العقل هو رأسمالنا الحقيقي في هذه الدنيا.. هو محرضنا على الذهاب الى آخر الكون من اجل فكرة لا نعرف شكلها .. واختراع لا نعرف اسمه.. وبحث شديد الحساسية لانعرف كيف نخرج منه احياء في ظل كل المطاردات الجنائية التي تطالب برؤوس كل من يفكر ويجتهد.. ويفتح فتحا عظيما. بغير العقل ستسقط النجوم ميتة في حجرنا.. وسيصبح البحث العلمي نوعا من الدجل والشعوذة.. وستنكسر امام الكون ــ الذي يضاعف حجم معرفته كل 12 سنة الآن ــ مليون قطعة. خلال 30 سنة جريا وراء المتاعب في بلاط الصحافة وانا اعتقد ان صحف وصفحات الحوادث هي المكان الذي يختص بنشر اخبار المجرمين واللصوص وتجار المخدرات ولصوص المال العام.. لكنني فوجئت مؤخرا ان هذه الصحف والصفحات اصبحت مسؤولة عن البحث العلمي والحرية الاكاديمية ورسائل الدكتوراة في الجامعة.. اصبحت ساحة للجدل والاختلاف بين الاساتذة الكبار. فوجئت بصورة لاستاذة جامعية شابة وقد غطوا عينيها بالسواد على طريقة المنحرفين وقد فتحوا عليها نيران المدفعية الثقيلة وعلى رسالتها العلمية في صحف وصفحات الحوادث.. واختلفوا على جزء في الرسالة.. هل هو بحث علمي أم تجاوز في حدود الايمان.. وهي تهمة مثل الفيروس الشرس ما آن يولد حتى يتكاثر في ثوان ويكتسح الصحف والجامعات والمؤسسات الدينية والنيابة العامة دون فحص او قراءة او سماع لدفاع المتهم. الدكتورة اسمها آمال كمال محمد وهي حاصلة على الدكتوراة من جامعة عين شمس في علم النفس في 29 يوليو 1998 بعد أن ناقشت رسالتها العلمية التي قدمتها بعنوان (البناء النفسي للمرضى المصابين بفقدان الشهية) .. وقد حصلت على الدكتوراة بتقدير مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالطبع والتبادل مع الجامعات الاخرى.. وهو أعلى تقدير يحصل عليه باحث.. وتكونت لجنة المناقشة مع الدكاترة فرج أحمد وصالح حزين السيد وعادل صادق وهم من أهم أساتذة علم النفس في كلية الآداب جامعة عين شمس.. كما أنهم من الوجوه اللامعة في كافة أجهزة الاعلام التي تهوي التفسير النفسي لكل ما يمر بنا.. وأضيف لهم من جامعة الأزهر الدكتور محمد أحمد عويضة.. ووافق رئيس الجامعة على منحها درجة الدكتوراة في 15 اغسطس 1998. حملت الدكتورة شهادتها العليا وذهبت الى الكلية التي تقوم بالتدريس فيها.. كلية الآداب جامعة المنوفية لتحصل على وظيفة مدرس بدلا من وظيفة مدرس مساعد التي تشغلها.. وتكونت لجنة لفحص طلب التعيين.. ولكن اللجنة تجاوزت وظيفتها وفحصت الرسالة.. وهو ليس من حقها .. فالقانون ينص على الاعتراف بالرسائل العلمية الممنوحة من الجامعات المصرية دون تدخل ودون إعادة النظر فيها.. وبذلك تكون لجنة المنوفية قد شككت في المستوى العلمي للجنة عين شمس.. في سابقة أتصور أنها لم تحدث من قبل في مسلسل تصدع الجامعات. كان قرار اللجنة غريبا ومثيرا للدهشة ويصلح للنشر في باب (صدق أو لا تصدق) .. فقد وافقت على التعيين.. لكنها لم توافق على كل ما في الرسالة.. ورفضت شفاهة جزءا من عشر صفحات منها.. يقع في الصفحات (358 ـ 369) وعنوان (ميثولوجيا الجسد في الفكر الديني ـ رؤية سيكلوجية) .. وكان يمكن ان يظل الامر في اطار البحث العلمي والاكاديمي داخل الجامعة لولا ان الباحثة فوجئت بجامعة المنوفية تلقي بالموضوع في الطريق العام وتسمح بمناقشته في صفحات وصحف الحوادث.. واغلب الظن ان الذين تناولوا الموضوع لم يفحصوه بما فيه الكفاية فنسبوا الى الباحثة انها شككت في معجزة عصا موسى مع انها لم تقترب من بعيد او قريب منها.. كما انها شككت في معجزة الاسراء والمعراج.. مع انها كتبت بالنص