يثير موضوع اختراق الخصوصية في عصر المعلومات الكثير من الاشكاليات, خاصة وانه يناقش قضيتين اساسيتين, هما امكانية الاستفادة من ثورة المعلومات دونما احداث اي آثار ضارة , وفي ذات الوقت كيفية حماية اسرارنا الخاصة ومعلوماتنا الشخصية عند الدخول والتعامل مع هذه الوسائل المعلوماتية الجديدة وهو ايضا يطرح قضايا اخرى ينبغي التفكير فيها: اولا: قضية نقمة ونعمة التكنولوجيا, فالامر المطروح هنا, هل تتصادم التكنولوجيا مع الحريات الشخصية للافراد؟ وهل اصبح اتحاد (الكمبيوتر وقواعد المعلومات والشبكات) يمثل قوة قتل ثلاثية لهذه الحريات؟ وهل آن الاوان للعودة للماضي؟ بالطبع لا, فعلى الرغم من مثالب التكنولوجيا, فإن العيون الساهرة لا تتوقف عن اكتشاف سبل جديدة لحماية الحريات واكتشاف دروع تكنولوجية جديدة لصيانتها فكما تهدد التكنولوجيا الخصوصية, يمكن ان تحميها وان كان يجب ان تستخدم التكنولوجيا اساسا لتعزيز حقوق التمتع بالخصوصية. ثانيا: قضية تزايد التهديدات الرسمية والناجمة عن زيادة القدرة للجهات الرسمية على ايجاد شبكات رقمية ومعلوماتية ضخمة متصلة ببعضها لتسهيل اداء اعمالها, ومن بينها جمع بعض الدول وتخزين المعلومات عن مواطنيها, وهو امر محمود, ولكن يحتاج الى مزيد من الرقابة على هذه البيانات, خوفا من ان تقع في ايد غير امينة او يسىء استخدامها, وهو امر يتطلب سن تشريعات حماية لمنع اساءة استخدام هذه المعلومات وحماية خصوصيات الافراد. ومن جهة اخرى فإن بعض الحكومات تحتكر لنفسها حق جميع المعلومات عن المواطنين, فمثلا اصدرت الولايات المتحدة ما يعرف بـ clipper propsal في عام 1994 وبمقتضاه منحت الحكومة الامريكية لنفسها حق الوصول غير المقيد او المحدود للمعلومات الخاصة بالافراد والتي تتم من خلال عمليات التناقل الالكتروني, وهو ما يثير قضية (من له حق الوصول للمعلومات ولأي نوعية من المعلومات في وقت اصبحت بعض الدول تبتكر طرقا حديثة في تتبع حركة مواطنيها وجمع المعلومات عنهم, ففي نورث كارولينا مثلا تستخدم حكومة الولاية اقمار صناعية متقدمة للتعرف على ما يقوم به الافراد من تحسينات وتطويرات في ممتلكاتهم الخاصة, وذلك لمساعدتها في رصد القيمة الضريبية المستحقة على هؤلاء الافراد وغيرها من الامثلة الكثير كاستخدام اشعة جاما, واستخدام اشعة اكس الفائقة. ثالثا: قضية التهديد باستخدام البيانات الشخصية كسلعة في سوق المعلومات وهو امر يتزايد خطورته اذا ما تركت الشركات التجارية تعمل بلا تشريع قانوني, او تركت تغمر صناديق بريد الافراد بما يريدون وبما لا يريدون. رابعا: قضية التهديد من قبل مخترقي شبكات المعلومات والذين قد يعبثون بقواعد المعلومات ويثيرون الفوضى بها, وكذا خطورة عمل سماسرة المعلومات, الذين يجمعون بيانات عن الآخرين بدون علمهم. خامسا: قضية التشريعات الخاصة بحماية الخصوصية في عصر المعلومات, فالامر المؤكد ان التشريعات وحدها لا تكفي, وان عملية ضبط المخالفات عملية صعبة, مما يقتضي معه, العمل على زيادة الوعي على مستوى الجمهور, وعلى مستوى الشركات العاملة في مجال تقنيات المعلومات بضرورة حماية حق الخصوصية للافراد, وايجاد نظم تصحيح ذاتي يسمح بمعاقبة المخالفين وايجاد حلول ناجعة للمتظلمين والمتضررين. سادسا: قضية التشفير, وهي قضية معقدة , وابعادها سياسية وعسكرية ودولية اكثر منها اجتماعية وفردية ومحلية, حيث تمنع بعض الدول استخدام تقنيات التشفير المتقدمة, ولا تسمح بنقلها للخارج, حرصا منها على حماية مصالحها من جهة, وعلى اعطاء نفسها حق التصنت على الآخرين ومعرفة اسرارهم, كما تحد تشريعات بعض الدول من قدرات مواطنيها على ابتكار