مبدأ (التعامل بالمثل)في القانون الدولي يبدو تماما كمبدأ(المساواة)التي تقوم عليها النظم الديمقراطية الغربية , اي انه في النهاية ليس إلا (مبدأ) , مجرد (شعار) قابل للتطبيق اذا كانت هناك مساواة حقيقية بين جميع الاطراف, ولكن بما ان الدول التي تعلن هذا الشعار قادرة على تجميده او تدجينه نظرا لاختلاف الحجم او القوة العسكرية التي تمتلكها كل دولة او حتى القوى الاقتصادية التي تمكنها من السيطرة على الاسواق, وبالتالي على اقتصاد الدول الاخرى, يصبح مجرد شعار أو مبدأ, اي حبر على ورق. المطالبة بتطبيق هذا المبدأ في العلاقات الدولية في الوقت الراهن الغارق في الفوضى, والذي يفتقد الى اي نوع من انواع النظام الدولي, وفي ظل غياب وجود منظمة دولية قادرة على اجبار الدول على احترام حقوق الآخرين, يبدو مستحيلا. على الرغم من وضوح هذا الامر امام اي عين تريد ان ترى ما يحيط بها او ما يحيط باصحابها بوضوح, الا ان بعض السياسيين مصابون بالعمى الذي يمنعهم من رؤية مثل هذا الوضع المستحيل, او يرون الامر كله بوضوح تام, لكنهم يعتقدون انه حفظا لماء الوجه امام شعوبهم الفقيرة العاجزة, عليهم ان يواجهوا استحالة تطبيق الشعار برفع الشعار نفسه على رؤوس الاشهاد, وكأنهم بذلك يتحررون من اعلان عجزهم عن تطبيق هذا الشعار في الوجود, وبالتالي يتحررون من شعور الاحباط الذي ينتقل اليهم من شعوبهم التي ترى نفسها خاضعة لارادة لا فكاك منها. حكام امريكا اللاتينية مثلهم تماما مثل اي حاكم من حكام العالم المتخلف يقفون في طابور العاجزين عن تحقيق اي شيء, لذلك لا تخلو اجتماعاتهم عادة من مثل هذه الشعارات البراقة, ويزداد التشدق بمثل هذه الشعارات كلما كان الانقسام بينهم اكبر واوضح. كان شعار (مبدأ التعامل بالمثل) النتاج الفقير للاجتماع الاخير الذي جرى في المكسيك الاسبوع الماضي لما يسمى سياسيا او اقتصاديا باسم (مجموعة ريو , اي (مجموعة ريو دي جانيرو) التي تم تشكيلها لتكون تجمعا سياسيا واقتصاديا يحاول ان يجاري نشأة التكتلات التي تحاول ان تحل معضلة غياب اي نظام عالمي حقيقي بعيدا عن الهيمنة الامريكية, تلك المجموعة التي تضم معظم دول امريكا الجنوبية, والتي تشكل ثقلا اقتصاديا حقيقيا, تفتقد الى اي ثقل سياسي يمكن اعضاءها من استخدام الثروات التي يتحكمون فيها بسبب الانقسامات الحادة بينهم, وكأنهم اعداء انفسهم. انعقد الاجتماع في المكسيك بين زعماء تلك الدول لوضع استراتيجية موحدة للتعامل مع الاتحاد الاوروبي خلال الاجتماع المقبل المقرر عقده بين الجانبين مع نهاية شهر يونيو المقبل, لكن الاجتماع انفض متمخضا عن شعار (مبدأ التعامل بالمثل) مع الاتحاد الاوروبي, وهو ما يشبي بأنه انفض بلا اي شيء حقيقي يمكنه ان يجبر الاتحاد الاوروبي على اخذ ما توصل اليه زعماء تلك الدول على محمل الجد. البداية محبطة: من بين رؤساء الدول الاربعة عشر لم يحضر منهم سوى تسعة رؤساء فقط وكانت هذه البداية السلبية, نظرا للخلافات الاقليمية التي تعيشها معظم هذه الدول, سواء بسبب الاختلاف الايديولوجي او الخلاف على ترسيم الحدود فيما بينها, او لمجرد ان بعض رؤساء تلك الدول يعرفون انه لا جديد يمكن ان يتمخض عنه مثل هذا الاجتماع في ظل الاوضاع الاقتصادية الراهنة, التي ادت الى تدمير كل الآمال في امكانية الخروج من الازمة الاقتصادية الحالية, بفضل تدخل الدول الكبرى المسيطرة اقتصاديا ومنها دول الاتحاد الاوروبي. من الرؤساء الحاضرين من جاء بحثا عن تسوية مشاكل جانبية كما هو الحال بين رئيسي الاوروجواي والباراجواي, لان همهما الرئيسي كان منصبا على تخطي الازمة الناشبة بينهما, والتي كادت ان تؤدي بهما الى حرب