ما بين حرب السويس في عام 1956 وحرب يونيو عام 1967 تغيرت طبيعة التحدي. في عام 1956 كانت المنازلة الناصرية ضد الاستعمار الاوروبي بشقيه البريطاني والفرنسي, اما في عام 1967 فإن عبدالناصر واجه العصر الامريكي . وعلى هذا الاساس يمكن القول ان هزيمة يونيو 67 تمثل نقلة تاريخية فاصلة بين نهاية وبداية في العالم العربي: نهاية العصر الاوروبي, وتحديدا البريطاني, وبداية العصر الامريكي. بالطبع سبقت هزيمة يونيو 67 احداث وتطورات تعكس دخول الولايات المتحدة في المسار السياسي في الوطن العربي, كان هناك (حلف بغداد) (الذي اطلق عليه الحلف المركزي لاحقا) الذي رعت واشنطن قيامه لتكوين جبهة عربية معادية لمصر عبدالناصر, وكان هناك (مشروع ايزنهاور) الذي اطلق عقب حرب السويس في عام 1957 لرص صفوف القادة العرب خلف واشنطن باسم مواجهة الشيوعية العالمية والمعسكر الاشتراكي السوفييتي, وكانت هناك جهود وزير الخارجية الامريكية جون فوستر دالاس في الخمسينات لعرقلة انشاء مشروع السد العالي, وقبل هذا وذاك فإن بدايات الوجود الامريكي في الوطن العربي تعود جذورها الى ما قبل الحرب العالمية الثانية حين ظهرت طلائع شركات النفط الامريكية في بعض الدول العربية للتنقيب عن النفط الخام والاستثمار فيه. لكن تلك كلها كانت مقدمات غير مسنودة بعزيمة استراتيجية وتخطيط امريكي طويل المدى تجاه العالم العربي وهذه المقدمات يجب ان ينظر اليها كعلامات متسلسلة على الطريق الى حدث يونيو 67. في حرب 67 برز لاول مرة الدعم العسكري الامريكي لاسرائيل بحجم ضخم كما ونوعا وبصورة معلنة على العالم, وللمقارنة فإن القوة العظمى التي كانت تعتمد عليها اسرائيل حتى حرب السويس عام 56 كانت بريطانيا بالدرجة الاولى, وما بين 56 و67 كان نفوذ المنظمات اليهودية داخل الولايات المتحدة قد اكتمل بما يسمح للقوة اليهودية ممارسة الابتزاز السياسي والمالي على كافة اجهزة السلطة الامريكية بما في ذلك الكونجرس ومؤسسات الاستخبارات والبيت الابيض, وبحلول عام 67 كانت الولايات المتحدة جاهزة للحلول مكان بريطانيا في رعاية الدولة الصهيونية والدخول معها في شراكة استراتيجية مستديمة. هذه اذن كانت البداية الحقيقية الحاسمة للعصر الامريكي في الوطن العربي ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم ظل الخط البياني للوجود الامريكي في حال تصاعد متصل. كانت اولى محطات الخط البياني الاعلان البريطاني التاريخي الذي اطلق عليه (سياسة شرق السويس) في عام 1968. ومصطلح (شرق السويس) كان يعني بايجاز منطقة الخليج بما في ذلك ايران, فقد قررت بريطانيا لاسباب مالية طي صفحة وجودها في المنطقة ومن ثم قامت الولايات المتحدة بسد الفراغ الناشيء. تلك كانت نقطة مفصلية تفرعت عنها بالتداعي الزمني بقية الاحداث والتطورات التي صارت علامات على الطريق وابرزها. * اكتمال مشاركة شركات النفط الامريكية في مشاريع النفط العربية من الخليج الى الجزائر. * الاحتلال الايراني الاول للجزر الاماراتية في عهد الشاه عام 72 بمباركة امريكية, (جرى احتلال الجزر للمرة الثانية في التسعينات بينما الاحتلال الاول انتهى في الثمانينات). * التدخل الدبلوماسي الامريكي في تطورات حرب اكتوبر 73 لصالح اسرائيل مما مهد الطريق الى كامب ديفيد. * حرب الخليج الاولى والتدخل الامريكي لصالح العراق. * حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي. * تنامى وجود (صندوق النقد الدولي) في انحاء العالم العربي كذراع مالية امريكية. * التبنى الامريكي الكامل لاسرائيل لتصبح القوة العظمى الاقليمية المهيمنة في منطقة الشرق الاوسط تحت اسم (عملية السلام) , وبعد, فإن هذا هو المغزى التاريخي الحقيقي لما جرى في يونيو 67. * كاتب صحفي وسفير سوداني سابق