برمجيات جديدة تساعد في تشفير الرسائل والمعلومات سعيا لتحقيق اكبر قدر من السرية لها, وذلك بحجة عدم اختراق المعلومات العسكرية والحساسة, ومع التسليم بحق الحكومات لعمل بهذا إلا انه لا يجب تعويق التطور التقني في هذا المجال. والجانب الآخر في قضية التشفير انه بينما تساعد بعض تقنياته في خلق شمولية وانضباط في عملية تنقل المعلومات فإن البعض الآخر منها يثير فوضى في عالم المعلومات, وبصفة عامة, فإن تكنولوجيا التشفير بدأت تتزايد جماهيريا وستصبح يوما ما متاحة على مستوى كبير للافراد. سابعا: قضية دعم التفاعلية على الويب, ففي الوقت الذي يحتاج فيه تطور الانترنت, الى دعم المصداقية بها فإن تزايد ظهور حالات اساءة استخدام المعلومات والنصب والخداع, قد يعيق دعم صفة التفاعلية التي تتميز بها شبكة الانترنت, بفعل فقدان الافراد للثقة في الوسائل الحديثة, ومن ثم بدأت بعض الجهات المعنية تسعى لصياغة ما يعرف بمواثيق للخصوصية وبمقتضاه تجبر المواقع والشبكات الالكترونية على الحصول على موافقة الافراد قبل استخدام اي معلومات عنهم. ولكن ماذا سيحدث في المستقبل, الامر المؤكد ان تكنولوجيا اختراق الخصوصية ستتزايد في الوقت الذي يتزايد فيه قدرة الافراد على تحصين انفسهم من الغزو الالكتروني في ظل تزايد الوعي الرسمي والجماهيري بأهمية القضية, وهو الامر الذي سيؤدي الى تقنين تشريعات جديدة تحمي الخصوصية وان كان سيتطلب الامر وقتا طويلا. كيفية حماية الخصوصية والآن ما هي الحلول التي تساعد في دعم التمتع بحق الخصوصية في ظل ثورة المعلومات؟ بداية على المستوى الشخصي, اليك بعض النصائح منها لا تضع اسمك وبريدك الالكتروني بلا اهتمام ضمن القوائم البريدية على الانترنت او ضمن الجماعات الاخبارية او في حجرات الدردشة فيمكن ان يستخدمها البعض ويفرض نفسه عليك دون رغبتك, وايضا ضع حماية على كلمة المرور الخاصة بك وحاول ان تغيرها من وقت لآخر واستفد بقدر الامكان من البرامج التي تساعد في حماية خصوصيتك. وعلى المستوى العام, ثمة اتفاق عام حول العناصر الضرورية لضمان حق التمتع بالخصوصية, ولكن الخلاف حول تنفيذها وعامة يتمحور الاتفاق حول ضرورة وضع سياسة جديدة تحمي خصوصية الافراد فما كان جائزا في العصر الورقي لا يليق استخدامه كما هو في العصر الالكتروني. ومن المبادىء الاساسية لهذه السياسة ضرورة تأكيدها على حق وصول الافراد للمعلومات التي تجمع عنهم والتعرف عليها مع توفير اقصى درجات الآمن والحماية للمعلومات, وتحقيق التكامل الامن بين الشبكات المعلوماتية وان تعتمد هذه الشبكات في تجميع معلوماتها على المصادر ذات السمعة الطيبة, والبيانات المرجعية الاساسية, واستبعاد المصادر المجهلة, وايجاد آلية تضمن تعزيز فلسفة التنظيم الذاتي للشبكات المعلوماتية من حيث توافر وسائل فحص شكاوى الافراد وايجاد علاج لها, وان تنفيذ هذه السياسة في ظل تصور يؤمن بأن توعية المستخدمين بحق الخصوصية هو استثمار طويل الاجل, وبحق السلطات في اجراء التحقيقات القانونية الضرورية مع عدم منع استخدام الناس للوسائل الضرورية لحماية خصوصيتهم وكفالة ذلك لهم, وان يتم ذلك في ظل سياسة اعلامية تسعى لتنبيه الجمهور وتوعيتهم بحقوقهم, وبطرق التعامل مع الشركات والجهات التي تجمع معلومات عنهم وكيفية التعرف على طبيعة استخدام هذه الجهات للمعلومات وكيفية استخدامها, مع تكتيل الرأي العام وراء هذه القضية, سعيا لاجبار العاملين في هذا المجال لاحترام حق الخصوصية وبالحفاظ على الخصوصية والحرية معا, يمكن ان نعبر بالجيل المقبل في العصر الرقمي الى بر الامان وراحة البال. قسم الاتصال الجماهيري ـ جامعة الامارات