عندما أعلن ايهود باراك لاءاته تجاه اهم ابعاد قضية فلسطين اثناء حملته الانتخابية, سارع بعض الساسة العرب والفلسطينيون الى نسب تلك الاقوال للاعتبارات الانتخابية في اسرائيل , وكأنهم بذلك يتهمون باراك بالكذب على ناخبيه مقدما, ويسمون أولئك الناخبين بالسذاجة وضعف الذاكرة, كون الرجل الذي سيصبح بأصواتهم صاحب القرار الأول في دولتهم, يتلاعب بأحلامهم وسوف يلقي وعوده خلف ظهره بعد يوم الانتخابات. بعد وقت قليل حسمت الانتخابات, وصار مرشح الامس القريب رئيسا للوزراء. وكان أول ما فعله, تكرار لاءاته المومأ اليها (حول القدس واللاجئين والمستوطنات وحدود 1967). ومع انه لم يكن هذه المرة بحاجة الى الاستمرار في خداع جمهوره, الا ان الساسة العرب والفلسطينيين اياهم, مضوا الى تكرار تعليلهم لموقف باراك مع تحريف بسيط, حيث اصبحت لاءاته عندهم بمثابة (استمرارا لحملة الانتخابات وتصريحاتها الدعائية) . ووفق هذا التبرير المعدل, يبدو رئيس وزراء اسرائيل في حالة غيبوبة انتخابية لم يبدأ منها بعد. وليس صاحب رؤية ثابتة لا تحددها معمعة الانتخابات. لم نلبث الا قليلا, حتى جوبهنا بالسيناريو نفسه, ولكن مع نائب الرئيس الامريكي ومرشح الحزب الديمقراطي في انتخابات العام 2000 بالولايات المتحدة (آل جور) فقد صرح الأخير في 23 مايو امام الاجتماع السنوي للجنة الشؤون العامة الامريكية الاسرائيلية (ايباك) بالقول (اننا نرفض قرار مجلس الامن رقم 181 كأساس لعملية السلام بين الفلسطينيين واسرائيل. ان نتائج عملية السلام يجب ان تقررها المفاوضات وحدها. والأسس الوحيدة للمفاوضات هي المرجعية المحددة في مؤتمر مدريد واتفاق اوسلو... اي قراري مجلس الامن 342 و338 ومبدأ الارض مقابل السلام) . هنا, وفور صدور هذا التصريح, عجل مسؤولون عرب وفلسطينيون, كممثل منظمة التحرير في واشنطن باعتبار (آل جور بدأ حملته الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة, وهو يريد ان يثبت لليهود الامريكيين انه قريب من آرائهم. ان موقفه هذا مستجد... ونأمل الا يكون انعكاسا لوجهة النظر الامريكية الرسمية) . انه رد الفعل ذاته الذي ما زال ماثلا ضمن موروث التعامل مع مواقف باراك. وبسبب هذه التكرارية فقد يحق ادخال تفسيرات الدبلوماسية العربية لمواقف المسؤولين الاسرائيليين والامريكيين ابان الحملات الانتخابية, في زمرة التقاليد الثابتة للسياسة العربية, واذا وعي هؤلاء المسؤولون لهذا التقليد وأدركوا فحواه, فإن بوسعهم استخدامه بنجاعة, لا سيما في تقليل سقف التوقعات العربية أو لاستطلاع ردود الافعال العربية وحدودها ازاء مواقف بعينها. لكن الاسئلة التي تحتاج لاجابات مقنعة تتعلق بصحة التقدير العربي لحقيقة هذه التصريحات.. بعبارة أخرى, هل تدخل المواقف المعلنة للمسؤولين الاسرائيليين والأمريكيين وقت الحملات الانتخابية, في اطار التصعيد الدعائي لا أكثر؟ هل يتخلى هؤلاء عن تلك المواقف بعد ان يذهب روع تلك الحملات؟ اذا كانت الاجابة بنعم, فمعنى ذلك اننا بصدد حالة مرضية يمكن تسميتها بــ (الهوس الانتخابي) , يصاب بها المرشحون الاسرائيليون والأمريكيون في المواسم الانتخابية. ومن فضائل الساسة العرب ومعالم حكمتهم, انهم واعون بهذه الحالة ومتنبهون لها, بما يؤهلهم لعدم الانجرار خلف اعراضها. بيد ان المرء ليس لديه تفسير لكون هذه الاعراض دوما سلبية بالنسبة للقضايا التي تخص العرب. فلم يحدث اطلاقا ان جاءت تصريحات المرشحين الاسرائيليين والامريكيين بفعل (حمى الانتخابات) لصالح هذه القضايا, لا في موسم 1999 ولا في أي موسم سابق. ووفق منطق