كلنا صار واثقا من انه لا حدود لاستخدامات العلم, ومنذ أن عرفت الإنسانية طاقات العلم الجبارة وكل فريق من البشر يأخذ منه النصيب الذي يحقق أهدافه وتطلعاته , وكما يستخدم العلم في خير الإنسانية فإنه يستخدم في الاضرار بها, وكما يشيع فضائل وأخلاقيات فإنه يكرس قيما غير سوية, وتوجهات يقول العلماء بأنها جاءت نتيجة أبحاث ودراسات استمرت عشرات السنين. وكما في الحياة اليومية البسيطة فإن في دهاليز السياسة استخدامات لا تحصى للعلم, خاصة فيما يتعلق بالاعلام وسلوكيات الجماهير وتوجهاتهم, واستخدام الطب النفسي والتأثيرات المختلفة على العقل فيما يعرف بعمليات (غسيل الدماغ) . وربما يتذكر الجميع كيف حاول هتلر عن طريق مجموعة كبيرة من ألمع العلماء الألمان تكريس نظريات التفوق العرقي الجرماني بطريقة علمية, واجراء تجارب الاستنساخ التي قيل بأنها تمت منذ أيام هتلر في مختبرات غاية في السرية, ومعروف كذلك كيف كرس هتلر مقولاته ونظرياته النازية المنحرفة اعلاميا بطريقة (غسيل الدماغ) العالمي وتكرار الكذب حتى يصبح حقيقة مع وزير اعلامه (جوبلز) بطريقة (اكذب, اكذب, اكذب, فسوف يصدقك الناس في النهاية) . ومع هتلر, وقبله وبعده استخدم العلم بأشكال شتى لاثبات الكثير من الباطل ونشره, ودحض الحق وتشويهه, وهذا ما نعايشه يوميا اعلاميا وسياسيا واجتماعيا, فجيوش لا حصر لها من البشر تغسل أدمغة العالم كل في مجاله لتكريس طوفان الكذب والبشاعة الذي يغرقوننا فيه منذ خيوط الفجر الأولى حتى نهايات المساء.. وعلى امتداد العمر. لقد لفتت نظري كثيرا الطريقة التي تمت بها محاكمة عبدالله أوجلان الرجل الذي كان ذات يوم الرقم الأصعب في معادلة التوازنات السياسية العسكرية على الخريطة التركية السورية التي امتدت لتشمل البقاع اللبناني واليونان وايطاليا وروسيا ومخابرات (الموساد) الاسرائيلي والـ (سي اي ايه) . لقد وظفت الآلة العسكرية التركية العلم بأقوى وأبشع صوره في محاكمة أوجلان التي عرفت بمحاكمة القرن, كما وظفت الميديا والاعلام بالشكل الذي تحول معه أوجلان من مناضل شريف يحمل قضية شعب مضطهد ومتآمر عليه إلى مجرم مسؤول عن قتل 30 ألف إنسان!! اليوم صورة أوجلان ليست سوى صورة إنسان جاء من بيئة سيئة وعائلة كثيرة الشجار والنزاع, تحكم في تربيته والد ضعيف الشخصية وأم متسلطة كانت تضربه بقسوة فيهرب منها قاذفا بيته بالحجارة!! ومن هنا فليس غريبا إذن أن يأتي أوجلان قاتلا مجرما في حق وطنه وشعبه هذا ما ينشر وما يراد للجميع أن يصدقوه عن أوجلان ليتقبلوا ببساطة حكم الاعدام الذي ينتظره في النهاية. هل يساعد العلم في تشويه الحقائق كما يعمل على كشفها؟ هل يخدم العلم دعاة الديمقراطية كما يخدم حراس الديكتاتورية والتسلط العسكري, هل يساعد جبابرة العالم في احكام قبضتهم على العالم عن طريق الأجهزة والتقنيات التي هي في الأساس وليدة العلم والشاهد على انتصاراته؟ للأسف نعم!