تحركت الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة لوضع قانونها المسمى (قانون تحرير العراق) على سكة التنفيذ من خلال استضافتها مجموعة لقاءات مع زعماء (المعارضة القانونية) . وحسبما أعلنت واشنطن فإنها سوف تبدأ اعتبارا من يوليو المقبل تسليم هذه المجموعات مساعدات على هيئة مكاتب اعلامية في لندن ونيويورك ومراكز اتصالات وأموال وربما أسلحة, وكما يبدو فهي المرة الأولى التي تضع فيها دولة ما (قانونا) داخليا يجيز التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى على هذا النحو. العادة ان مثل هذه العمليات تتم في السر وبعيدا عن وسائل الاعلام, ولكن وجود قانون معلن في حد ذاته يعني ان التنفيذ لايمكن الا ان يكون كذلك معلناً. فالأمر في هذه الحالة مناط بالولايات المتحدة كدولة, وليس مثلا بجهاز المخابرات المركزية فحسب. وتثير كلمة قانون بالذات الدهشة والحيرة, فالقانون يحمل معنى الالزام , وهو في العادة ينص على التنفيذ وفق آلية زمنية. وهذا ما لايستقيم مع السياسة, التي تعرف الممكن والتكتيك وما شابه, لكنها لا تعرف القوانين بمعنى الالتزام الحرفي بتطبيق نصوص معينة. تفسير الحالة العراقية يمكن فهمه لأن الكونجرس الأمريكي هو الذي أقر هذا القانون, بما هو جهاز تشريعي وظيفته سن القوانين أو تعديلها أو الغائها. وموافقته على قانون تحرير العراق, فانه يلزم في الواقع الادارة الامريكية على تنفيذه وفق آليات وطرق تحددها. وتأتي التحركات الأمريكية الجديدة ولقاءاتها مع المعارضة العراقية تنفيذا لهذا القانون, أي تنفيذا لما أقره الجهاز التشريعي. هل تملك الادارة الامريكية أن تفعل غير ذلك؟ يستطيع الرئيس كلينتون من حيث المبدأ استخدام الفيتو للاعتراض على تنفيذ أي من القوانين التي يقترحها الكونجرس. لكن في الحالة العراقية فان هوى الادارة يتوافق مع هوى الكونجرس, ولذلك فان القانون وتنفيذه يستفيد من قوتين, قوة الالزام القانونية وقوة الارادة الرسمية. أكثر من هذا فان تقرير التعاطي الامريكي مع العراق في اطار قانوني يجعل السياسة مستحيلة بذاتها. وهنا يكمن جزء من تفسير الموقف الأمريكي المتصلب من العراق وخاصة لجهة استمرار العقوبات الظالمة المفروضة عليه. أما الجزء الآخر والأساسي للتفسير فهو يكمن في الاستراتيجية الأمريكية المتبعة ضد هذا البلد, ينبغي القول هنا دون أية مجازفة ان الولايات المتحدة قررت منذالبداية لنفسها هدفا في العراق, ثم راحت تبحث عن الوسائل لتحقيقه. هذا الهدف يتمثل في اخراج العراق من معادلة التوازن الاقليمية, واخضاعه سياسيا عبر جميع الوسائل, أما الوسائل فكانت تتراوح في البداية بين نزع أسلحة الدمار الشامل التي يملكها, وبين العقوبات الشاملة. وقد استغلت قرارات مجلس الأمن الدولية المتعلقة بأزمة الخليج الثانية, من أجل هذا الغرض, لنسجل هنا الفرق بين الحالتين, بين كون نزع الأسلحة يعتبر الهدف الأساسي والوحيد للقرارات الدولية, بينما هو بالنسبة للادارة الامريكية مجرد وسيلة لهدف آخر. لكن بعد ثماني سنوات من عمليات التفتيش المنظمة التي قامت بها الأمم المتحدة, وتدمير الترسانة العراقية, فانه بات واضحا ان هذه الوسيلة قد استنفذت ولم يتحقق الهدف الأمريكي, هنا كان لابد من البحث عن وسائل جديدة. من هذه الوسائل المؤامرات الفاشلة التي دبرتها وكالة المخابرات الأمريكية في شمالي العراق حتى عام 1996 لزعزعة نظام بغداد, ثم الضربات العسكرية المباشرة والمكثفة, كما حدث في ديسمبر العام الماضي على يد القوتين الأمريكية والبريطانية. ثم أخيراً الآن جاء دور ما يسمى قانون تحرير العراق. اذا كما نرى فإن هدف اسقاط النظام في بغداد هدف امريكي ثابت لم يتغير طوال الوقت, اما الذي تغير فقط فهو الوسائل والاساليب. ولنلاحظ هنا ايضا ان هذه الوسائل استعانت في البداية بقرارات مجلس الأمن رغم انها قرارات امريكية قبل كل شيء وبعد, ثم حين قررت ان تسفر عن وجهها بصورة مكشوفة ضربت بتلك القرارات عرض الحائط, واصبحت سياسة اسقاط النظام في العراق سياسة معلنة. وبالتأكيد ما دام الامر كذلك, فليست هناك حاجة للعودة الى الامم المتحدة او مجلس الامن, وليست هناك حاجة لقرارات جديدة وما شابه. بل ليست هناك حاجة لاخفاء اهداف هذه السياسة بعد الآن. المثير في الامر هنا ان الولايات المتحدة قررت اخيرا ان تستخدم جميع الوسائل التي تملكها ودفعة واحدة لانجاز هدف التغيير في بغداد. الحصار من جهة والضربات العسكرية من جهة اخرى ونظام العزل وتجنيد المعارضة العراقية والدول الاقليمية في اطار هذا الجهد. في مثل هذه الاحوال يبدو السؤال المنطقي والطبيعي هل هل ستنجح الادارة الامريكية هذه المرة في تحقيق هدفها في اطار الوسائل الجديدة؟ نستطيع القول بأن الولايات المتحدة ربما تمكنت من اسقاط النظام في العراق, اي قصر مناطق سيطرته ونفوذه على اجزاء معينة من البلاد, وليس اسقاطه بمعنى انهاء هذا النظام كما يتصور الكثيرون. غير ان المعضلة الحقيقية التي تواجه صانع القرار الامريكي, هي كيف سيتمكن من حل مشكلة الترتيبات المستقبلية في العراق. كيف ستضمن الولايات المتحدة ألا يتحول الواقع العراقي من جديد الى فسيفسائه واجزائه المكونة من قبلية وطائفية وقومية وعشائرية.. الخ تحت ضغط الظروف الجديدة. والحديث عن الديمقراطية في العراق او في غيره من البلاد العربية شيء طيب, ولكن الطريقة التي تريد من خلالها واشنطن تحقيق هذه الديمقراطية هي من النوع القسري الذي يجهض اي تطور طبيعي لدولة مثل العراق. ينبغي ان نسجل هنا بأن النظام الحالي في بغداد ورغم كل ما يقال عنه وفيه, استطاع بنجاح ان يحافظ على التركيبة المجتمعية متماسكة رغم كل ما تشتمل عليه من تنوع اثني وديني وعشائري. واستطاع ان يبني مركزا قويا, اضطرت معه الاطراف والنواحي للخضوع القسري تارة والطوعي في احيان كثيرة. قد لا يعني ذلك شيئا كبيرا بمعايير السياسة السطحية والآنية الحالية, لكنه يعني الكثير بمعيار التاريخ والحقائق الصلبة للواقع العراقي. ينبغي ان نتذكر ان الدولة العراقية قامت وتشكلت في بداية العقد الثاني من هذا القرن 1921 في وقت كانت ولا تزال فيه اجزاء من العراق لم تستوعب بعد الخروج من حالة التفكك وحرية الصحراء الى ساحات التوحد والانتظام تحت لواء حكم مركزي. وخلال العقود التي تلت ذلك, وشأنه في هذا شأن معظم الدول العربية جاهد العراق لدمج اجزائه ومكوناته المجتمعية في اطار بلد واحد. لكن من الواضح ان هذه المهمة لا يمكن ان تنجح في غضون بضعة عقود من السنين بما انها نتاج اكثر من عشرة قرون. وفي مثل هذا الوضع يصبح التدخل الخارجي, وكما كان الامر دائما حافزا قويا لاستنفار وايقاظ العصبيات الكامنة ووضعها على طريق المواجهة والتصادم. هذه هي المعضلة التي تواجه الامريكيين وغيرهم في العراق. ولذلك اعتقد بأن المناورات الامريكية الحالية لا تهدف الى تغيير النظام العراقي بقدر ما تهدف للضغط من اجل تغيير بعض الوجوه والشخصيات فيه, ربما املا منها في الخروج من المأزق الراهن بأقل قدر من الخسائر. ويدل على ذلك الاصرار الامريكي حتى الآن على الابقاء الصارم على الحصار الظالم المفروض على العراق, والذي لا يوجد ما يشير الى انه سيرفع في الامر المنظور وبصرف النظر عن بقاء النظام الحالي, فضلا عن مسائل التعويضات والرقابة المستقبلية على السلاح وباقي اشكال احكام السيطرة على هذا البلد العربي. لقد دخل العراق او ادخل في صلب الاستراتيجية الامريكية, وسيكون من الصعب اخراجه منها بسهولة يوما ما, ودونما تكاليف قد تكون باهظة على جميع الاطراف.