من نافذة منزلي في حي (سان لي تون) الدبلوماسي في العاصمة الصينية بكين رأيت المنظر الفريد الذي انطبع في ذاكرتي منذ ذلك اليوم الصيفي في منتصف السبعينات : رجل عار الا من سروال قطني طويل يجر بحبلين متينين عربة خشبية عليها كتلة ضخمة من الحجر الصخري كان وزنها في تقديري حوالي نصف طن, ولو كان فتى شابا لما قلل ذلك من عجبي واعجابي, فما بالك انه كان عجوزا ذا لحية وشوارب بيضاء وقد تجاوز في تقديري الثمانين. حتى اليوم لا ادري من اين جاء الرجل بالصخرة وإلى أين كان يجرها, ولماذا؟, ما شد انتباهي وملك تفكري على خلفية ما رأيت في الصين لمدى ثلاث سنوات ان تقدم السن لا يحول بين الشخص الصيني ومواصلة العمل الشاق, لا احد يستسلم للخمول حتى لو بلغ مرحلة التقاعد الاجباري. والسؤال الذي يختلف حوله دارسو الصين من الخبراء الغربيين هو: لماذا يعشق الصينيون العمل؟ وبالتداعي يتوسع هذا السؤال ليشمل شعوب شرق آسيا كلها: اليابانيين والكوريين والتايلانديين والاندونيسيين والماليزيين والسنغافوريين, (ويمكن ايضا ضم الهنود والباكستانيين في غرب آسيا) . وبمزيد من التداعي نتساءل ايضا: لماذا ينفر العرب مثلا من العمل الشاق, والعمل المنتج عموما؟ لماذا يفضلون على الارجح اللاعمل أو الاعمال الهامشية التي لا تتطلب جهدا صبورا, بدنيا كان أو ذهنيا؟ التفسيرات الغربية ليست مقنعة تماما, من هذه التفسيرات ما هو منسوب إلى المناخ والطبيعة, ومنها ما هو منسوب إلى قيم دينية فيقال ان الكونفشيوسية والبوذية تضعان العمل في مرتبة التقديس, غير ان النظرية المناخية والطبيعية يدحضها التشابه المناخي بين الهند وافريقيا جنوب الصحراء مثلا مع تنافض النظرة إلى العمل بين الهنود والافارقة. اما التفسير الديني فانه يغفل ان الاسلام اكثر الاديان حضا وحثا على العمل والبذل ونبذ التراخي والخمول, بل ان العمل المنتج المفيد لصاحبه ولغيره يعتبر في المنظور الاسلامي نوعا من العبادة طالما ظل مقيدا باعتبارات الحلال والحرام. وربما يكون اقرب التفسيرات إلى الحقيقة العامل الاجتماعي المتصل بالقيم الثقافية, وفي هذا السياق نجد ان نظرة المجتمعات الآسيوية الشرقية (بغض النظر عن اختلافات انظمة الحكم السياسية وفلسفاتها الايديولوجية) إلى العمل كقيمة ثقافية هي نقيض النظرة العربية. في مجتمعات آسيا الشرقية يعتبر التبطل عن العمل اعظم عيب يمكن ان ينال شخصا, والمتبطل يعامل كمنبوذ, وهو نفسه يتوارى عن الانظار قدر الامكان. اما في المجتمعات العربية فان من علامات التميز الطبقي الاجتماعي الا يعمل الرجل اطلاقا بمعنى ان يكون مثلا في موقف يمكنه من الاستغناء عن العمل بأجر اعتمادا على مورد آخر, كأن يكون وارثا لمال منقول أو غير منقول. ويلاحظ في مجتمعات الوطن العربي كلها بلا استثناء ان من يعملون في دواوين حكومية أو في القطاع الخاص يفضلون المنصب الاشرافي ذا الاسم الرنان على مباشرة الجهد العملي الحقيقي ميدانيا, ويبدو ان هذا ارث ثقافي منذ عصور المجتمع البدوي. وقد انعكس هذا الارث الثقافي على مخرجات التعليم العالي في البلدان العربية بحيث ينفر الطلاب عن المساقات العملية كالهندسة بفروعها والكيمياء الصناعية مفضلين عليها المساقات النظرية كالاجتماع والتاريخ والقانون, فالاولى تؤدي إلى الوظائف الميدانية والثانية تقود إلى طريق المناصب الاشرافية ذات الطبيعة غير الانتاجية. هذه الظاهرة هي نقيض ما جرى ويجري في بلدان آسيا الشرقية, فالاقتصاديون الغربيون يجمعون على ان الطفرة الانمائية الكبرى بمعدلات اسطورية التي حققتها (نمور آسيا) في زمن قياسي لم تكن لتتحقق اطلاقا لولا ان نقطة الانطلاق كانت احداث ثورة في التعليم ومناهجه وبرامج البحث العلمي تعطي الاولوية للرياضيات والفيزياء والكيمياء على الانسانيات, فهل يعي العرب هذا الدرس؟