دامية بسبب لجوء وزير سابق الى الباراجواي مطلوب من السلطات القضائية في بلاده الاوروجواي. لذلك كانت تصريحات رئيس الاوروجواي منصبة على ايضاح ما توصل اليه مع زميله في الباراجواي وكأنه جاء الى المكسيك ليستغل فرصة وجود وسائل الاعلام وبعلن عن حل مشاكلهما الجانبية, وكانت جملة (لقاء بين الاشقاء) التي تكررت على لسان الرئيسين مثيرة للضحك, لانها شبيهة بنتائج الاجماع او نسب (التسعات الثلاث 99.9%) التي تعلن عنها دائما دول العالم المتخلف كنتيجة محتومة في اي استفتاء او انتخاب محلي. استغل الرئيس الارجنتيني كارلوس منعم ايضا فرصة وجوده هناك ليعيد من جديد الدعاية لمشروعه المجهض عن تحويل عملة بلاده الى الدولار الامريكي, ليضمن ان يظل الاقتصاد في الارجنتين قويا, على اعتبار ان العملة تحميه من اي هزات جديدة مثل تلك التي كادت ان تعصف بالاقتصاد البرازيلي بعد ان عصفت جزئيا بالاقتصاد الارجنتيني خلال ازمة النمور الآسيوية. هذه الدعاية لتحويل العملات في امريكا اللاتينية من العملات المحلية المعروفة الى الدولار يفسرها بعض المحللين على انها ليست سوى محاولة من الرئيس الارجنتيني العودة الى السلطة في بلاده خلال الانتخابات التي ستجري عام 2003, بعد ان فشل في اقناع الطبقة السياسية ومنها زعماء حزبه الذي ينتمي اليه بتفاسيره الملتوية للدستور حتى يظل في السلطة لفترة ثالثة. لكن مطالب الرئيس كارلوس منعم باستخدام الدولار كعملة رسمية في بلاده وبالتالي كعملة رسمية في مجموعة دول (ميركوسور) , ورد الرئيس البرازيلي فرناندو انريكي كاردوسو عليه كانت مؤشرا آخر على مدى الانقسام الذي احاط باجتماع مجموعة (ريو) في المكسيك, اكثر منه علامة على التماسك في مواجهة المفاوضات مع دول الاتحاد الاوروبي للحصول على مميزات للمنتجات الزراعية الامريكية اللاتينية في الاسواق الداخلية لدول الاتحاد الاوروبي. حدث هذا ليكشف الى أي مدى يمكن للسياسيين ان يفقدوا الاوراق الرابحة بين ايديهم للحفاظ على حقوق شعوبهم مقابل مصالح شخصية ضيقة, فقد سبق الاجتماع تحليلات سياسية اوروبية تعلن تخوفها من توحيد الكلمة الامريكية اللاتينية خلالا الاجتماع المقبل, خاصة ان الولايات المتحدة تستعد للعودة الى الحلبة الاقتصادية لمجموعة (ريو دي جانيرو) لتقوية نفوذها فيه, واعلنت لجنة منبثقة عن الكونجرس الامريكي عن امكانية دراسة عرض الرئيس منعم باستخدام الدولار كعملة موحدة لتلك الدول, وهو ما يمنح الدولار وجودا عالميا مستقرا في مناطق جغرافية معينة في مواجهة (اليورو) الذي تسعى دول الاتحاد الاوروبي الى محاولة إعادة تقويته في مواجهة الدولار بفرضه على المعاملات مع التكتلات الاقتصادية الاخرى, ومنها تكتل مجموعة (ريو دي جانيرو) و(مجموعة ميركوسور) واستعدت اسبانيا لتلعب دور الوسيط للتخفيف من مطالب دول امريكا اللاتينية في مواجهة عروض دول الاتحاد الاوروبي, واعلنت دول الاتحاد الاوروبي عن امكانية تقديم تسهيلات لمنتجات مجموعة ريو. لكن ما تمخض عنه اجتماع المكسيك, والانقسامات التي بدت واضحة في طروحات كل دولة مشاركة وما كشف عنه عدم صدور بيان مشترك يؤكد على مطالب المجتمعين طمأن الاتحاد الاوروبي الى ان الطريق معبد تماما لفرض اتفاق من جانب واحد, لان الحوار بين امريكا اللاتينية والاتحاد الاوروبي ليس حوارا متكافئا, وحتى يصل الحوار بين الطرفين الى مرحلة التكافؤ, على رؤساء دول امريكا اللاتينية ان ينحوا مصالحهم الشخصية جانبا, وان يأخذوا مأخذ الجد مصالح بلادهم, لأن هيبتهم من هيبتها, وكرامتهم من كرامتها, والطريق الى تأكيد ذلك معبد ومفتوح. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا