يتواصل الصراع الخفي ــ العلني بين الاسلام والنخبة العلمانية الحاكمة في تركيا دون ان يحقق هذا الصراع تسوية بين الاسلام والعلمانية ــ الكمالية, فلا العلمانية التي هي الايديولوجية الرسمية للدولة التركية استطاعت من خلال دساتيرها وقوانينها ومختلف اجراءاتها ان تنهي القطيعة السياسية مع الاسلام التي هي هوية الشعب التركي, ولا التيار الاسلامي نجح في تحقيق تسوية مع العلمانية لتعود تركيا الى تقاليدها الاسلامية الى جانب الاصلاحات العلمانية التي وضعها مصطفى كمال باشا (أتاتورك) في عام 1923. وقد شهد الصراع على مدى ثمانين عاما مراحل مختلفة, تفاوتت بين ديمقراطية كادت ان تؤدي الى تحقيق تسوية تاريخية بينهما كما في مرحلة الرئيس عدنان مندريس (1950 ــ 1960), ومراحل اخرى احصائية استبدادية في اعقاب الانقلابات الثلاثة التي شهدتها تركيا في اعوام 1960 ــ 1971 ــ 1980, وعليه لا ينبغي النظر الى القضايا الحياتية والسلوكية في المجتمع التركي وخاصة تلك المتعلقة بالحرية الشخصية كارتداء الحجاب واطلاق اللحى ومدارس تعليم القرآن... الخ, أو حتى مظاهر التعبير عن الهوية القومية (غير التركية) كمسائل بسيطة, بل هي مسائل في غاية الحساسية لطرفي الصراع, فالمسألة هنا تتعلق بنظرتين مختلفتين للدولة والمجتمع والدين. خطورة هذا الصراع لا يمكن في استمراره بالوسائل السلمية ووفقا لقواعد اللعبة الديمقراطية التي سنتها التجربة العلمانية التركية نفسها, انما في استمرار حصر الاصلاحات العلمانية بالكمالية كأيديولوجية رسمية مطلقة للدولة والمجتمع في مرحلة أضحت هذه الأيديولوجية عاجزة عن تأطير الحياة اليومية للدولة والمجتمع والأفراد وكذلك عن مواكبة التحولات الاجتماعية والفكرية والسياسية الجارية في البلاد. خاصة ان هذا العجز حول اللعبة الديمقراطية في معادلة السياسة والسلطة الى مفارقة حقيقية, فالجيش التركي الذي يعد نفسه حامي النظام الديمقراطي, وبخلاف الاسس الديمقراطية صعد في السنوات الأخيرة من وتيرة نهجه الاقصائي واجراءاته الأمنية ضد التيار الاسلامي لإبقائه بعيدا عن السلطة بعد ان اصبح تيارا جماهيريا. في حين يرى التيار الاسلامي ــ والمتمثل حاليا بحزب الفضيلة ــ من حيث المبدأ انه يجسد المعاني الحقيقية للديمقراطية في معادلة السياسة والسلطة ــ وحسبه ــ فإن الجيش سقط في امتحان الديمقراطية, وهو بتحوله الى الاستبداد والنهج الأمني أضحى خطرا على الديمقراطية, فهو يعرقل مسار التحولات السلمية في المجتمع ويدفع حركة الأمور باتجاه التصادم والانفجار. وفي الواقع, مسألة الديمقراطية والعلمانية في تركيا, مسألة شائكة ومعقدة بسبب طبيعة التركيبة السياسية الفريدة في تركيا التي تمزج بين الحكم العسكري المباشر الذي هو سمة لكل بلدان العالم الثالث وبين الحكم المدني (البرلمان) بنموذجه الديمقراطي الغربي, وفي تحديد دور الجيش وعلاقته بالعملية السياسية الجارية, يرى (الجيش) ان مهمته ومبادئه تقتضيان منه التدخل في كل ما يمت بصلة للعملية السياسية, اي انه فعليا يقوم بدور الحزب الواحد في اطار نظام ديمقراطي جزئي. ولهذه المسألة علاقة بنشأة الجيش وتطوره وعلاقته بالدستور. فالجيش التركي الذي هو مؤسسة من مؤسسات الدولة وأقواها, نشأ نشأة وطنية وقومية اسند اليه تاريخيا مهمة حماية (النظام العلماني) وفق قواعد دستورية على النحو التالي: الجيش يحمي الدستور, الدستور يحمي الجيش, للحيلولة دون النيل من الأسس التي شيدت عليها الجمهورية التركية. وعليه كان مصير كل من حاول النيل من أتاتورك والأيديولوجية الكمالية الاقصاء وفي مقدمتهم الرئيس التركي عدنان مندريس الذي أعدمه الجيش عقب انقلاب عام 1960. والدرس الذي يجب استخلاصه من التجربة العلمانية في تركيا هو ان هذه التجربة تختلف عن التجارب العلمانية في الدول الغربية والتي أخذت الدين بعدا حضاريا في هوية دولها ومجتمعاتها وأفرادها, بخلاف التجربة التركية التي قامت اساسا على اقصاء الاسلام كهوية ونظام حياة وعبادة وثقافة من المجتمع والعمل على اقتلاعه من ذاكرة الأتراك وقطع كل صلة له مع التاريخ والتراث والجغرافية. ورغم كل الاجراءات القانونية والأمنية التي اتبعتها الحكومة التركية المتتالية لم تنجح جميعها في ايجاد انسان غربي الهوية مفهوما ونظرة, بل بقي الاسلام متأصلا في نفوس الأتراك يشدهم الى العودة اليه وإلى الارتباط بالدائرة الحضارية الاسلامية, والتحولات الاجتماعية والسياسية التي يشهدها المجتمع التركي تؤكد ذلك. ومثلما غيبت الكمالية الاسلام هوية متأصلة في البلاد, أنكرت ايضا التعدد القومي والاثني والطائفي في تركيا, وعدت كل من في تركيا هو تركي بالضرورة, حيث نصت الدساتير التركية المتتالية على ذلك, وعلى سبيل المثال المادة 66 من دستور 1982 (يعمل بهذا الدستور حاليا) تقول: (ان كل مواطن في الدولة التركية هو تركي) والمادة 88 منه تقول: (ان جميع سكان تركيا وبصرف النظر عن معتقداتهم الدينية وانتمائهم القومي هم اتراك) ومعروفة تلك الشعارات التي تقول: (أنا سعيد لأني تركي) . وعلى هذا الاساس عملت الحكومات التركية المتتالية على حصر الامكانات لدى القوميات الاخرى في التعبير عن ذاتها القومية لصالح النزعة القومية التركية كقومية وحيدة في البلاد, لتشهد هذه الأسس القسرية انشقاقا قوميا كرديا مريرا, ليؤكد هو الآخر (الكردي) على الهوية القومية, وربما المطالبة بالاستقلال, والتطورات المستقبلية ترشح المسائل الشبيهة كالمسألة الأرمنية والعلوية وربما العربية للتصعيد, خاصة ان الجيوسياسية التركية متداخلة قوميا وطائفيا مع المحيط الخارجي. هاتان الحقيقتان (الاسلام والتعدد القومي) اللتان انكرتهما الكمالية وغيبتهما على أمل التحديث والعصرنة شكلتا على الدوام ثغرتين عميقتين في التجربة العلمانية في تركيا, هل هذا يعني ان الكمالية كأيديولوجية لم تكن علمانية في الأساس؟ اذا كانت العلمانية بالمعنى الحقيقي المتعارف عليه في الأدبيات السياسية الغربية تعني فصل الدولة عن الدين وتحرير المجتمع المدني من اكراهات الدولة, فإن مبادىء الكمالية لا تتفق وهذه المعاني للعلمانية, بل هي في التحليل والتشخيص أقرب الى أيديولوجية نصف قومية نصف عسكرية نصف علمانية برعاية الجيش, وهكذا العلمانية في تركيا وكأنها من مهمة الجيش وبعض النخب السياسية فقط وليس من مهمة المجتمع وحركته. ان الكمالية كأيديولوجية اقترنت بالعلمانية اذا لم تحقق تسوية تاريخية مع الاسلام السياسي وتنهي القطيعة معه فإن التحولات الجارية في مسارها نحو (أسلمة) المجتمع والدولة, ستفضي بالصراع المستحكم بين الاسلام والعلمانية الى الخروج من مساره السلمي الى أزمة مفتوحة على احتمالات دموية قد تلحق خسارة مصيرية بتركيا واستقرارها. كاتب وصحفي سوري