ان حادثة الاسراء والمعراج قد اعطت للجسد النبوي الشريف قدرات مطلقة تخطى بها حدود الزمان والمكان (ص 368 من الرسالة) . ودار جدل علمي.. اكاديمي بين الاساتذة الكبار.. البعض يرى هذا الجزء (اجتهاد تأملي لا يناسب مناخنا الثقافي) .. ومن ثم هو (عمل يفتقر الى الحصافة وسوء التقدير على حد قول رئيس لجنة المناقشة الدكتور فرج احمد فرج الذي لم يسجل هذه الملاحظة في وقت المناقشة وانما بعد اقرارها بحوالي السنة.. ولم يسجلها في الجامعة وانما في (اخبار الحوادث) والبعض الثاني يرى انه تجاوز لامور العقيدة.. وعلى رأسهم الدكتور رمضان عبدالستار رئيس قسم علم النفس بآداب المنوفية.. والبعض الثالث يرى انه في اطار حرية البحث العلمي لا تجاوز.. ولا تطاول. ويمكن ان نوافق على هذا الجدل والاختلاف.. ويمكن ان نقبل ان تجرى هذه المناقشة في صفحات الجرائم.. ولكن.. اعترف انني صعقت عندما قرأت تصريحات منسوبة للمشرفين على الرسالة يقولون فيها بصراحة وجرأة نحسدهم عليهما.. انهم لم يقرأوا هذا الجزء من الرسالة التي منحوها درجة الدكتوراة مع مرتبة الشرف الاولى.. لقد اعترف بذلك (في اخبار الحوادث ـ ص 12 و13 من عدد الخميس 20 مايو 1999, الدكتور عادل صادق والدكتور فرج احمد فرج الذي تحجج بالسن ومشاغل لجان الترقي التي جعلته يهمل هذا الجزء من الرسالة.. اما الدكتور عادل صادق فقد قال بكل ثقة ان هذا الجزء من الرسالة لم يره على الاطلاق بل اكد نيابة عن باقي الممتحنين انهم جميعا لم يقرأوه ولم يعرفوا شيئا عنه) وهو انكار غريب فهذا الجزء موجود في الرسالة ولم تضفه الباحثة بعد اقرارها. ولا اعرف كيف لا يدافع قاض عن حكمه.. ولا استاذ جامعي عن قراره؟.. ولا اعرف كيف نصدق هؤلاء الاساتذة الكبار في القرارات التي يتخدونها في كافة نواحي الحياة.. انهم يشاركون في تحديد المسؤولية الجنائية في كثير من القضايا التي يكون تقرير الطب النفسي باترا في احكامها فهل يمكن ان يرجعوا في قراراتهم بدعوى انهم لم يقرأوا؟ ثم انهم لا يكفون طوال الليل والنهار وعبر اجهزة الاعلام المختلفة في ابداء الآراء النفسية في كافة نواحي الحياة.. بداية من الحب ونهاية بالسلام مع اسرائيل.. فكيف نثق فيما يقولون؟ وكيف نطمئن الى ان ما ينصحونا به جاء بعد قراءة.. لا بعد تسرع وعجلة... كيف يعترف هؤلاء بأنهم اصدروا حكمهم في رسالة علمية ثم يتراجعون بعذر اقبح من ذنب وهو انهم لم يقرأوا؟.. لقد جلؤوا يكحلونها فأعموها! والاكثر خطورة هو ان هؤلاء الاساتذة العظام ينسبون الخطأ الى الباحثة التي تصغر الواحد منهم بسنوات طوال وقد ظلت طالبة لهم منذ اكثر من 15 سنة.. انهم يطالبونها بحذف هذا الجزء من الرسالة والاعتذار عنه.. وهذه ليست القضية.. القضية هي مسؤولية استاذ الجامعة عن قراره العلمي.. وعدم الرجوع فيه وعدم تلبيس الخطأ الذي يرتكبه لمن هو اقل منه عمرا وخبرة..فليس معقولا ولا مقبولا ان يفعلها الكبار ويدفع ثمنها الصغار.. اننا لو قبلنا ذلك فليس من حقنا ان نتساءل لماذا غابت القدوة في اهم مؤسسة تعليمية وهي الجامعة؟ أليس من حقنا ان نتساءل لماذا كف الصغار عن احترام وتصديق الكبار؟ وهناك مصيبة اشد.. هي ما قاله الدكتور صالح حزين استاذ علم النفس بجامعة عين شمس واحد المشرفين على الرسالة.. لقد اتهم الدكتور صالح حزين رئيس قسم علم النفس في آداب المنوفية الدكتور عبدالسلام الشيخ.. بأنه افتعل هذه المشكلة لتصفية حسابات قديمة (اخبار الحوادث ـ المصدر السابق) وقد قال بالحرف الواحد: ان هذا الرجل هو الذي خلق الازمة لهذه الباحثة انتقاما من جامعة عين شمس التي رفضت تعيينه فيها.. وانه هو الذي دفع بتشكيل لجنة اخرى لفحص رسالة الباحثة وان كانت (هذه اللجنة) غير متخصصة في علم النفس المرضى.. فانحرفت انحرافا شديدا عن الحقيقة وان رسالة الباحثة حوالي 400 صفحة.. ولو كان بها عشر صفحات تعرضت فيها لبعض الافكار فهذه الافكار ستجدها في المجلات وفي الصحف وفي المراجع والباحثة لم تتعرض للدين ولم يكن هدفها مناقشة فكرة دينية. هل هناك مصيبة علمية اكبر من هذه المصيبة؟ استاذ جامعي رفضت جامعة عين شمس تعيينه بعد عودته من الاعارة في الخارج (السودان والكويت) ينتقم من الجامعة ويصفي حساباته معها على هذا النحو.. وتدفع الثمن باحثة شابة في بداية مشوارها الجامعي.. فيشهر بها.. ويطاردها محررو الجريمة.. وتنشر صورها مثل المجرمين في صحف الحوادث.. ثم تجد من يطالب بتحويلها الى النيابة لحبسها.. أو لقتلها بتهمة الكفر.. او لتطليقها من زوجها. والغريب ان كل الاساتذة الذين لا علاقة مباشرة لهم بالموضوع والذين تطوعوا بالكلام للصحف عنه لم يقرأوا الرسالة.. ولم يعرفوا كل ملابساتها.. ونقل كل منهم الفيروس للآخر.. في صورة اقرب للشائعة أو النميمة ولو فعل ذلك لاعب كرة.. أو نجم سينما.. او طالب ثانوي خرج الاساتذة الكبار ينعون حال الثقافة السمعية السائدة التي تعتمد على نقل الكلام لا على الرؤية والقراءة, لقد وقع هؤلاء الاساتذة الكبار في المطب نفسه.. وكان كل هم البعض منهم ركوب موجة التكفير.. ومواجهة التفكير.. والافتاء بغير مرجعية.. وتكريس الثقافة السمعية.. الجمعية.. السائدة.. وهي ثقافة تصلح للمصاطب والمقاهي لكنها لا تصلح للجامعة والبحث العلمي وتربية أجيال تدعي اننا ندخل بهم القرن الجديد. ان هذه الحالة الفردية للدكتورة آمال كمال تكشف بوضوح كل أمراض الجامعة التي اصبحت مزمنة: 1 ــ ان الجامعة اصبحت تناقش امورها العلمية الدقيقة ليس في مجلاتها الاكاديمية المتخصصة ولا في قاعاتها المغلقة وانما في صفحات وصحف الحوادث والجرائم. 2 ــ ان هذه المناقشة المتعجلة على طريقة جرائم البانجو تؤدي الى سوء فهم يصيب البعض بتهمة حادة.. قد تنتهي بقتله.. او تكفيره.. او ضياع مستقبله.. وفي أقل الاحوال سوء.. تصيبه بالتشهير وتحطيم سمعته. 3 ــ ان القانون يمكن تجاوزه في الجامعة احياناً.. وعندما لا يحترم القانون في الجامعة فما هو يا ترى مصيره في الشارع؟ 4 ــ ان الرسالة العلمية فقدت حصانتها.. ويمكن العبث بها بعد اقرارها.. وهو ما يجعل من المناسب استيرادها جاهزة مثل كل شيء من الخارج. 5 ــ ان اساتذة الجامعة يمكن ان يرجعوا في قراراتهم العلمية تحت ضغوط الصحافة او نتيجة الخوف على انفسهم مما لا يفصحون عنه. 6 ــ ان كل شيء اصبح من السهل حدوثه في الجامعة.. كأن يقرر الاستاذ انه اصدر حكمه في رسالة علمية دون ان يقرأ.. او بحجة انه لم يكن لديه الوقت للقراءة.. او تكون حجة عدم القراءة مبررا للرجوع في قراره وكلامه. 7 ــ ان الصراع بين الاساتذة والجامعات وتصفية الحسابات القديمة والحديثة فيما بينهم اصبح يهدد اعلى مستوى من التعليم في مصر. انني اعيد وأزيد في هذه القضية الخطيرة لان التعليم هو مشروعنا القومي.. وأمننا القومي.. وعنق الزجاجة الذي يجب ان نمر منه لنواجه عالما مجنونا بالمعرفة ويعتبرها سلاح السيطرة على مقدرات الشعوب في كافة انحاء العالم. ولو كنت من الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي لتدخلت فوراً في هذه القضية الخطيرة لانقاذ سمعة الجامعة وشرفها.. خاصة وان سمعة الجامعة من سمعة الوطن.. وشرفها العلمي هو جزء من شرفه القومي. كاتب صحفي مصري