تقع في الكويت في هذه المرحلة الكثير من التغيرات, فبعد جمود ساد أوضاع الكويت على مدى سنوات امتدت منذ عام 1992 وتخلله صراع عميق مع مجلس الأمة نجد في الاسابيع القليلة الماضية بعد حل مجلس الأمة تحركا سريعا من قبل الحكومة لتحقيق الحد الاقصى من التغيرات, تتضمن التغيرات عشرات الاتفاقات الدولية كما وتتضمن عشرات القوانين المحلية والداخلية التي تمس عصب حياة المجتمع والاقتصاد وتكوينه, لهذا يمكن القول ان الكويت تخوض هذه الايام تجربة فريدة من نوعها مع السياسة والتغير من الاعلى الى الاسفل وذلك وسط اختلاف التفسيرات وردود الفعل في المجتمع وبين التيارات السياسية. لقد بدأت كل التحولات مع تحديد الثالث من يوليو موعدا للانتخابات الجديدة بعد حل مجلس الأمة, وقد اعتمد تكتيك الحكومة على نهج جديد يقوم على تحقيق أكبر عدد من التحولات والقرارات قبل الانتخابات, لهذا جاء القرار الخاص بحقوق المرأة السياسية ليساهم في هذا التوجه وليثير زوبعة من ردود الفعل المؤيدة والمعارضة بل تحولت مسألة حقوق المرأة السياسية الى فاصل بين مرحلة واخرى كما تحولت الى فاصل أكبر بين التيارات التي تعارض هذه الحقوق على ارضية الدين وبين التيارات التي تؤيدها على أرضية الحقوق, وقد أدى هذا الأمر الى وضع التيارات المعارضة لحقوق المرأة السياسية في مواقع الدفاع والرفض واحيانا في مواقع التهجم على القرار الاميري وعلى مغزاه السياسي والاجتماعي. ولكن الجدير بالانتباه الى ان اقرار حقوق المرأة تحول لصالح الحكومة حيث نتج عنه ارتياح واسع خاصة في أوساط المرأة والقطاعات المستنيرة في المجتمع, ان سابقة قيام الامير باعطاء حقوق الترشيح والانتخاب بينما امتنع البرلمان عن مجرد التفكير باصدار قرار يوسع القاعدة الانتخابية ويساوي بين المجتمع ترك اثرا سلبيا على البرلمان السابق, بل عادة ما تكون السلطات هي الجانب المحافظ والذي يتخوف من التغير, وعادة تكون البرلمانات أداة للتغير ولمزيد من الحقوق على كل الأصعدة, في الحالة التي أمامنا تقدمت السلطة الى الأمام فيما تجمد البرلمان في مكانه, فكانت النتيجة مكاسب للحكومة والدولة وخسائر للخط السياسي الذي تحكم في البرلمان في المرحلة الماضية. وبينما أصبح حق المرأة في الانتخاب الاساس الاجتماعي الذي يفصل بين العالمية والانغلاق او بين التجديد والتقليد بدأت السلطة التنفيذية باقرار سلسلة من القوانين الهامة مثل قانون المستثمر الاجنبي الذي يجيز للمستثمر الاجنبي الاستثمار المباشر في الكويت دون الحاجة الى شريك محلي, ثم اقرار قانون مشاركة غير الكويتيين في البورصة الكويتية, واقرار قانون آخر للحقوق الفكرية, ثم للشركات, ويجري التحضير لقانون خاصة بالخصخصة, وآخر بالاسكان والتوظيف بحيث تخفف الدولة أو تقلل جديا من مسؤولياتها تجاه الاسكان والتوظيف, وتؤكد التزامها بالموظف في مرحلة الخصخصة, وتسعى بنفس الوقت لفتح السوق امام حركة العرض والطلب والكفاءة. وقد ادت هذه التحولات الى وقوع تصادم بين منهج التيار الاسلامي المحافظ والمتحفظ على الكثير من هذه التغيرات ومنهج السلطات الجديد. فبينما سجل على الدولة في المرحلة الماضية تشجيعها التيار الاسلامي, نجدها الآن تسعى لاعادة تأكيد دورها وسلطتها في ظل القوانين, لهذا فبينما غضت الدولة النظر عن فروع عديدة لجمعيات النفع العام ومعظمها مرتبط بالتيار في مناطق كثيرة في الكويت نجدها الآن تؤكد عدم شرعية الفروع وضرورة نيلها لترخيص وبينما لم تتدخل الدولة في حملات التبرعات الضخمة التي يقوم بها التيار الديني نجدها الآن تسعى لتنظيم هذه العملية والتدقيق بها خوفا من وصولها لجهات سياسية وليس لجهات خيرية في مجتمعات عربية أخرى. اذن هل تبدو هذه المرحلة محاولة لاضعاف قوة التيار الديني؟ يمكن القول ان هذا توجه رسمي واضح يهدف الى تحقيق الانفتاح الاقتصادي والاستثماري وبنفس الوقت اعادة ترتيب اوضاع الكويت بما يساعد على الحد من بعض المظاهر, ويبدو للمراقب والمتابع ان ردود فعل بعض عناصر التيار الاسلامي ضد القرار الاميري بخصوص حقوق المرأة ساهم في زيادة خسائره خاصة وسط القوى الأخرى, كما ان وجود أغلبية صامتة تؤيد الاسلام وتؤيد السياسات المحافظة لكنها تخشى من تسيس القضايا الدينية واغلاق الكويت اجتماعيا ساهم في خسائر التيار وتسهيل مهمة الدولة في تخفيف قوته وايقاف اندفاعه, ولكن الدولة لم تلتفت فقط للتيار الاسلامي, بل نجد الدولة بنفس الوقت تسعى لتأكيد عدم قانونية الانتخابات الفرعية القبلية التي تقرر مرشح للقبيلة من خلال تصويت تقوم به القبيلة قبل الانتخابات, هذا كله يسير باتجاه البحث عن صيغ عصرية لمجتمع جديد. ولكن هناك فارقاً بين اضعاف التيار الديني والغائه من المعادلة, فالسياسية الراهنة لا تهدف لاخراج التيار الاسلامي من اللعبة السياسية, او لالغاء وجوده, هذا امر غير ممكن ويخرج عن اسس الديمقراطية في العصر الحديث, ففي اية تجربة ديمقراطية او انتخابية حرة من المستحيل اخراج احد بشكل نهائي من اللعبة السياسية, اذ تبقى كل الاطرف جزء من اللعبة ولديها حق العمل السياسي, لكن موازين القوى قد تختلف في المرحلة المقبلة, ومواقع النفوذ والتأثير قد تتغير, فهناك في مراحل حالة مد لتيار وفي مراحل حالة تراجع وقد تم هذا مع القوميين العرب ويتم اليوم في أكثر من دولة عربية مع التيار الاسلامي ولكن الخسائر قد تعني للاسلاميين اعادة تعريف الذات واعادة التفكير بالسياسات السابقة تمهيدا لعودة اكثر ارتباطا بالمجتمع من جهة وبالعصر من جهة أخرى. والاهم في التجربة الراهنة ان المجتمع لم يعد يبحث عن الشعارات العالية: (مثلا: شعار سرقة المال العام مضى له سنوات طوال), فقد رأى المواطن كيف تحول موضوع المال العام الى صراع على الماضي دون البحث عن أفق لمستقبل, وشاهد بأم عينه كيف تحول شعار الارتقاء في التعليم الى معركة من أجل فصل الطلبة عن الطالبات في جامعة الكويت, الشعارات والوعود الانتخابية كانت أسلوب كل مرشح للفوز بالمقعد, والمواطن لم يفرق في السابق بين مرشح يجيد طرح هذه الشعارات بلا حدود وبين آخر يطرح سياساته بنوع من العقلانية والهدوء ربما يفضل الكويتيون اليوم مرشح يطرح بعقلانية ويتمتع باستقلالية وبشخصية ايجابية. ان التجربة الكويتية الراهنة تخاض بوسائل القانون, وهي خالية من العنف, لم يسجن معارض واحد, ولم يسجن خطيب مسجد انتقد قرار الامير وان كان تم ايقاف العديد من خطباء المساجد, ولم يتعرض احد لناطق اسلامي هاجم القرار الحكومي في الصحف او الاذاعة الرسمية, التجربة الكويتية في التغير لا تتم وراء المتاريس, ولا تقع خلف الخنادق, بل بوسائط شرعية, واستنادا على دستور يدين له الكويتيون بالولاء انها تعبير عن صراع سياسي لاستمالة الرأي العام ولمخاطبة حاجات المجتمع في اعادة ترتيب اقتصاد البلاد ومؤسساته وفق اسس عصرية تسمح بالتقدم والانفتاح. * أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت