تابو مبيكى .. اسم ربما يكون الآن خامدا نسبيا لكنه مرشح للشهرة في السنوات القلائل المقبلة, افريقيا اولا, وعالميا ثانيا . حتى قيام الانتخابات العامة (المتعددة العرقية) في جمهورية جنوب افريقيا هذا الاسبوع كان تابو مبيكي يعرف بانه (نائب مانديلا) وحتى بعد الانتخابات والى زمن قد يطول او يقصر فان صيغة المضاف والمضاف اليه سوف تكون سارية المفعول تحت اسم (خليفة مانديلا) . غير ان الخبراء الغربيين المراقبين للشأن الافريقي يتنبأون بان نجم مبيكي سوف يلمع في سماء السياسة الافريقية بصورة فذة وفريدة. ومع ذلك فان هؤلاء الخبراء غير متأكدين تماما من توجهات الرجل: هل تتغلب عليه نزعته الاشتراكية فيقود الاقتصاد الوطني صوب آفاق التأميم وسيطرة الدولة الكاملة او شبه الكاملة على وسائل الانتاج والمؤسسات المفتاحية؟ .. ام تتغلب عليه نزعته البراجماتية فيوجه الاقتصاد على طريق السوق الحرة بافساح المجال لهيمنة شركات القطاع الخاص؟ هل يغريه الانتصار الكاسح والقاعدة الشعبية العريضة للحزب الحاكم (المؤتمر الوطني الافريقي) ليجعل منه الحزب الاوحد على طريق الاستبداد (الاوليغراكي) ام يحافظ على النظام التعددي الديمقراطي الليبرالي الراهن؟ ان تاريخ افريقيا المعاصر حافل باسماء (الثوار الحكام) او (الحكام الثوار) الذين قفزوا الى السلطة رأسا من ميدان الصراع الدموي الداخلي, ويبرز في هذا السياق نموذجان متقابلان: نموذج هواري بومدين في جزائر الستينات والسبعينات, ونموذج جومو كنياتا في كينيا في نفس الظرف الزمني, الاول نموذج معادلة الحكم الاستبدادي مقابل توفير الخبز, والثاني نموذج الحكم الاستبدادي مقابل لاشيء, ومن المفترض ان تابو مبيكي بوصفه ثائرا جاء الى السلطة في عصر لاحق ( صار نائبا لرئيس الجمهورية عام 1994) قد استوعب دروس النموذجين فيستخلص لنفسه ان الديمقراطية التعددية لا تتعارض مع توفير الخبز, لكنه يجب ان يستخلص ايضا ان التطرف في تطبيق اقتصاد السوق الحرة لن يقود الا البؤس وتكريس التخلف, لقد اخذ الرئيس هواري بومدين بنظام التخطيط المركزي للاقتصاد مع ترك هامش لنشاط القطاع الخاص, وخلال فترة حكمه التي دامت 16 عاما تقريبا حققت الجزائر نقلة نوعية ضخمة لا في مجال الاستثمار التنموي فحسب بل ايضا في مجال الخدمات والمرافق الاجتماعية كالتعليم والصحة والاسكان. وارتفعت المستويات المعيشية للاسر والافراد وسط ظروف من استقرار الاسعار وتباطؤ المعدلات التضخمية بعد ان انتقلت البلاد الى التصنيع لكن ذلك كان على حساب الحريات السياسية سواء للجماعات او الافراد. اما جومو كنياتا فقد حكم البلاد بالحديد والنار لا من اجل فرض حالة من الاستقرار لصالح العمل الانتاجي وتوفير فرص العمل والتعليم للطبقات ذات الدخل المحدود ورفع مستوياتها المعيشية وانما من اجل اطلاق يد الاقلية الاقطاعية من المستوطنين البيض التي كانت تمتلك معظم الاراضي الزراعية واطلاق حرية مؤسسات القطاع الخاص عموما في تحويل الارباح الى الخارج دون المساهمة في تنمية اقتصادية واجتماعية. ولذلك تباطأ النمو الاقتصادي حتى صار يسجل معدلات سالبة فانتشرت البطالة وتصاعد الغلاء مع انطلاق عجلة الاقتصاد صوب الافلاس. هذان نموذجان افريقيان جاهزان امام زعيم جنوب افريقيا الجديد ليستنبط منهما مواعظ وفي مقدمة هذه المواعظ ان مبدأ التخطيط المركزي للاقتصاد يجب الا يعني بالضرورة حرمان الناس من ممارسة الحريات المدنية في التعبير والتنظيم كما ان تطبيق مبادىء اقتصاد السوق الحرة (وهو تعبير عصري لعبارة النظام الرأسمالي) يجب ان يجري وفق ضوابط تضمن دور الدولة في التدخل من حين لآخر في النشاط الاقتصادي لضمان استمرار توجهه على مسارات انتاجية مفيدة. كاتب صحفي وسفير سوداني سابق