفاعها عن الدجاج والخراف والابقار, ومعها جمعيات الرفق, ربما اوقفت بسرعة شكر الشركة البلجيكية, اذا ما تم التأكد من اصابة آلاف الدواجن والحيوانات بسبب العلف الملوث, ذلك لان هذه لن يبقى امامها سوى اعدامها بالجملة في افران حامية لعدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمي, ما سوف يثير حنق باردو اكثر واكثر, وهي ترى هذه المخلوقات البريئة تأكلها النيران. وتذكرنا ازمة الدجاج البلجيكي الحالية, التي من المحتمل ان تمتد آثارها لتشمل دواجن وابقار هولندا, بأزمة جنون البقر البريطاني قبل سنوات, من التي اثارت الهلع وكبدت بريطانيا ملايين الجنيهات الاسترلينية وهي تعالج اثارها, سواء ما يتعلق بالتجارة والتصدير أو ما يتعلق بانقاذ ثروتها من المواشي, بخلاف ان ازمة الدجاج البلجيكي يتسبب فيها عنصر بشري يتمثل في الشركة المنتجة للاعلاف الملوثة, فيما البقر الانجليزي جاءت ازمته من مرض عضوي يصيب البقر, استطاع الانتشار ليصيب المئات والآلاف منها. وهكذا فالازمة الحالية, لن تترك خلفها شركات من دون ان تتعرض لافلاس, من شركات انتاج اللحوم إلى شركات التوزيع, وخسائر مالية محققة, غير ان ذلك لا يهمنا, قدر ما يهمنا هو ان الشركة التي ارتكبت الخطأ, ولوثت الاعلاف متعمدة أو غير متعمدة, بدافع الربح طبعا, تكشف لنا عن جانب آخر في اوروبا, كثيرا ما نعرفه في الشرق وفي بلداننا من العالم الثالث, هو جانب الفساد, وهذا في الغرب يشمل الشركات كما يشمل المسؤولين على نحو ما نرى ورأينا سابقا, كحوادث الفساد التي يتهم فيها حاليا رولان دوما مثلا, وزير خارجية فرنسا الاسبق. وفي حكاية الدجاج البلجيكي التي طار فيها حتى الان وزيران, وهناك ترجيحات بـ (طيران) مماثل لمسؤولين هولنديين كانوا على علم بالتلوث منذ شهر تقريبا من دون اتخاذ اية تدابير, فان طبيبا بيطريا من منطقة انتويرب البلجيكية على الحدود مع هولندا, كان قد كشف عن هذه الاعلاف الملوثة, إلا ان وزير الصحة البلجيكي عاقبه بالفصل ومنع نشر تقريره, فكان الثمن, بعد انكشاف الفضيحة منصبه الرسمي, وربما محاكمته ايضا. طبعا في بلداننا في الشرق تحديدا, ليس عندنا مواطنون مثل الطبيب البيطري البلجيكي يتعرضون للظلم والطرد من العمل لكشفهم حالات فساد أو اخطاء اغلبها مميت, وعلى الارجح ان هؤلاء في حال تمكنوا من كشف الفساد تتم ترقيتهم فورا في عملهم مع تقديم الثناء والشكر الجزيل لهم, ولهذا السبب تحديدا ليس عندنا بالمرة قضايا فساد ولا اخطاء مصدرها شركات أو مؤسسات عامة أو خاصة, بدليل أنه لا إقالات ولا استقالات في مشرقنا السعيد, كما يحدث في اوروبا.