احدى العادات الفكرية السائدة في اجهزة اعلامنا وفي تعليقاتنا السياسية هي التسرع في الاحكام والتقييمات من ناحية , وطابع (الحدية) الذي تتسم به تلك الاحكام والتقييمات من ناحية اخرى, اما التسرع فيقصد به اصدار الاحكام قبل ان تتوافر لدى الانسان كل المعلومات الضرورية لابداء وجهة نظر موضوعية بشأن قضية ما, اما (الحدية) فيقصد بها ان يتم قولبة كل الامور وفقا لمنهج (اما.. واما) . والتسرع في ابداء الاحكام يكشف عن سلوك عاطفي فيه من الحكم اكثر مما فيه من (التحليل) ذلك ان اي تحليل سياسي او اقتصادي او اجتماعي علمي لابد ان يستند الى حد ادنى ضروري من المعلومات عن الموضوع محل البحث, وفي غياب مثل تلك المعلومات يصبح الحكم او الرأي مسألة وطنية او انطباعية تكشف عن ميول صاحبها وانحيازاته اكثر من تقديمها تفسيرا او تحليلا لقضية ما, ومن ثم فإنها لاتساعد على تقديم صورة صحيحة للرأي العام بل قد تكون مصدرا لتضليله. ونفس الشىء ينطبق على سمة (الحدية) التي تتسم بها كثر من مواقفنا وتحليلاتنا السياسية والاجتماعية فلدى كثير منا, فإن كل الامور تقع في احدى فئتين, اما ابيض واما اسود, اما صحيح واما خاطىء وهذه النظرة تتجاهل انه في كثير من التطورات السياسية فإن حكم المنطقة الرمادية التي لاهي ابيض ولا هي اسود تشغل وتحتل الجزء الاكبر من الساحة. واذكر في هذا المقام انني قرأت ما معناه انه لايوجد قرار صحيح ولكن يوجد قرار حكيم او رشيد. فالذين يتخذون قرارا ما يكون عليهم البحث في البدائل والخيارات المختلفة المتنوعة الخاصة بموضوع او مشكلة ما, وعليهم ان يحسبوا التكلفة والعائد المتوقعين من كل بديل, وان يبحثوا في الاثار المختلفة الداخلية والاقليمية والدولية لقرارهم, وفي ردود الفعل المختلفة وقد يصلوا بعد ذلك الى اختيار بديل لايمثل بالنسبة لهم شخصيا (الحل المثالي) وانما ما يعتبرونه الحل المناسب او الممكن وقراءة مذكرات رؤساء الدول, والوثائق التي ارتبطت بقرارات كبرى اتخذوها, توضح بجلاء حجم الضغوط التي عملوا في ظلها وان ما اتخذوه من قرارات كان هو ما اعتبروه مناسبا وممكنا في ظل الظروف التي كانت سائدة وقتذاك. ومناسبة اثارة هذا الموضوع هي ردود الفعل الاعلامية لانتخاب ايهود باراك رئيسا لوزراء اسرائيل, فبعض الكتاب استبشروا خيرا ورأوا في انتخابه انتصارا من جانب الرأي العام الاسرائيلي للتسوية السلمية والى دفع عملية المفاوضات مع الاطراف العربية المختلفة, والبعض الاخر لم ير في وصول باراك اي معنى او دلالة وان باراك هو الوجه الاخر لنتانياهو وانه لايجب ان يتوقع العرب اي جديد او اي تغيير في السياسات الاسرائيلية تجاه العرب. ويبدو لي ان كلا الموقفين يحتاج الى مناقشة وتمحيص فالابتهاج بمجيء باراك او تصور انه سوف يقدم على خطوات سريعة وجادة ازاء عملية التسوية السلمية لا يستند الى اساس موضوعي, فعناصر الاختلاف بين برنامج تكتل (اسرائيل واحدة) الذي قاده باراك وبرنامج الليكود بشأن قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات ليست كبيرة وبالتأكيد فإنها ليست ذات طابع كيفى او نوعي فهي اختلافات تتعلق بالدرجة وليس بالنوع من ناحية اخرى فإن القول بأن باراك هو مجرد الوجه الاخر لنتانياهو يتضمن عدم تقدير لعدد من الاختلافات الشخصية والموضوعية بين الرجلين خاصة وان باراك يدرك ان الطريق الذي انتهجه نتانياهو اودى به الى نفق مظلم وطريق مسدود والى فشله في الانتخابات العامة. وهنا ندخل في مجال المنطقة الرمادية فباراك مختلف نوعيا عن نتانياهو ولا هو مجرد استمرار له هو استمرار له بشأن عدد من القضايا مثل الموقف من القدس واعتبارها عاصة اسرائيل, وبالنسبة لعودة اللاجئين الفلسطينيين وبالنسبة لفك المستوطنات الكبيرة في المناطق الفلسطينية المحتلة, وهو ما كشف عنه باراك في اعقاب انتخابه, اما التغير فهو امر وارد بشأن امور اخرى مثل قبول مبدأ اقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح, او الانسحاب من مزيد من الاراضي الفلسطينية المحتلة مع ربط ذلك بعمل استفتاء, وربما يدخل في اطار ذلك تطبيق اتفاقية (الواي) وتحرك الموقف على المسارين السوري واللبناني. ولكن تحليل الموقف يتضمن تفاصيل وتعقيدات اخرى, فالقضايا الحاكمة في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة لم تكن تتعلق بالفلسطينيين او الصراع العربي ــ الاسرائيلي ولكن كان جوهر هذه القضايا له طابع داخلي مثل تناقص معدلات النمو الاقتصادي وتراجع تدفق الاستثمارات الاجنبية وارتفاع نسبة البطالة وتصاعد نزعات التطرف الديني واستخدام العنف, ويترتب على ذلك ان اهتمام رئيس الوزراء الجديد سوف ينصرف بالدرجة الاولى الى القضايا الداخلية, وسوف يتعامل مع القضايا الخارجية بالقدر الذي تؤثر به على مهمته في الداخل ومن الارجح ان باراك لن يكون مستعدا لان يبدو امام الرأي العام الاسرائيلي في صورة (المتساهل) مع الفلسطينيين والعرب مقارنة بسلفة اضف الى ذلك انه رغم نجاح باراك شخصيا بنسبة عدد اصوات تصل الى 57% فإن حزبه لم يحصل على مثل هذا التأييد السياسي فنتائج انتخابات الكنيست توضح تراجع التأييد الانتخابي للحزبين الكبيرين العمل والليكود وان كان التراجع بالنسبة لليكود كبيرا مروعا وصعود حزب (شاس) ليحتل الموقع الثالث في البرلمان كما ارتفعت اسهم احزاب المهاجرين الروس وكل هذا اوجد خريطة سياسية جديدة وتوازن حزبي جديد على باراك ان يتعامل معه. وعندما ندخل كل هذه التفاصيل في الاعتبار فإن النتيجة الموضوعية ينبغي ان تتمثل في الحذر والترقب وان نتائج الانتخابات الاسرائيلية في حد ذاتها لاتعطينا من الاسانيد ما يسمح لنا بتبني موقف حدي فهي تطرح مؤشرات متباينة ولايمكن الحسم بمسارها بشكل توكيدي او اطلاقي وعلينا ان نرصد ما يحدث داخل اسرائيل واهم مؤشر سوف يكون شكل الائتلاف الوزاري الذي سوف يتقدم به باراك فاذا حرص على ادخال الليكود فيه واقامة حكومة وحدة وطنية فإن ذلك سوف يكون نذير سوء اما اذا اقام ائتلافه مع احزاب الوسط واليسار يكون ذلك علامة على احتمالات التغيير وان كانت ستظل في حدود (الدرجة) وليس (النوع) عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة