صورة سلوبودان ميلوسيفيتش معلقة في مراكز الشرطة وخفر الحدود والمطارات والمحاكم, ومعه صور اربعة من قيادة دولة يوغسلافيا انه مشهد حضارة القرن المقبل حتى ولو جاءت بدافع من حلف شمال الاطلسي , حتى ولو لعبت السياسة بالقضاء في المرحلة الاولى ومارست الانتقائية, لايهم المهم ان تستقر في الاذهان فكرة جديدة هي فكرة القضاء الدولي مع تأسيس محكمة عالمية لا سلطان لدولة بذاتها عليها, محكمة قد تمثل في يوم من الايام ضمير الانسانية المعذبة وتجسد طموحاتها في ان ترى السفاحين الكبار ملاحقين من قبل قضاء عالمي يتجاوز مايسمى سيادة الدولة. قبل ميلوسيفيتش رأينا وجه العجوز السفاح اوجستو بينوشيه رئيس جمهورية تشيلي وهو موقوف في احدى مصحات بريطانيا ينتظر قرار ترحيله الى اسبانيا بفعل طلب قضائي متواضع تقدم به قاض اسباني ومن مرحلة الى مرحلة بدأت مسألة محاكمته على جرائم القتل والتعذيب تتغلغل في الضمير العالمي كأنها حقيقة جديدة ومقبولة بعد ان كان هؤلاء يتمتعون بحصانة بل وقداسة صنعها القانون الدولي القديم باسم سيادة الدولة وباسم عدم تدخل الدول الاخرى في شؤونها الداخلية وهي مبادىء تساقطت وتهاوت كأوراق الخريف. وقبل بينوشيه رأينا امريكا تغزو بنما منذ عشر سنوات وتعتقل الرئيس نورييجا وتأخذه الى زنزانة بالولايات المتحدة الامريكية, ثم رأينا امريكا كذلك تعيد الرئيس القس (جون ارستيد الى سدة حكم جمهورية هايتي بعد ان طردت المنقلبين عليه وكان ارستيد عاد على ظهر حاملة طائرات امريكية وهي نفسها التي حملت على ظهرها المنقلبين عليه وهم يعملون الان في احدى المدن الامريكية كاصحاب مطعم اكلات سريعة. هذا التغيير المبارك في القانون الدولي بدأ مع مثقف طبيب فرنسي هو (برنارد كوشنر) يحتل اليوم موقع وزير الصحة العامة في فرنسا. وهو الذي اسس المنظمة العالمية المعروفة (اطباء بلا حدود) كان هذا الطبيب المثقف ينتقل في السبعينات من مخيم للاجئين الى مخيم للمضطهدين في افريقيا واسيا ورأى وهو يرأس منظمة اطباء بلا حدود كيف ينجو المجرمون الحقيقيون من اي عقاب نتيجة مفهوم سيادة الدولة فكانت الدولة, اية دولة تمارس الفاحشة ضد شعبها اوضد طائفة من شعبها ولا احد يسائلها عما اقترفت كانت الدولة في برج عال لاتهددها الملاحقة وجاهد هذا الطبيب المثقف الاعزل وشق طريقه السياسي في الحزب الاشتراكي الفرنسي الى ان عينه الرئيس الراحل فرنسوا ميتران وزيرا للعمل الانساني وزاره جديدة لم تخطر على بال اي رئيس فرنسي في السابق, احدثها ميتران للطبيب الدكتور برنارد كوشنر وبدأ هذا الرجل يدافع عما سماه حق التدخل لاسباب انسانية وحتى في حالة سوء استعمال هذا الحق فإن المهم هو العقيدة الجديدة التي تحرك الضمائر وتهز الوجدان وتحاول منع الاضطهاد والتهجير والابادة والقمع والاغتصاب. وسبق ان تحاورت مع هذا الرجل المثقف واهديته كتابي الصادر عن دار نشر باريسية باللغة الفرنسية عام 1992 بعنوان: (الاسلام والغرب صراع الالف سنة من الحروب الصليبية الى حرب الخليج. عن دار الفكر العالمي باريس وحييت في كلمة الاهداء نضاله من اجل قانون عالمي جديد وراسلني برسالة فكرية تحدث فيها عن حق التدخل معلقا على كتابي وما جاء فيه من ضرورة حوار الحضارات من اجل السلام. ان برنارد كوشنر رجل للقرن المقبل كما ان عقيدة القضاء العالمي هي عقيدة القرن المقبل وقد بدأت تؤتي اكلها حين نري اليوم احد سفاحي السبعينات بينوشيه موقوفا منتظرا تقرير مصيره وحين نرى سلوبودان ميلوسيفيتش ملاحقا مطاردا كأي مجرم حرب مهددا بالقضاء العالمي. يقول بعض المثقفين ان هناك انتقائية وهناك سوء استعمال واقول نعم لكن هذه الافكار الجديدة كلها تعاني في مطلعها من هذه الظواهر ثم تتشكل وتوجهها ضمائر المفكرين وقادة الرأي الى وجهتها الحقيقية بصبر وثبات وايمان. لاعزاء بعد اليوم لسفاحي الشعوب والآمرين بتعذيب الناس والقائمين بتدجين الحريات والمؤذنين بتهجير الملايين والقائلين مثل فرعون: لانريكم الا مانرى والدائسين على الحقوق والراقصين على الجماجم. سوف يكون نومهم اقل هدوءا بعد اليوم وسوف يتقلبون على فرشهم خوفا من يوم موعود سماه الله عز وجل بالوعد الحق وهو لايخلف وعده.