الامور, علينا اذن ان نبحث عن الاجابة من منطلقات اخرى بخلاف فكرة خضوع هؤلاء المرشحين للمرض المذكور الذي يضر بالقضايا العربية بشكل انتقائي غير مفهوم. والمنطلق الأقرب للصدقية في هذه الحالة هو الاعتقاد بأن اطروحات المرشحين في اسرائيل والولايات المتحدة, لا تصدر عن عقلية مهجوسة بنتائج الانتخابات فقط, وانما عن قناعات وبرامج سياسية حقيقية. ومن ثم, فإن لاءات باراك ووعود آل جور تتأتي من وحي ما يفترض ان يتخذ هذان المسؤولان من سياسات ازاء القضايا العربية. وان شئنا التمحيص العملي لمقولات المسؤولين, امكننا اثبات صحة هذا المنطلق. فباراك كان وما زال بوسعه الاستدراك العاجل لما صرح به, طالما انه وصل الى سدة الحكم وانفض عرسه الانتخابي, لا سيما وقد أبرز بعض العرب استياء من تصريحاته. لكنه لم يفعل. وهذه حجة داحضة لمن اراد التعاطي مع سياسات الرجل كما هي, لا كما أولّها بعض حكماء السياسة العرب استياء على هواهم. ولعل تعليل موقف آل جور أسهل بكثير. فمن غير الصحيح ان ما أعلنه امام (ايباك) جديد أو مستحدث. لأن الولايات المتحدة, لم تتقيد قبل مدريد وأوسلو ولا بعدهما بقرارات الشرعية الدولية بخصوص فلسطين, مع انها المهندس المسؤول عن صيغة التسوية برمتها منذ مطلع التسعينات, فلماذا يتصور البعض انها سوف تستثني القرار 181 من هذا التوجه الحاكم لسياستها والمتوافق تماما مع مراد السياسة الاسرائيلية؟ ومن ناحية اخرى, فإن سياسة واشنطن نحت هذا القرار جانبا وهي تتوخى نقل السفارة الامريكية الى القدس, وتتحين الفرص لتنفيذ توصية الكونجرس منذ عام 1995 بهذا الشأن ثم ان آل جور تحدث الى اللوبي اليهودي في واشنطن ممثلا للحكومة الامريكية القائمة الان, فهو نائب الرئيس الامريكي الحالي حتى وإن كان مرشحا منتظرا للرئاسة المقبلة, واهم من ذلك كله ان الرجل كان دقيقا في توصيفه وتشخيصه لمرجعية عملية التسوية الجارية على المسار الفلسطيني: التفاوض وفق مدريد واوسلو والقرارين 242 و 338 الامر الذي لم تعترض عليه صراحة الاطراف المفاوضة بما فيها المفاوض الفلسطيني. على ان آل جور أخطأ فعلا, مرة حين نسب القرار 181 لمجلس الامن فيما هو للجمعية العامة في اجتماعها الثامن والعشرين بعد المئة يوم 29 نوفمبر 1947 ومرة ثانية حين تصور ان القرارين 242 و 338 يضمنان تسوية سلمية حقيقية في فلسطين بعد استبعاد القرار 181 وهو بلاشك يستحق المؤاخذة لوقوعه في خطأ ثالث مؤداه النفي الصريح لاحتمال ان تتطرق (المفاوضات) لهذا القرار واظهار انحيازه للرؤية الاسرائيلية مخالفا بذلك اصول الوساطة وهذا ما اوقعه في الخطأ الرابع, وهو الجهر بما لاينبغي الجهر به واحراج المفاوضين العرب. ومن رد فعلهم يبدو ان الاخيرين لايحرجون بسهولة اذ ان لديهم لكل ورطة حل, ويبدو ان الحل المعتمد لمثل هذه التصريحات بكل مصادرها اسرائيلية كانت أم امريكية هو احالتها الى حمى الانتخابات وعندما تصبح تصريحات الامس هي السياسات الحقيقية لليوم والغد, يكون الرأي العام قد نسى ونحسب ان حلا كهذا لايجدى في الاجل الممتد انه اقرب الى الحلول الهروبية الحل الادعى والاوقع يقوم على الاستعداد لمواجهة استحقاقات وتداعيات ماينطق به شركاء التسوية (او خصومها في الواقع) علينا ان نسائلهم عن اقوالهم وافعالهم اولا بأول وان نصدقهم حين يقولون ان الرأي العام (الناخب يحاسبهم وينتظر يوم الانتخابات المقبلة كي يثيبهم او يعاقبهم اننا عموما اولى بمحاسبتهم والاعداد لهم فهم يتناولون قضايا تتعلق بوجودنا حاضرا ومستقبلا. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة